Wednesday, March 15, 2017

نسخ المصحف وإطعام القطط

نسخ المصحف وإطعام القطط

قرأت قبل أيام خبراً يقول إن فتاة من خانيونس جنوبي قطاع غزة نسخت المصحف كاملاً بيدها. الخبر مرفوق بعشر صور للفتاة وهي تخط كلمات المصحف بالرسم العثماني محاطة بعشرات الأقلام. إلى هنا نسدل الستار على المشهد الأول.

رأيت امرأة عجوزاَ، تأتي في تمام الثامنة مساء كل يوم إلى ساحة الحي، ثم تصدر بفمها صوتاً تفهمه القطط، فتتقافز بالعشرات من كل مكان نحو الساحة، فتأكل وتشرب، بينما تمسح العجوز على ظهورها. إلى هنا نسدل الستار عن المشهد الثاني.

سنغادر هنا منطقة الحسنات -التي علمها عند الله- لنخوض أكثر في ما إذا كانت الأعمال تؤخذ جديتها بمقدار شقاء الإنسان الشخصي في تأديتها، رغم احتمال عدم استفادة الآخرين منها، أم بمقدار فائدتها للغير، وإن بُذِلَ فيها جهد أقل.  

يشبه المشهد الأول إلى حد كبير مشهد الرجال الثلاثة الذين قالوا في حضرة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- "أمّا أنا فإني أُصلي الليل أبداً. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال ثالث: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا". فأنكر الرسول الكريم أفعالهم. (الحديث الأول)

أما المشهد الثاني فله ضد في الحديث النبوي القائل: "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت هزلا". (الحديث الثاني) لم يخبرنا الحديث إن كانت هذه المرأة مسلمة أم لا، وفيه ما يشي إلى أن احتمال دخولها الجنة كان مرتفعاً لولا أنها قتلت القطة.

بمنطق الحديث النبوي الأول، المتعلق بتكريس النفس للعبادة فقط، ربما لن يُدخل نسخ المصحف الفتاة الجنة. وبالمنطق نفسه، لكن في الحديث النبوي الثاني، قد تدخل المرأة مُطعمة القطط الجنة. رغم أنها غير مسلمة، فإن الرحمة تملأ قلبها.

ثم تخيلت الفتاة الغزية وهي تحبس قطة إلى أن ماتت، وتساءلت: بماذا سينفعها حينئذ نسخ المصحف؟ هذا بالضبط ما نجيب عنه بالقول: الله أعلم.

إذن، نحن إزاء مشهدين متناقضين في فهم فعل الخير المفضي في نهاية المطاف إلى التقرب من الله. عند الفتاة ناسخة المصحف يعتبر الجهد الجسماني طريقاً في هذا الاتجاه. أمام مطعمة القطط فهي تهتدي بقلبها وتستخدم إنسانيتها من أجل الوصول إلى ما تعتبره سريرتها بر الأمان بعد الموت.

يقول المنطق، إن الإيغال في العبادة المجردة حد الإغماء أو الإنهاك غير مطلوب، ونظن أن هذه النوع من العبادة هو ما لا يريده الله منا ولنا. وقد أنكر النبي هذا الفعل كما ورد سابقاً. بل إن الابتكار في أساليب العبادة قد يجعل لك أجران: أجر الابتكار، وأجر تنفيذه، خاصة إن كانت فائدته ستشمل كثيرين.

ومن هنا، لا أرى في نسخ المصحف عملاً ابتكارياً في العبادة بمفهوم عصرنا الحالي. فالمساجد والمكتبات مملؤة بالمصاحف المطبوعة بأجود أنواع الطباعة وأفخرها على الإطلاق. بل يمكن القول، إنه بالأساس يبدو عملاً غير تعبدي إذ ما قُدّر للفتاة مثلاً استخدام موهبتها في الخط في إنتاج لوحات تُباع فيعود ريعها لدور للأيتام أو المسنين.

لن يعدم الإنسان الوسائل إذن، إن فكر قليلاً، في كيفية توظيف موهبته أو مهاراته في عبادة الله، إن كان هاجسه دائماً العبادة. وإن لم تشغله مسألة العبادة، فيكفيه قلبه دليلاً ليقوم بما يراه صحيحاً، والصحيح صنو الإيمان، وليعمل ما ينفع الناس. وفي الحالتين على الإنسان أن يترك تقييم الإنتاج على الله.

Friday, March 10, 2017

الفلسطيني.. وسؤال الهوية والانتماء

الفلسطيني.. وسؤال الهوية والانتماء والحلم

كنّا خمسة فلسطينيين، وتحديداً من الجيل الثالث بعد النكبة، حين طرح محمد سؤالاً بشأن هويته، قائلاً إنه لم يهتدِ بعد للإجابة عنه كلما حدثته به نفسه، لا سيما في سياق تنقلاته التي أخذته للعيش في أكثر من مكان. من غزة التي ولد فيها أواخر سبعينات القرن الماضي، إلى أميركا التي درس فيها ويشعر بأنها تركت شيئا فيه، وصولاً إلى الدولة الخليجية التي يعمل فيها حالياً ويدرك تماماً أنها محطة مؤقتة له ولأسرته.

فرضت هذه التنقلات التي عاشها محمد -وكلنا نشبهه فيها بشكل أو بآخر- ترجمتها في الحوار من خلال عدم مقدرتنا على التفريق بين الهوية والانتماء والحلم، يضاف إليها الهواجس التي تسكننا نحن الخمسة من المستقبل. وبهذه الطريقة، وجدنا أنفسنا في مفترق مفتوحة طرقاته على المجهول، ونحن ننتمي إلى جيل لم يعش حياة المواطنة الحقيقية في وطن ذو حدود معروفة، وسيادة تامة، أو جغرافيا محددة، غير ذلك الذي رسمه آبائنا وأجدادنا في مخيلاتنا منذ النكبة إلى الآن. فبين الوطن الحقيقي والآخر المتخيل مسافة ثلاثة أجيال على الأقل، هي كافية لأن تفعل في الهوية والانتماء والحلم مفاعيلها.

اختلطت علينا مفاهيم الهوية والانتماء والحلم -أما الخوف من المستقبل فكان يتغلغل في ثلاثتها بقوة- ونحن لم نبرح بعد مرحلة تعريف المفاهيم. كان ذلك الاختلاط، وإن شئت الفوضى التي تحجب رؤية الأرضية التي تقف عليها أقدامنا، انعكاساً للظروف التي عشناها في أكثر من مكان، وما تركته هذه الأماكن من بصمات على جدار ثقافتنا وعقلياتنا وطرق حياتنا وشخصياتنا. وهذه الأشياء، إن قدر لها أن تتحدث، فإنها بلا شك ستبوح بقدر وفير عن اضطرار للغربة، وفوضى في اختيار المكان (حيثما كان الرزق كان الوطن)، وضبابية في الحلم الذي بدأ يضمحل في العودة إلى الوطن الأم، مضافاً إلى هذا كله هاجس البحث عن وطن مستقبلي جديد للأولاد، لا ندري كيف ستكون فيه هوياتهم وانتماءاتهم وأحلامهم.

ما هي هويتي؟.. يمثل محمد جيلاً كاملاً من أولئك الذين ولدوا أواخر السبعينات ومطلع ثمانينات القرن الماضي، ممن يجدون أنفسهم أمام طريق مسدود إذا ما طرح أحدهم على نفسه هذا السؤال. هل الوطن هو المكان الذي ولدت فيه (غزة)، وهو جزء من وطن أكبر يسكن المخيلة فقط؟ هل الوطن هو المكان الذي تعلمت في إحدى جامعاته (خارج مكان الولادة والوطن المتخيل) وبنى مدماكاً لا يتزعزع من ثقافتي وشخصيي وأعجبتني الحياة فيه؟ هل الوطن هو المكان الذي منحني فرصة العمل والعيش الكريم، لا لانتمائي السياسي، بل لانتمائي إلى ذوي الكفاءات التي يحترمها هذا المكان؟

بين مفهومي الهوية والانتماء لم يَحسِم النقاش القضية بعد، وعلى الأرجح أنه لن يحسم طالما أن لكل منهما تأثير لا مفر منه بالآخر. فالهوية -من وجهة نظرنا- هي أشمل من الانتماء، وعادة ما يُعبر عنها في ما يتعلق بقضايا الوطن الكبرى. في الحالة الفلسطينية تتشكل هوية الفلسطيني في كل مظهر من مظاهر مقاومة الاحتلال الإسرائيلي. كما تتجلى هذه الهوية إذا ما حقق الفلسطيني إنجازاً في محيطه الإقليمي أو على المستوى الدولي.

لكن في مرحلة ما من مراحل الانتماء، مع وجود الوطن في المخيلة فقط -يحدث ذلك اليوم للجيل الرابع والخامس بعد النكبة من الذين ولدوا وترعرعوا خارج فلسطين- يتحول الانتماء للحيز الحالي إلى الهوية نفسها، فما يعود هذا الجيل يفرق بين الهوية المتخيلة المنقولة إليه من الآباء، والانتماء إلى المكان الآني الذي شكل كل ذرة من شخصيته. وهكذا يصير الانتماء لديه أكبر من الهوية بكثير، رغم أن الثانية أهم وأعمق، من وجهة نظرنا، هذا إن لم يتحول الانتماء إلى الهوية ذاتها.

والدليل على أن الهوية هي مظلة الانتماء، هو أن الإنسان يحمل هويته على الدوام، أي كانت جنسيته، في كل مكان يحل فيه ويرتحل إليه، خصوصاً إن قُدر له العيش فترة من حياته في وطن حقيقي. بخلاف الانتماء الذي قد يكون وقتياً من وجهة نظرنا. فأنتِ تنتمي للمكان بمقدار ما يعطيك. لكن الانتماء لا يحل محل الهوية، التي يمكن استحضارها في أي لحظة، سواء كان ذلك بالإيجاب أو السلب، إذا ما خان المكان يوماً انتماءك إليه وتنكر لك ناسه.

وفي الإجابة على سؤال الانتماء اتفق أربعة منا، كاتب هذا المقال ومحمد وسليمان وأبو كريم، وكلنا ولدنا في غزة وقضينا فيها جزءاً معتبراً من حياتنا، على عدم شعورنا بالانتماء إلى غزة. كان تبريرنا أن غزة لم تعطينا شيئاً، ولم تترك فينا بصمة يشير إليها أحدنا بالبنان بافتخار واقتدار. ربما لأن ما أنجزناه خارج غزة في سنوات قليلة، كان أكبر بكثير من ذلك الذي حققناه في غزة التي قضينا فيها سنوات أكثر. هذه الخلاصة تعطينا مفهوماً جديداً للانتماء للمكان الذي مكننا من الإنجاز، أو ما نحب أن نطلق عليه النجاح أو تكوين الذات. 

ورغم أن هذا الانتماء حقيقي في ظاهره، إلا أن أربعتنا اتفقنا على أنه مؤقت في جوهره، طالما أننا لا نزال نبحث عن وطن بديل، إذ لم يُخمد الانتماء المؤقت هواجسنا بعد. مرة أخرى، ينتاب هذا الشعور الإنسان الفلسطيني دون غيره، طالما أنه يعيش "انفصاما وطنياً" مترجماً في فوضى الهوية والانتماء، راكمته النكبة منذ العام 48، ونقله جيل الأجداد -الذين نظن أن الهوية والانتماء كانتا بالنسبة لهم أوضح في دولة فلسطين قبل النكبة- إلى أبنائهم، والذين بدورهم نقلوا هذا الإرث الثقيل إلى أولادهم. وفي كل مرحلة من مراحل النقل هذه، تكفل الزمن بأكل جزء من الهوية والانتماء للدرجة التي تدفعنا للتساؤل اليوم: ترى ماذا تبقى من هوية الأجداد الأصيلة -الجيل الأول للنكبة- في نفوس الجيل الرابع أو الخامس بعد نحو 70 عاما من النكبة؟

يعطينا حازم، الفلسطيني المولود في لبنان، وهو من الجيل الثالث لما بعد النكبة، مفهوماً ثالثاً للانتماء. ومفهوم حازم عن الانتماء -دعك من الهوية التي لا يستطيع تحديدها حتى اللحظة-  مفهوم افتراضي غير ملموس. كوّن حازم هذا المفهوم على هذه الشاكلة لأنه أولاً لم يولد على أرض فلسطينية. ثانياً، كوّن حازم مفهوم الانتماء الافتراضي إلى فلسطين -والذي يصر عليه كحل أخير إذا ما خُيّر بين العيش في لبنان أو فلسطين- بناء على ما نقله جده إلى أبيه، المولود هو أيضاً في المهجر، عن فلسطين. نحن إذن إزاء عملية نقل لوطن مُتخيل من شخص إلى آخر على مرحلتين. في حركة النقل هذه، لا بد أنه قد سقط شيء ما في المسافة الزمنية والعمرية الفاصلة بين الجد والأب والأب والابن. لك أن تتخيل الآن تلك الهوية التي سيحملها حازم، وذلك المكان الذي سينتمي إليه؟ 

وفي خضم الحديث عن الهوية والانتماء تراءت لنا أحلام جمعتنا كلنا نحن الخمسة بالعيش في أوروبا. فاختلطت علينا مرة أخرى مفاهيم الهوية والانتماء والحلم. قال سليمان إنه يحلم بالعيش في كندا. أما حلم محمد فيتركز بالعودة إلى أميركا والعيش فيها. وكاتب هذا المقال سيهجر يوماً المكان الحالي ليستقر في مكان آخر لا يزال في مخيلته حتى اللحظة مجهولاً، رغم أن كل من حوله متأكدون منه. أما حازم فلا سبيل له إلا أوروبا ليتخلص من وثيقة سفره اللبنانية، ويشعر -ولو لمرة واحدة- أنه مواطن وإن كان في بلد غير عربي، بعد أن ضن عليه العرب بجوازات سفرهم. أبو كريم قد يتوجه يوماً إلى كندا أو أميركا، بعد أن أصبح له طفلان يحملان جنسية البلدين بالولادة.

أخذ منا الحوار نحو ثلاث ساعات، لم نحسم خلاله إلا مفهوم الحلم -كما بدا واضحاً لي على الأقل- ليبقى مفهوما الهوية والانتماء معلقين بمشجبين على حبل وطن اسمه فلسطين. بعضنا عاش فيه قليلاً، ومنا من لا يزال يتضخم في مخيلته. التقطنا ثلاث صور جماعية، واحدة للهوية والثانية للانتماء وثالثة للحلم. وفي نهاية الحوار سألني محمد: لماذا تلتزم الصمت؟ فأجبته: لأنني أكتب. فكان هذا المقال.

Sunday, March 5, 2017

الملحوساتي

الملحوساتي

لَحَسَ، يَلْحَسُ، لَحْسَاً فهو لاحِسٌ بلغة القاموس، أما بلغة هذا المقال فهو مُلَحْوِساتِي، وهو موظف صغير متملق. والمفعول مَلْحُوْس، وهو مدير المؤسسة. تجد الملحوساتي في كل مؤسسة عربية صغيرة كانت أم كبيرة. يقوم بمهام تحولت مع الوقت إلى مهنة، رغم أن هذه المهام غير منصوص عليها في ميثاق عمله. يُطلق عليه زملاؤه هذا الوصف، الأشبه بالحرفة، لكثرة ما يُلَحْوِسُ أو يُلَحِّسُ للمدير، ليس مديره المباشر، بل لمدير المؤسسة. نقول ذلك بغمزة عين. إلى هنا نغادر القاموس، وفهمك عزيزي القاري كفاية.

يتحول الملحوساتي مع الوقت، وإن شئت يتحور، ليكيف نفسه ويتكيف مع كل ما يريده  مدير المؤسسة. يفهم تماماً ما يريده المدير. فهو المبدع وقت ما يبحث المدير عن مبدعين. وهو المبتكر وقت ما تعز على المدير الحلول الخلاقة. وهو الإسفنجة أيضاً التي تمتص غضب المدير إذا ما أراد يفرغ طاقته العصبية في أحد الموظفين.

يقدم نفسه بكل هذه الشخصيات، إن لم يكن أكثر، وهو دائم الاستعداد لأن يلبس أي وجه يريده المدير في الحال، بل ويجترح المواقف ويفتعلها ليس إلا من أجل أن يقدم نفسه في كل مرة على أنه المُخلص، مما يعزز من وجهة النظر القائلة أن فكرة التخلي عنه في أي شاردة أو واردة في المؤسسة أمر ليس شبه مستحيل فقط، بل المستحيل بعينه.

مع مرور الوقت تنمو بينه وبين المدير علاقة جذب متبادلة، تجعله محط أنظار المدير في كل مرة يجد فيها الأخير نفسه مزنوقاً في كيفية التهرب من موقف محرج أو إيجاد حل لمشكلة مستعصية أو تقديم أفكار تبدو لحضرته أنها خارج الصندوق. تنشأ هذا العلاقة من الطريقة التي يقدم بها نفسه أو أفكاره للمدير، لا الأفكار نفسها. فهو مبدع في ثلاث لغات: لغة الجسد ولغة التهويل ولغة الإيهام.

لكن حقيقة المسلحوساتي أنه إنسان يدخل المؤسسة، ليكتشف بعد فترة وجيزة أنه شخص ليس لديه الكثير ليقدمه لها، وفي قرارة نفسه أنه غير كفؤ للموقع الذي يملأه، وهذا أفضل تقدير يمنحه بنفسه لنفسه. ولما يجد نفسه وجها لوجه أمام هذه الحقيقة التي يرفض الاعتراف حتى لزوجته، لا يتوقف عن البحث عما يبقيه في هذا المكان، وطريقه الوحيد إلى ذلك يكون بتعزيز إيهام المدير بأن الاعتماد عليه لا مفر منه.

تمضي الأيام والسنون في عمله بالمؤسسة، ليصبح مهابها من بقية الموظفين، لا سيما المدراء في الطبقات الوسطى والدنيا، بمن فيهم  مديره المباشر. ولم لا يحدث ذلك وهو ومدير المؤسسة قد أصبحا "طيزين في لباس"! تسمح له هذه الوضعية لاحقاً بأن يتحكم في مفاصل المؤسسة، و"تمشية" أية معاملة في كل الإدارات، ويكون دائماً طلبه مجاباً بما خلقه من قوة تنفيذية ناعمة مكتسبة فقط من قربه من مدير المؤسسة.

ينتقل صيته من داخل المؤسسة إلى خارجها، ويصبح مقصد المراجعين والزبائن، فيطلبونه بالاسم لتدبير أمور معاملاتهم. يقوم بذلك لقاء مبلغ بسيط يكون مرفقاً بدبوسين في أوراق كل معاملة يستعد لإنجازها. تسمح له هذه الحركة بدخل آخر يفوق مرتين أو ثلاثة راتبه في المؤسسة. وهكذا يدخل نادي الأثرياء ويشتري سيارة فخمة لا يقدر على ابتياعها كثير من مدراء المؤسسة الأعلى منه رتبة، والذين قضوا سنوات عمرهم فيها.

ستعرفه من كلماته وتصرفاته. فهم أكثر شخص يقول "حاضر". وعندما تجده "يتنطط" بين المكاتب فاعلم أنه متشاغل، لأن مدير المؤسسة ببساطة في مهمة خارج المكان، وهذه فرصة تتيح له التجسس على سير العمل في الأقسام كافة وتقصي أخبار الموظفين. لاحقاً، ينقل ما جمعه من معلومات إلى المدير بطريقتين: الأولى إذا ما سأله المدير عن أحد أو قسم من الأقسام يكون حاضراً بالإجابة. الثانية التطوع بتقديم التقارير الشفهية للمدير رغبة منه في تعزيز حظوته لديه.

والملحوساتي، له قدرة غريبة على حشر أنفه في أي نقاش. تكفيه كلمة واحدة فقط يلتقطها من الحوار ليأخذ الميكروفون، ثم يعتلي المنصة منظراً. يفهم في كل شيء، أو هكذا يدعي على الأقل، ويقدم اقتراحاته الخلاقة للعاملين في أي قسم من أقسام المؤسسة، معتبراً مقترحاته ليست مجرد إثراء للحوار، بل أوامر تستوجب التنفيذ الفوري. يفهم هذا من لغة جسده وما تشي به عيناه ونبرة صوته السلطوية المكتسبة من "رائحة المدير".

Tuesday, February 28, 2017

المسكوت عنه في غزة

المسكوت عنه في غزة

انتبه.. هذه المدينة تقتل!

          "حماس ديكتاتورية".. هاتان الكلمتان الخفيفتان على اللسان الثقيلتان على صدر حماس، لا يجرؤ أن يتفوه بهما أي ناشط غزي، أو أن يكتبهما في صفحته في فيسبوك أي مؤثر متذمر من حماس وحكمها في القطاع. لا أقول ذلك كي أصبح ناشطاً -لا قدر الله- أو مشهوراً في وسائل "التهافت" الاجتماعي -والعياذ بالله-. إنما أقوله لعله يلامس بعضاً مما يعتمل في نفوس كثيرين من مكممي الأفواه غصباً عنهم بقبضة حماس الحديدية في غزة.

يتهامس جيران أبو خالد الزهار، المسؤول في حماس، عن سبب عدم انقطاع التيار الكهربائي عن بيت الرجل، بينما لا تزورهم الكهرباء في اليوم الواحد -إن تجلى كرم حماس في أحسن حالاته- إلا ست ساعات. الناس الذين يقنطون على بعد "فحجات" من منزل فتحي حماد، المسؤول هو الآخر في حماس، تضج دواخلهم بالغبن حين يرون بيته مضاء، بينما يعيشون هم على الشمعة منذ سنوات. كان هذا ظلماً على المستوى الإنساني.

"اسكت ليسمعوك.. ويطخوك برجليك" يهمس الناس في آذان بعضهم بعضاً في غزة، إذا ما حاول أحدهم أن يوجه انتقاداً لشرطي صغير أو موظف مغمور يعمل في مؤسسات حماس التي سيطرت عليها في 2007. لقد أطلقوا النار بالفعل على أرجل الكثيرين تأديباً لهم، واحتجزوا آخرين أياماً لأنهم كتبوا تلميحا أو تصريحاً -والأخيرة هذه نادرة- بضع كلمات ضد حماس، أو أحد قادتها، أو حتى لمجرد انتقاد الوضع السائد في غزة في عهد الحركة العتيدة. قل مثلاً "الوضع في غزة زي الزفت ومقرف، (...) أخت حماس"، وستكون هذه العبارة كفيلة بإدخالك وأهلك وأصدقائك في مواجهة لا تنتهي مع حماس، تبدأ بالحبس ولا تنتهي عند المنع من السفر. 

وأمام ديكتاتورية حماس "الخشنة"، بات الناس يترحمون على ديكتاتورية عرفات "الناعمة". فبينما لا يستطيع أي غزي هذه الأيام أن يرفع يده أو حتى صوته أمام أي مسؤول في حركة حماس، كان طلاب الجنوب لا يخشون رفع أصابعهم الوسطى في وجه أبو عمار، حين كان يغلق حراسه صباحاً طريق البحر كي يمر موكبه وهو ذاهب إلى معبر رفح، بينما الطلبة في طريقهم إلى جامعاتهم. كانت "البعابيص تخزق عين أبو عمار"، لكنه كان يتظاهر بابتسامة صفراء ملوحاً بيده للشباب متجرعاً مر الموقف!

لقد أتمت حماس تشييد ديكتاتوريتها في غزة على أنقاض "حرية الكلام". لم نتحدث بعد عن حرية التعبير. وللتعبير أشكال أخرى لا يتسع الحديث عنها، وكلها مقموعة في غزة، تبدأ بالرسم على الجدران ولا تنتهي بتنظيم المظاهرات.

دع عنك حرية الكلام أو التعبير، واسأل: كيف بنت حماس امبراطوريتها المالية في غزة؟

حتى عام 2006، تاريخ فوز حماس بالانتخابات التشريعية الفلسطينية وتشكيل أول حكومة بقيادتها لاحقاً، كانت غزة تتوافر على رجال أعمال "متواضعي الثراء"، وكانت العائلات الاقطاعية الغزية الأصلي تُعد على أصابع اليد. في 2017 باتت تتوافر غزة على المئات، بل الآلاف من أصحاب "رؤوس الأموال" -وهو مستوى أعلى من الثراء- ممن لم يُعرف عنهم ولا عن آبائهم أو حتى أجداد أجدادهم أنهم كانوا ذا باع اقتصادية. أضف إلى ذلك لمعان أسماء أشخاص وعائلات بعينها، كانت حتى الأمس القريب "حافية القدمين". يتشكل كل هذا تحت سمع وبصر حماس، بل بإيعاز منها، طالما أنها تستفيد من الضريبة المضاعفة على كل "كيس شيبس" فما فوقه يدخل القطاع. تقول حماس للتاجر المتعطش للثراء: "مَليِن وخلينا نِمَلين معك"!

"غزة تغرق بالحشيش" تحت حكم حماس، على نحو لم تشهد له هذه الظاهرة مثيلاً من ذي قبل. سيجارة الحشيش في غزة بعشرة شواقل (حوالي 3 دولارات أميركية) أو أقل. إلى هنا قد لا يبدو الأمر غريباً. لكن الأغرب أن تجارة الحشيش تزدهر وتنمو بشكل كبير وغزة في عهدة حماس. تضبط شرطة حماس -متى يحلو لها أن تضبط- بضعة عشرات من "فروش الحشيش" المهربة من الأنفاق، أو عبر الحدود الإسرائيلية مع غزة، وتغمط العين عن آلاف أخرى. مرة أخرى، يحدث هذا تحت سمع حماس وبصرها، ولسبب ما في نفسها تحسب أنها تستطيع إخفاؤه، تعاد عملية تدوير الحشيش في المجتمع الغزي على نحو يوفر لها الملايين، من تجاره الذين تعرفهم بالواحد.

"غالبية شباب غزة يتعاطون الترامال". إلى فترة قريبة، كانت تسمح حماس بدخول الترامال من مصر إلى غزة عبر أنفاق معينة، تعرف حماس أصحاب هذه الأنفاق كما يعرفون أبناءهم. ثم تغير الشرطة على الصيدلية التي يصل إليها الترامال، ويساومون صاحبها على الدفع مقابل عدم الحبس. تصادر "كراتين" الترامال، إلى أن يعاد تدويرها مرة أخرى في السوق بعد أن تكون حماس قد جبت من ورائها ثلاثة ضرائب. الأولى من صاحب النفق، والثانية من الصيدلي والثالثة من بيعها في السوق مرة أخرى.

ثم ظهرت فجأة في غزة تجارة السيارات. عشرات السيارات المسروقة من ليبيا دخلت إلى غزة عبر الأنفاق، وغيرها المئات من سيارات الدفع الرباعي الجديدة. مئات السيارات الأخرى تدخل إلى غزة عبر معبر إيرز. تتقاضي حماس عن كل سيارة سواء دخلت عبر الأنفاق أو إيرز مبلغاً محترماً، مَكّن بعض أفرادها أو المقربين منها من بناء ثروات طائلة بين ليلة وضحاها. تجار السيارات -من محدثي النعمة- في غزة اليوم يعدون بالعشرات، وقد كان يتمنى أحدهم حتى الأمس القريب أن يقود -لا أن يقتني- سيارة ولو بالإيجار لبضع ساعات.

لقد تحول جهاز حماس الإداري المؤسساتي المتضخم منذ عام 2007 إلى الآن، إلى جهاز يحترف الجباية. تمتد يد الجباية إلى كل ما يدخل غزة من أسمنت وحديد وحصمة وبضائع غذائية إسرائيلية وسيارات وحشيش وترامال وبنزين وقطع غيار... حتى حفاظات الأطفال وإبر الخياطة. والضريبة هذه في أدنى أحوالها تكون مئة بالمئة من سعر المنتج، وتصل إلى ضعفي سعره إن لم يكن أكثر في كثير من الأحيان. (السيارات مثالاً). حتى جيب المواطن الغزي الغلبان الفقير -الذي لا يتمتع بأبسط الخدمات، مثل الكهرباء والماء بينما ينعم بها قادة حماس وكثير من مناصريها- تمتد إليها يد حماس، وتأخذ ما بها، حتى وإن علق بيدها خيط من جيبه المخروم. إنها جباية فواتير لقاء خدمات غير موجودة وفي كثير من الأحيان وهمية.

"لا يوجد في غزة حصار.. حماس تتاجر بمعاناة الناس". هذا ما يقوله الناس في غزة هذه الأيام. يقول الناس ذلك، بعد أن باتوا يرون ترجمة لهذه المقولة أمام أعينهم يوماً بعد يوم. رويداً رويداً تضخمت سطوة حماس على كل مظاهر الحياة العامة للناس، ودخلت في أدق تفاصيل العيش للغزيين، فأخفى هذا التضخم وراءه الحصار الإسرائيلي، الذي كان في مرحلة ما السبب الرئيس لمعاناة الناس في القطاع. ولما اشتدت معاناة الناس أكثر فأكثر مع مرور الوقت، لاذوا بمعاناة الحصار التي يرونها أخف وطأة من يد حماس الثقيلة على صدورهم. بهذه الطريقة أوصلت حماس الناس إلى المعادلة التي يحب الاحتلال الإسرائيلي اللعب على وترها، وترجمتها: "اليهود أحسن من حماس". على قادة حماس الآن الإجابة عن السؤال التالي: من الذي ألصق ظهر المواطن الغزي الغلبان بالجدار، حماس أم الاحتلال الإسرائيلي؟ الإجابة عند ميسوري الحال على الأقل: فيفتي فيفتي! فما بالك بإجابة الفقير أو المعدم!

"العيش في غزة هذه الأيام أغلى من العيش في لندن أو باريس أو برلين أو نيويورك". لا نقول ذلك على سبيل المبالغة، فهذه هي الحقيقة المرة، التي جعلت من قطاع غزة أصغر جغرافيا في العالم تضم أكبر عدد من السكان (2 مليون نسمة في 36 كم طولا و20 كم عرضا)، من أغلى الأماكن للعيش في العالم. يحدث هذا ليس لما يقدمه المكان من رفاهية، أو لما يتوافر عليه من خدمات، بل لما يحتويه من منظومات استغلالية مفروضة على الناس. يضاف إلى ذلك جر القطاع إلى 3 حروب في أقل من 7 سنوات. ومتى ما اندلعت الحرب، شحت السلع وتضاعفت أسعارها، وظهر تجار لها وبها.

لقد كانت هذه الحروب، لا سيما حرب 2014، كفيلة بأن ترهق نفسية الشخصية الغزية وتدمرها إلى الأبد، وتدفع الشباب الغزي إلى الهجرة بأي اتجاه، وتضع الأطفال فيها على شفير التنمر. وأمام هذه كله، لم تتوقف حماس عن ملاحقة هؤلاء وأولئك جباية للأموال في سبيل تحصيل رواتب لجهازها الإداري الذي يملأ المؤسسات بلا عمل، اللهم إلا رغبة الحركة في المحافظة على واجهة تقدمها دائماً على أنها تحكم السيطرة عليها، اسمها "دولة غزة".

لقد سمحت حماس مضطرة أو برضاها، بحضورها "الغائب" أو بغيابها المقصود، بظهور طبقة "مخملية" في قطاع غزة يُعَدُّ أفرادها بالآلاف، في حين تآكلت الطبقة الوسطى وانضمت آلاف الأسر فيها إلى الطبقة التي تعيش على دولارين في اليوم الواحد. وهذه الطبقة المخملية الثرية، التي تضم أباطرة أنفاق ووكلاء سيارات وتجار مخدرات وغاسلي أموال وحفاة صاروا أصحاب رؤوس أموال، تلاقت خيوطها مع الوقت لتشكل جماعة اقتصادية مصلحية تربطها النفعية المتبادلة. كان آخر هَمُ حماس أن يتشارك أفراد هذه الجماعة مع حماس الأيديولوجيا ذاتها. وإلا، ما الذي يجمع إمام مسجد صاحب نفق، مع تاجر مخدرات لا يعرف اتجاه القبلة؟

بهذا الصورة، أسدلت حماس الستار على مشهدٍ تجمد عند وضع يدها في يد الشيطان. من أجل ماذا؟ أمن أجل إثبات وجود كيانها السياسي الممهور بالوهمية على حساب معاناة الناس؟ أم إرضاء لأطراف عربية وإقليمية تركتها وحدها في ساحة المقاومة وهي في ذروة مواجهتها مع الاحتلال الإسرائيلي؟ سؤالان نطرحهما على قادة حماس بعد كل هذا الإرث التاريخي الثقيل الذي سيتركه حكمها لا محالة ندباً سوداء على صدور الغزيين وقلوبهم المتعبة.

"غزة بلا أخلاق". لخص أحدهم تعاملات الناس ومعاملاتهم على أكثر من مستوى: الثنائي والأسري والعائلي والاجتماعي وصولاً إلى الفضاء العام للشارع الغزي في أوسع مستوياته. لقد بلغ التفكك الأسري في المجتمع الغزي مبلغه، وبات التكافل سلعة مفقودة في سوق الأخلاق. أما على المستوى النفسي، فقد نخر الانهيار المعنوي عظام الغزيين حتى النخاع.

وكانت ترجمة ذلك أن طفت إلى السطح مظاهر لم يكن للمجتمع الغزي عهد بها على الإطلاق. أب يقتل أولاده الثلاثة قبل أن يحرق نفسه. فتى يقتل أمه وأبيه بسكين حافٍ. شاب يشعل النار في نفسه بعد أن استنفد كل السبل لتدبير الرزق. أخ يحرم أخواته من ميراث والدهن. أخ لا يصل رحمه. أخت لا تلقي السلام على أختها. والطلاق "على قفى مين يشيل"!

"كل نساء غزة تقريباً منقبات، وأغلبية رجالها بلحى". هذا هو الوجه الآخر -المقابل الوهمي والخدّاع- لأولئك الذين ورد ذكرهم للتو في الفقرة السابقة مباشرة. فقد بات لا يزعج آكل الميراث مثلاً أن يصلي في السطر الأول من المسجد، بما أن هذا الحضور الجسدي بالمكان يحفظ له استمرارية العمل لدى حماس وبالتالي تقاضي راتب منها. ولا تتورع المنقبة عن الكذب والغيبة والنميمة بينما تسير بخطى حثيثة لأداء صلاة التراويح. يعج المسجد بالمصلين الوهميين، وما أن يصعد أحمد بحر، عضو حماس بالمجلس التشريعي المنتهية ولايته وحياته، منبر مسجد الشيخ زايد في أرض الكتيبة بغزة، ينشغل المصلون بهواتفهم الذكية. يندلع الخطاب عن الصبر على البلاء، وأن الحصار إنما يقطع يومياً من نفسيات الناس وينال من عزائمهم لتخزن لهم هذه الأجزاء على شكل حسنات سترد إليهم مضاعفة يوم القيامة!

ومع هذه الحالة، بات من الطبيعي أن يختفي وراء النقاب واللحية أشخاص لا هَمّ لهم إلا إرضاء حماس، إما من أجل الحفاظ على الراتب، أو تأقلماً إجبارياً فرضته القوة الناعمة للحركة على المجتمع خلال أكثر من 10 سنوات من حكم القطاع. تعجب حماس -على ما يبدو- هذه القشرة الرقيقة جداً من التدين التي تخفي وراءها منظومة ضخمة مشوهة، إن لم تكن منهارة، من القيم الداخلية للإنسان الغزي. لقد ثَلَمَ حكم حماس، مضافاً إليه ضغط الحصار الإسرائيلي، نصل سكين الأخلاق في غزة، فما عاد هذا السكين يقطع كذباً ولا نفاقاً ولا خداعاً.

لم تكن أخلاق الناس في قطاع غزة -قبل حكم حماس- على هذه الشاكلة من الخداع والرياء والممالأة والنفاق. لقد كان المتدين متديناً بحق. كان متديناً حباً في الله، لا حباً في حماس أو راتبها. لم تكن غزة تعج بهذا الكم من المنقبات، ومع ذلك لم نكن نسمع عن الأرقام المخيفة التي تطالعنا بها الصحف هذه الأيام عن حالات التحرش التي تشهدها الحارات الخلفية وبعض شوارع القطاع. هذا مثال: اكتشفت شرطة حماس في شارع بأحد المخيمات، أن الرجال القاطنين فيه يستبدلون نسائهم للدعارة إذا ما جَنّ الليل. هذا مظهر واحد خرج إلى السطح مما تسمح حماس بخروجه، لكن ما خفي ربما يكون أعظم.

رغم هذا كله، يبدو أن حماس ليست في وارد التخلي عن حكم غزة، وإلى الأبد. وفي هذا الخضم، يظهر إلى الفضاء العام هذه الأيام جيل الأبناء. عبد السلام هنية. احفظوا هذا الاسم جيداً. إنه ابن "دولة رئيس الوزراء السابق" إسماعيل هنية. ظهر مؤخراً وهو يلتقي مسؤولين أتراكاً، لم نعرف بالتحديد بأي صفة، اللهم إن كان بصفته "الوريث" ما لم تدحض حماس هذه الفرضية. ثم نتساءل: من أين لحماس وهي تدخل معترك الحكم للمرة الأولى أن تأخذ منظومة حكمها؟ الإجابة، تجدها في المحيط السياسي العربي الديكتاتوري. وإن لم تنهل حماس من هذا المحيط السياسي المعلول، فلا بد أن ينالها جانباً من سهامه. يجوب عبد السلام هنية شوارع غزة هذه الأيام بسيارة، كانت حماس تسميها في يوم ما "فارهة" للتدليل على بذخ مسؤولي السلطة الفلسطينية. والبذخ لدى أبناء السياسيين -ما لم يكن من حر مالهم- هو مظهر أولي من مظاهر الديكتاتورية. فأول الرقص حنجلة.

لقد كان من الطبيعي أن يستغل الحزب الحاكم في غزة الدين ملاذاً أخيراً للتحشيد، خاصة وأن أيديولوجيته تخدم مسلكه هذا. التقط الناس هذه الإشارة وبسرعة كبيرة، مما دفع "فيالق الكذابين" للانضمام إلى حماس صورياً، وكان على حماس أن تتحمل نتيجة هذا المسلك. وفي بقعة مثل غزة، يكثر فيها الموت القادم من الطائرات الإسرائيلية، والحصار الحمساوي المفروض على جيوب الناس، كان من البديهي أن يكون الالتجاء إلى الدين حلاً يتعزى به كل أولئك "الشهداء" الأحياء الذين ينتظرون الموت في أي لحظة.

إذا ما حضرت غزة، وما أثقل تفاصيلها على النفس، تكون التنهيدة طويلة طويلة طويلة، قبل أن ترسم المخيلة مكاناً لها في الذهن على شكل خريطة، يشير إليها بنان العقل وهو يقول: "هذه المدينة تقتل"!

Saturday, February 25, 2017

أساطير التأطير و"الأنا الصحفية"


أساطير التأطير و"الأنا الصحفية"

تقول الأسطورة إنه في إحدى المرات، كتب صحفي العنوان التالي: "قوات الحكومة تتقدم...". وفي اليوم التالي لم يجد أخباراً، لكنه لم يعدم الوسيلة، فكتب: "قوات العدو تتقهقر...". وبين التقدم الذي من الطبيعي أن يتبعه تقهقر، شرب الجمهور الخبر. يحدث هذا لأن "الفَلَسْ" في عالم الصحافة يمكن أن يؤدي إلى أكثر من هذا. وإليك ما هو أكثر من هذا.

تقول أسطورة أخرى أن أحد الصحفيين قد كتب مرة عن "انقلاب" عربة للجيش كان يقودها "عسكري" في أحد مناطق باكستان الجبلية، العنوان التالي: "انقلاب عسكري في إقليم وزيرستان". وهكذا استيقظ الناس على وقع "انقلاب عسكري" في البلاد، لا "انقلاب عربة". هذه المرة لم يشرب الجمهور الخبر. لكن هذا لم يمنع من أن يتمادى "الفَلَسْ" في عالم الصحافة ليؤدي إلى ما هو أكثر من هذا.

لكن، إلى هنا تتوقف الأساطير مؤقتاً لنطرح سؤالاً جوهرياً: إلى أي مدى (وإلى متى) سيبقى الإعلام العربي يتدحرج بهذه السرعة نحو الهاوية، إن كان على مستوى الأداء أو اللغة؟ هل من مكابح للجم القوالب الجاهزة المملة ومنظومات التأطير البالية التي لا تزال تقتحم يومياً مضامين المنافذ الإعلامية، لا سيما التلفزيونية منها؟ متى تنتقل وسائل الإعلام العربية من نسخ الأخبار إلى صناعتها؟

وما نقصده بصناعة الأخبار هنا، ينصب على تلك الأخبار الثقيلة والجدية التي تحدث تغييراً اجتماعياً جذرياً. يأتي ذلك الثقل من النفاذ إلى المصادر في وقت ندرتها أو شبه انعدامها. ويكون ذلك أيضا في الحصول على معلومة يتمنى معرفتها الجميع، في وقت تكون موانع الوصول إليها لا تحصى ولا تعد. وبالمثال يتضح المقال.

فقد تمكنت مراسلة "أيه بي سي نيوز" كريستيان آمانبور -الرئيسة الحالية للمراسلين الدوليين في سي إن إن- من الوصول إلى عرين الرئيس المخلوع حسني مبارك في الثالث من فبراير 2011، في وقت كان اسم الرجل الأكثر تردداً في أرجاء العالم، وكان الكل ينتظر منه ولو كلمة بشأن تعاظم الاحتجاجات في حينه بجميع أرجاء مصر. التقت بمبارك على أرض عربية، تعج بالصحفيين العرب ممن لم يتمكنوا من الوصول إليه.

كان هذا على صعيد الوصول. أما طريقة النقل فكانت احترافية بامتياز. فقبل بث المقابلة مع مبارك، ظهرت آمانبور على شاشة قناتها أكثر من مرة، في نشرات الأخبار، لتقول للناس أن مبارك "قال لي" كذا وكذا. يحدث ذلك لأن المراسل هنا هو المصدر وليس المسؤول فقط. وهذه "الأنا الصحفية" تصرف مهني مقصود يمنح المؤسسة ممثلة في المراسلة قوة مهولة في مواجهة المنافسين. لم تبث القناة طبعا المقابلة مجردة على طريقة "سين جيم"، بل جاءت تصريحات مبارك ضمن تقرير متكامل كانت تتنقل خلاله الكاميرا بين الشارع والقصر الرئاسي.

لماذا نصف كل هذا؟ لأن هذا الفعل من بديهيات العمل الإعلامي المحترف، أي كانت جنسيته، خصوصاً إن كان له باع طويل في العمل. نقول هذا أيضا لأنه يعز علينا أن الإعلام العربي -الذي له تاريخ ليس قصير بالعمل- لم يصل بعد إلى هذه المرحلة. لا نقول ذلك للدفع باتجاه التقليد، أو لأن كل ما هو أجنبي أفضل من العربي، بل لأن طول فترة الممارسة يقتضي تنويعاً في الطرح وتجديداً في طريقة التأطير.

لكن، ما الذي يحدث في قنواتنا التلفزيونية اليوم؟ الذي يحدث هو أن الاستديو لا يزال سيد الموقف في العملية الإخبارية. مثلاً، يجلس المراسل وهو بكامل قيافته (بدلة وقربطة وجل شعر ومكياج) في الاستديو، وخلفه نوافير المدينة الجميلة التي تتوسط حديقتها، والجسور التي تليها الممتلئة بالسيارات، بينما يتحدث عن المعارك في الموصل! يكاد يشرب المراقب المشهد، لولا أن المذيعة قد أعلنت للتو أن هذا الشخص "مراسلنا"، بعد أن حسبه المشاهد مسؤولاً أو محللاً سياسياً.

تنسحب خيبة الأمل وضيق الأفق في التأطير على "اسطنبة" التقارير الإخبارية التلفزيونية. هو هو، ذات القالب الذي تتبعه كل القنوات التلفزيونية العربية منذ أكثر من 20 سنة في إنتاج التقارير. وكأن هذه السنوات ليست كافية للنبش قليلاً في العقل من أجل الإبداع. يبدأ التقرير التلفزيوني بكلام المراسل، ممهدا لظهور المسؤول. يعود صوت المراسل مرة ثانية ممهداً لمحلل سياسي. يظهر صوت المراسل مرة ثالثة ممهداً لنفسه بخاتمة يظهر فيها للمرة الرابعة بشحمه ولحمه. وبذلك يكون بطل التقرير هو المراسل وليس الخبر!

للأسف، لم تنجح التلفزيونات العربية، إلا قليلاً، في وضع المراسل بالميدان على خط المواجهة الأول، ولم يتحول هذا السلوك حتى الآن إلى ظاهرة. ولا يزال احتفاظ الاستديو في النقل الإخباري هو الظاهرة. أما خارج الاستديو، يضع المراسل نفسه أمام الكاميرا وهو في أي مكان، إلا مكان الحدث، وإن كان في مكان الحدث لا تُغيّبه الكاميرا أبداً وهو يرينا مهاراته في الحديث الشفهي، وقدراته الخارقة على الكلام وهو على الهواء مباشرة.

أما "الأنا الصحفية" فهي غائبة تماماً عن قنوات التلفزيون العربية، التي ينصب تركيزها على تأطير المقابلات ضمن برامج تُفرد لها مساحات تسمح للمسؤول الحديث في المهم وغير المهم. إذ لم نرَ صحفياَ أو مراسلاً تلفزيونياً عربياً أن نقل تصريحات عن مسؤول كبير، من عيار رئيس دولة، مستخدما عبارة "قال لي". كل ما هنالك مقابلات تُصب في قوالب معروفة للمشاهد، وبعيدة عن الإبداع لمن هم بالمهنة أخبر.

ختاماً، نحن أمام حالة من الركود في ما تعرضه القنوات العربية اليوم، وكذلك حالة عزوف "شبه مقصودة" عن الإبداع في التناول يجب أن يُسأل عنها أصحاب المهنة، يضاف إليها كثير من الإهمال وعدم الاكتراث بتطوير الأداء. وأمام كل هذا يجد المشاهد نفسه مضطراً على "تجرع" محتوى ليس له يد ولا حيلة في تغييره، إلا أن يمسك الريموت كونترول ويغلق التلفاز بعصبية ممزوجة بلعن كل الإعلام العربي.

Monday, February 20, 2017

حزب التلفزيون

حزب التلفزيون

هذا أكبر حزب في العالم، أبرز أدواته السياسية تلفاز وعينان. لا يحمل هذا الحزب طابعا أيديولوجيا، ولا ينحاز لا إلى اقتصاد أو سياسة، فهو حزب محايد، حتى أنه لا عَلَم له، ولا يرفع شعارات من أي نوع.

يحلو لأعضاء الحزب أن يمارسوا نشاطاتهم اليومية وهم تحت تأثير النعاس، وفي أحسن الأحوال بعينين شبه مفتوحتين. ينسدح العضو أمام الشاشة بعد يوم عمل طويل وهو متعب خائر القوى، ويتكفل التلفاز بالإجهاز عليه.

حزب التلفزيون مسالم، يتعاطى منتسبوه الاحتجاج داخل المنازل. قد يكون ذلك بصوت مرتفع، أو بصمت داخلي، أو حتى في الخيال. يسمح الحزب لأعضائه بالاحتجاج بصور جماعية أو فردية. المهم ألا يخرج النقاش عما تتناوله الشاشة الآن.

هل لهذا الحزب تجمعات خارج البيوت؟ نعم، لكنها مقصورة فقط على حضور مباريات حاسمة، (كلاسيكو الدوري الإسباني مثلا)، إذ يتسمر الأعضاء حول الشاشات في الشوارع العامة وتكتظ المقاهي بالرواد.

ساعات عمل أعضاء الحزب على مدار ساعات اليوم، ليل نهار. فهو حزب موجود على امتداد الكرة الأرضية. تبلغ ساعات نشاط الأعضاء ذروتها في أغلب الأحيان بحلول المساء، أي بعد النفرة من مكاتب الشغل، وتستمر حتى ساعات ما قبل النوم.

جسم هذا الحزب ثقيل، بالمعنى الفردي والجماعي. فبالمعنى الفردي يمكن الاستدلال على ثقله من حالة الكسل التي تنتاب العضو وهو متسمر أمام الشاشة، حتى أنه في كثير من الأحيان لا يقوى على القيام من أجل شربة ماء. كما أغلبية أعضائه من أصحاب الوزن الثقيل، فهم مترهلون ونادرا ما يمارسون الرياضة.

أما بالمعنى الجماعي فهو كتلة جسمانية هائلة، يتوزع أفرادها حول العالم. وهي كتلة لا يحظى بها ولا يضاهيها أي حزب آخر على ظهر البسيطة. إنه الحزب الذي له أفراد ومناصرون في كل بيت على الكرة الأرضية. تجدر الإشارة هنا إلى أنه لا يوجد للحزب مقرات رئيسية، طالما أنه يتمتع بإدارة لا مركزية.

لكن السؤال: من أين يستمد الحزب تمويله؟ من الثلاجة، نعم، كما أقول لك إنه يستمد تمويله من الثلاجة التي يزورها الأعضاء خطفاً في الفواصل الإعلانية، التي تظهر دون سابق إنذار على الشاشة. وهكذا يمول كل فرد في الحزب نفسه بنفسه. كل عضو يحاسب عن مشاريبه. وهذا ما يجعله حزباً خالياً من الفساد المالي.

هناك عيب مهم واحد -على الأقل- في هذا الحزب، ألا وهو أن ولاء أعضائه مؤقت، وينتهي بانتهاء وقت إشباع الرغبة، أو توقف الإرسال. وهذا العيب يوازيه آخر يعتبره الأعضاء إيجابياً. إذ يسمح الحزب لمنتسبيه بالاستقالة بمجرد أن يمسك أحدهم الريموت كنترول ويضغط الزر الأحمر. لكنها على أي حال استقالة مؤقتة، وإن كانت يومية.

لا يسدد أعضاء الحزب أي اشتراكات، سواء كانت شهرية أو سنوية. ولا يشترط الحزب سناً معيناً للانضمام إليه، أو جنسية محددة، أو مكاناً جغرافياً بعينه. كما أن أعضاءه لا يتلقون بطاقات تدلل على انتمائهم له، ويكفي وجود التلفاز في صدر البيت دليلاً.

بقي أن نشير إلى أن أفراد الحزب كانوا قبل اختراع التلفزيون الملون -حتى أواخر ستينات القرن الماضي- منقسمين بين يمين أسود ويسار أبيض. ومع دخول التلفزيون الملون إلى حياتنا بات الحزب يضم طيفاً أوسع من الناس، يشبه إلى حد كبير قوس قزح، إن لم يكن أكثر.

Tuesday, January 31, 2017

لمن نكتب؟

لمن نكتب؟


يستعذب كثير من الكتاب العرب بين الفينة والأخرى طرح هذا السؤال: لماذا نكتب؟ ويهرق حبر كثير في الإجابات "الاستملاحية" الشاعرية عن هذا السؤال الذي تجاوزه قطار الزمن. لكن السؤال الذي لا بد أن يكون مطروحا اليوم عربيا في ظل "فيالق الحمقى" التي تغزو الإنترنت في وسائل "الغباء الكتابي" هو: لمن نكتب؟ بعد قليل سنكون أمام الحقيقة الصادمة.

لنُثَبِتَ بداية الأرقام (وهي بالمناسبة فوضوية لجهة عدم دقتها). يعيش في الدول العربية نحو 345 مليون نسمة بحسب بيانات للبنك الدولي في 2014. يوجد في الدول العربية 54 مليون شخص أمي، بحسب أحدث معلومات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) في 8 يناير 2017، اليوم العربي "للاحتفال" بمحو الأمية. لكن تقديرات اليونسكو في 2014 أشارت إلى 98 مليون أمي بالدول العربية. وهذه الأرقام تخص -على ما يبدو- من تزيد أعمارهم عن 15 عاما، ويستثنى منها الأطفال أو من لم يقوَ بعد عودهم التعليمي. تم استثناء نسب الأمية مقارنة بعدد السكان، لأنها غير منطقية، ولا يعرف إن كانت تجمع "الخُدّج" أم تستثنيهم. (ألم أقل لك قبل قليل أن أرقامنا تعج بالفوضى؟ خلاصة أولى: نحن إذ أمام نحو 100 مليون أمي، في أقصى تقدير.

يقول تقرير لليونسكو صادر عام 2015، أن 15 مليون طفل تسربوا من التعليم في منطقة الشرق الأوسط. وأفاد تقرير الرصد العالمي للتعليم في 2011، أن عدد الأطفال غير الملتحقين بالتعليم بالبلاد العربية يزيد عن 6 ملايين طفل، وأن 7 إلى 20 بالمئة من الأطفال يهربون خلال المرحلة الدراسية الأولى. تبلغ النسبة في بعض الدول 30 بالمئة. يضاف إلى هؤلاء نحو 14 مليون طفل آخرين  حرمتهم الحروب والنزاعات المسلحة في المنطقة من التعليم النظامي، بحسب معلومات (ألكسو) مطلع هذا العام. خلاصة ثانية: نحن أمام 35 مليون طفل على الأقل بلا تعليم، سينضمون قريباً إلى صفوف 100 مليون أمي ليصبح العدد 135 مليوناً.

كانت هذه أرقام الأمية في معناها المجرد، أي عدم القدرة على الكتابة والقراءة، لمن لم يحالفهم الحظ بالتمدرس. وبالانتقال إلى الذين ينتهي مشوارهم التعليمي عند الثانوية العامة، فإن الأرقام للأسف تخوننا مرة أخرى، إذ إنها غير متوفرة للأسف. لكن تقديرنا أن هؤلاء يَعدون بالآلاف إن لم يكن بمئات الآلاف أو الملايين. تحدثنا عن ذلك أرقام الفقر الذي يرزح تحته الملايين. بحسب بيانات للبنك الدولي في 2014، فإن 11 مليون شخص في الدول العربية يعشون على أقل من دولار واحد في اليوم، ويصف البنك هذا الفقر بأنه "مدقع". السؤول: كيف لهؤلاء أن يتدبروا تكاليف المدارس أو رسوم الجامعات الباهظة؟ خلاصة ثالثة: بإضافة الأحد عشر مليونا إلى المائة وخمسة وثلاثين نكون أمام 146 مليون شخص، إما أميون أو ذوي تعليم يتعكز.

لكن ماذا عن "الأمية" في الجامعات العربية؟ نعم، أمية من يدخلون الجامعات، وسيتمكنون بعد 4 سنوات من "فك الخط"! (وين رايح: على الجامعة!. من وين جاي: من الجامعة!) خذ هذا الرقم. بلغ عدد خريجي الجامعات المصرية (الحكومية والخاصة) في 2010-2011 (343 ألف خريج) بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ترى كم واحدا منهم قرأ كتاباً بعد تخرجه؟ إليك رقماً ثانياً: خرجت الجامعات السعودية في 5 أعوام (1431-1435هـ)، (2010-2014) نصف مليون طالب وطالبة من مرحلة البكالوريوس. في السعودية الآن 300 ألف عاطل عن العمل من حملة البكالوريوس، بحسب وزارة العمل. ترى كيف لعاطل عن العمل أن يشتري كتباً وهو لم يجد بعد لقمة العيش؟ هذه فقط نماذج يمكن تعميمها لولا أننا نجد أنفسنا -مرة أخرى- أمام انعدام أرقام تخص قياس الجودة التعليمية وكفاءة العملية التربوية برمتها.

يضاف إلى هذه الأرقام، أولئك الذين يحصلون على شهادات بالتزوير أو الرشى أو الواسطة في طول الدول العربية وعرضها. وهناك من لا يفعلون هذه ولا تلك، وتكون أموالهم حاضرة لشراء "تلك الكرتونة" من روسيا أو قبرص أو اليونان. وفي ما يتعلق بالجودة، بعيداً عن غوغائية الأرقام، فقد فشل أكثر من نصف الجامعات الأردنية مؤخرا في امتحان الكفاءة الوطني الذي نظمته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وفق ما يقول خبير التعليم جميل سالمي في مقال منشور. خلاصة رابعة: على الأرجح أن عدد طلاب الجامعات في الدول العربية يعدون بالملايين. ولأن عددهم غير معروف بالضبط نكتفي بالقول إن عدد طلاب جامعة القاهرة في مختلف الكليات والمستويات يزيد عن 300 ألف طالب.

ما الذي نريد أن نقوله من عرض هذه الأرقام؟ ما نريد قوله أنه عندما نطرح 146 مليون أمي أو متسرب من التعليم، من 345 مليوناً، يتبقى 199 مليون شخص. ثم احذف من هؤلاء ملايين الأطفال دون السن التعليمي النظامي (لا يعرف عددهم بالتحديد في البلدان العربية لأن فوضى الأرقام لا تزال قائمة)، وكذلك أسقط ملايين الجامعيين الذين يحصلون على الشهادة كوسيلة للعمل -إن وجد- وليس رغبة في العلم. السؤال الآن: كم مليونا يا ترى يبقى ممن لديهم الاستعداد للقراءة واستهلاك المعرفة؟

ولأن الناس تكتب لمن يقرأ، فإن جدلية الكتابة والقراءة في الدول العربية، تضعنا على الدوام أمام فئتين عريضتين: أميون- لم يدخلوا المدارس أبداً، وجهلة- يحملون شهادات لكن لا رغبة لهم بالقراءة، إلا قليلا منهم. وفي أحسن الأحوال، إن استأنسنا بالأرقام الآنفة على علاتها، ستجد أن من يقرأون في الدول العربية لا تتجاوز أعدادهم بضعة آلاف. وما نقصده بالقراءة هنا، ذلك النمط الحياتي المخطط له، وليس السلوك الطارئ. القراءة من أجل تطوير الذات معرفياً ومهنياً وترقية المحيط تنموياً. القراءة عن قصد، وليس لمجرد الصدفة أو التسلية أو تمضية الوقت، أو ما يصفها البعض اعتباطا "الهواية".

وأمام منظومة تعليمة تعرج، وجامعات تخرج متعلمين مشوهين، كان من الطبيعي أن تُنتج المجتمعات العربية أجيالا لا تقرأ. عفوا، تقرأ، لكن ماذا تقرأ؟ إنها تقرأ ما يعيد إنتاجه "جيوش التافهين" في فيسبوك وتويتر من تراث جاهلي وإرث تاريخي عقيم. نعم، ها نحن نعيد إنتاج التخلف ذاته، لكن بأدوات عصرية. فما كان لمنظومة مجتمعية وتعليمية وتربوية على هذه الشاكلة، إلا أن يكون هذا هو منتوجها، الذي يعز أن نطلق عليه "ثقافي"، ولا نخجل أن نطلق على كل ما باتت تعج به المكتبات العربية هذه الأيام، لا سيما في السنوات العشر الأخيرة، من روايات وكتب، صفة "النفايات الورقية"، التي لا يمكن أن تأتي كلمة "ثقافة" في جملة مفيدة معها.