Saturday, May 20, 2017

في رَبّ المصالحة

في رَبّ المصالحة

تحسَّسَ مكتبه وسط العتمة، التقط الولاعة، وأشعل الشمعة، وبدأ يكتب:

يتلبس حسن كلما أراد الكتابة عن المصالحة، حمار! ينتبه حسن للجملة السابقة التي كتبها للتو ويقول: يا لبراءة اللغة حين ترص ما تشابه من كلماتها وراء بعضها بعضاً بدون قصد، وهذه واحدة: المصالحة رفقة الحمار.

يتخيل حسن نفسه خارج تكوينه البيولوجي كإنسان منذ ١٠ سنين. وتحديداً منذ ١٤ يونيو ٢٠٠٧. وعند هذه الحالة، حالة الحمار، يشعر بأنه مجرد من كل مكتسباته التي جناها على مدار سني عمره الذي يزحف ببطء نحو الأربعين.

فَقَدْ فَقَدَ حسن إحساسه باللغة، وأُغلقت أمامه سبل التفكير، وهاهي المفردات تتفلت منه، ودائماً ما يقف عند النهايات فما عاد يُحسن كيف يبدأ، وتراه يعود دائماً إلى الصفر، يحدث ذلك في كل مرة يحاول فيها أن يخدش حياء المصالحة بقلمه.

مكث حسن في الولايات المتحدة ١٠ سنوات، درس خلالها في جامعة جورج تاورن الشهيرة العلوم السياسية، وحاز فيها الدرجات العلمية الثلاث: البكالوريوس والماجستير والدكتوراة، وعمل سنوات عدة في مراكز بحثية عريقة هناك، لكنه -ويا للغرابة- يجد نفسه حماراً أمام تناول المصالحة.

يطل حسن برأسه من بالكون بيته في شارع الثلاثيني بغزة على سنوات الانقسام العشرة التي أقعدته في البيت وألحقته في صفوف المتبطلين، ويقارنها بالسنوات العشرة التي قضاها في أميركا. يقارن العشرة بالعشرة ويتنهد بينما يعاقر آخر نفس من سيجارته قبل أن يطفأها ويرميها ويبصق في الشارع مغمغماً: يلعن ... غزة!

لم يكن حسن ذو لسان فاحش ولا بذيء قبل أن تطأ قدمه غزة، وكانت كلمات من قبيل (نايس وغود وبيوتوفول) تملأ أحاديثه. أمّا وقد صار له في غزة اليوم ١٠ سنوات بالتمام والكمال، فإن هذه الكلمات ومترادفاتها قد غادرت قاموسه، لتحل مكانها جميع المسبات والشتائم الرذيلة، الخفيفة منها والمتوسطة والغليظة، التي تجتاح ألسنة الناس في شوارع القطاع.

يدلف حسن إلى غرفته المعتمة، التي لا تزورها الكهرباء في اليوم إلا سويعات في أحسن الأيام. يلقي ظهره على السرير ويراقب ما يمكن أن يتراءى له في السقف من خيالات وهو يُحدث نفسه: ها أنا ذا أعود حماراً، وكأن قدمي لم تطأ يوماً مدرسة، ولم أعرف قط معنى الجامعة، أما المؤسسة فهي مفردة لم أسمع بها يومياً، فكيف لي أن أدخلها وأعمل بها، والسياسة لم تجد طريقها إلى قاموسي اللغوي بعد.

يعلو صوت حسن قليلاً لكي يتأكد أنه لا يتلبسه حمار بالفعل ويردد: أنا لا أفكر، لا أتكلم، أمشي على أربع، وتثقلني الأحمال. أُضرب فأصمت، أتألم ولا أبكي، أتعب ولا أشتكي. كل ما هنالك أن لي عينان، لكني لا أرى فيهما إلا في خط مستقيم في أحسن الأحوال، وفي أسوئها الأسفلت والتراب وأنا مطأطئ الرأس.

يضع حسن، نصفه الآخر، الكائن الحمار، وجهاً لوجه أمام المصالحة، ويبحث عن كل مبررات الفشل التي تقود إنساناً مثله أن يدعي أنه حيوان وهو يتساءل: لماذا أفشل في الكتابة عن المصالحة في وقت ادعي أن لدي كل القدرات الممكنة لكي أعالج القضية بكل سهولة في مقال؟ حتى وإن فعلت، وها أنا أفعل، لماذا لا يستجيب لي قادة فتح وحماس، وقد نصّبوا أنفسهم قادة عليّ وعلى غيري؟

يسأل حسن نفسه: هل كتبت فتح وحماس؟ يعود بسرعة البرق إلى آخر سطر في الفقرة السابقة ليتأكد، فيتأوه. يغيظ حسن ترديد كلمتي فتح وحماس على لسانه، وتصيبه حساسية إن سمعهما من أحد، حتى مجرد رؤيته للكلمتين مخطوطتين على أحد الجدران في غزة تستفزه. وتراه لا إرادياً عند هذا المشهد أو ذاك، يعود إلى بذائته ويشتم الاثنتين في سره أو محدثاَ نفسه: يلعن ... حماس، على ... فتح!

تريح حسن هذه الشتيمة، فهي ملاذه الأخير لتنفيس غضبه، وبدونها لربما قد مات "فقع" منذ سنوات! يواصل حسن الكتابة ويقول: من الآخر، لماذا أشعر بأني حمار مقابل المصالحة ومن يمثلها؟ ولماذا يدنس كل هؤلاء القادة المزعومين طهرها؟ حمار مقابل مصالحة! لا، لا، سنعيد الترتيب: حمار مقابل حمار! كمان حمار بيصيروا ثلاثة وبهيك راح نلاقي الكنز! قولوا إن شاء الله! ثم يقهقه بقوة قائلاً: يا لسخرية السياسية حينما تلين أمامها اللغة وتطيعها المفردات بلا عناء.

من ذا الذي أطلق عليها "مصالحة"، يتساءل حسن؟ ورغم أنه من المعروف أن الصلح خير، فإنه إذا ما حضرت المصالحة يشمر الجميع لحفلة ارتكاب الفواحش. ولا تسمع ولا ترى في حضرتها إلا أقوال أبالسة وأفعال شياطين إن كان من حماس أو فتح. بل إن الأبالسة والشياطين تستعيذ من أفعالهما وأقوالهما وتخفض أجنحتها لهما طوعاً لا كرهاً.

يحلل حسن علاقة الحركتين بالمخلوقات الماورائية ويقول: نقول ذلك لأن الشيطان ببساطة إذا ماجاءك تطرده باستعاذة وبسملة. وإن حاول المراوغة ثانية، فعليك بقليل من الأذكار. وإن عاد للمرة الثالثة، فما له إلا القرآن. حينها يجمع جنوده ويعلن هزيمته.

إذن، طرد شيطان قد لا يستغرق من وقتك ١٠ دقائق، اليوم نحن في السنة العاشرة من الانقسام ولم تطرد الحركتين من حظيرتيهما سوى الشعب الغلبان؟ ترى أين يكمن الشيطان؟ كان يقال قديماً في التفاصيل، أما اليوم فقد عرفنا أن قادة الحزبين هم الشياطين أنفسهم، وتراهم يكمنون في التفاصيل عن سبق الإصرار والترصد.

ثم إن الشيطان يوسوس لك فقط، وأنت من تقوم بالفعل، لكن المتحدثين عن المصالحة وباسمها من قادة و"عراعير" لا يحتاجون إلى وساوس، إنهم يقومون بالفعل مباشرة. ولِمَ لا يفعلون ذلك وهم ينوبون عن الشيطان في كل أفعاله وأقواله، وحتى وساوسه؟ يتساءل حسن هو يردد: قال وساوس قال!

تأتي الكهرباء فجأة بعد انقطاع قارب ١٤ ساعة، فيطفئ حسن الشمعة. والشمعة التي اعتاد حسن أن يكتب على نورها، لا تنفك عن تغذية كل شتائمه ولعناته التي يصبها على غزة وحماس وفتح. يُسرّع حسن الكتابة على النور الذي غمر الغرفة للتو. ثلاث دقائق، وانقطعت الكهرباء ثانية. يعود حسن إلى معزوفة شتائمه: يلعن ... حماس، على ... فتح! ويقرر في تلك اللحظة المعتمة أن يكون عنوان المقال "في رب المصالحة"، بعد استبدال طفيف لأحد كلماته.


ترى كم حسناً تختزن غزة؟

Tuesday, May 16, 2017

حماس إذ تتجدد.. تشيخ وتتعثر


حماس إذ تتجدد.. تشيخ وتتعثر

نام إسماعيل هنية ملء عينيه فرحاً وخوفاً ليلة تنصيبه رئيسياً للمكتب السياسي لحركة حماس. مصدر الفرح أنه بات رئيساً للحركة وهو في ريعان شبابه (54 عاماً!). أما مصدر الخوف فهو الإرث الثقيل من المشكلات التي تنتظره، وفي مقدمتها تدبير شؤون قطاع غزة الذي لا يزال تحت إمرة حماس، وللحركة جار جنوبي خصم.

تضرب حماس في اختيار هنية على رأس هرمها السياسي، وهو يتقدم نحو الستين، نموذجاً للقيادات التقليدية في المنطقة العربية، سواء كانت على الصعيد الحزبي أو على مستوى الدولة. تأخذ حماس، إذن، من هذا المحيط، الذي هو جزء منها وهي جزء منه، وتنهل من معين السياسات الهرمة والديكتاتوريات الخربة في الجوار، أو ما بعد الجوار بقليل.

وفي التاريخ الحديث لنا عبرة: بقي حسني مبارك في رئاسة مصر 30 عاماً، خالد مشعل رئيساً لحماس 21 عاماً، على عبد الله صالح باليمن 22 عاماً (جنب مشعل)، معمر القذافي في القذافي 42 عاماً، صدام حسين بالعراق 24 عاماً، ياسر عرفات 45 عاماً على رأس حركة فتح، وحافظ الأسد 29 عاماً رئيساً لسوريا. وكأني بلسان حالهم وحال غيرهم يردد قول زهير بن أبي سلمى:

سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِش __ ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ

وما كان لهذه الديكتاتوريات أن يمتد عمرها إلى كل هذه العقود، لولا القبضة الأمنية التي كانت تحكم بها شعوبها. تترجم حماس اليوم هذا المفهوم الأمني بحذافيره على طول قطاع غزة وعرضه. أداتها في ذلك ما يُطلق عليه "جهاز الأمن الداخلي"، الذي يتجسس على الناس، ويحشر أفراده أنوفهم في كل تفاصيل حياة الغزيين. فلا يمكن أن تعمل في مؤسسات حماس إلا بإذن منه، ولا يمكن أن تتحدث في الشأن العام إلا بعيداً عن أعين عناصره، ولا يمكن أن تعترض على سلوك أحدهم خشية أن يأخذوك وراء الشمس.

وبينما يقوم هذا الجهاز بهذا الدور، وهو جهاز حمساوي أصيل، تأخذ حماس بذلك بدون أن تدري، أو أنها تدري، من جهاز الأمن الوقائي الذي كان يعربد في غزة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي حتى سيطرة حماس على القطاع في صيف 2007. كان الوقائي وغيره من الأجهزة الأمنية خارج قبضة عرفات. كان دور عرفات السياسي يقتصر على الحفاظ على التوازنات بين هذه الأجهزة وخلق المواءمات لإسكات أفرادها وقادتها، لكن دون أن يوقف يوما عربدتها أو يقلل من سطوتها.

وحال العلاقة بين السياسي والأمني كذلك، يُغمض قادة حماس السياسيين أعينهم عن كثير من التجاوزات التي يرتكبها جهاز الأمن الداخلي، راضين أو مجبرين، بل ويجدون في مرات عدة ما يبررها في إطار المقاومة والحفاظ على ما يسمى "الجبهة الداخلية".

وبينما يقوم ساسة حماس بهذا الدور فإنهم يحاولون استمالة من بيده السلاح إلى جانبهم، وهم يعلمون أن الجهاز أقوى بكثير من يتم احتوائه طالما أنه يقوم بما يحلو له تحت ضغط المحافظة على أمن الساسة. تنشأ علاقة مصلحية إذن بتواطؤ بين السياسي والأمني، دائماً ما تكرس من بيده السلاح (جهاز الأمن الداخلي في هذه الحالة) باعتباره الآمر الناهي في البلاد، وتضع السياسي على الرف.

تحاول حماس أن تتحسن، وتبدو متجددة، لكن تجربة حكمها لغزة بهذه القبضة الحديدية، جعلت هذا التحرك وستجعله مشبوهاً لسنوات معتبرة. تأتيك هذه المحاولات من إرجاع حماس "الإعدادات" السياسية للحركة إلى "ضبط المصنع" (ريستارت)، من خلال وثيقة المبادئ والسياسات العامة، التي أعلنت عنها في الأول من مايو الجاري.

وبينما تعود حماس إلى نقطة الصفر، وهي تنزع جلدها الإخواني في تعريفها الجديد "حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية"، فإن عينها على مصر، التي تشكل لها البوابة الوحيدة للعالم، وحاكمها الحالي الخصم اللدود للإخوان. حماس إذن في مهمة صعبة ستستغرق سنوات وسنوات لإقناع الجوار وما وراء الجوار بأنها تخلصت بالفعل من أفكارها الإخوانية القديمة.

تحتاج حماس إذن للتخفف من أثقال سياسية زنتها 30 عاماً (1987-2017)، دمغت خلالها مواقفها بألوان ليس من السهل تغييرها. وفي سبيل ذلك، ستجد الحركة نفسها أمام طريق يفرض عليها التقرب من هذه الأنظمة مجدداً. لكن كيف سيصدقها حاكم مصر اليوم وهو ندٌ لجماعة تعتبر حماس نفسها أحد أجنحتها في ميثاقها القديم؟ وكيف لحماس أن تعيد تعبيد الطرق السياسية الواصلة بينها وبين طهران ودمشق والضاحية الجنوبية في لبنان؟

وعلى طريقة فيصل القاسم: أسئلة نطرحها على الهواء مباشرة على ضيْفيْنا، من غزة إسماعيل هنية ومن استديوهاتنا في الدوحة خالد مشعل؟ نبدأ النقاش بعد الفاصل. وفجأة تقطع الكهرباء على غزة! ويستيقظ أهلها من هذا الكابوس الجماعي ويقومون بثورة، وأتوقف أنا عن الكتاب لأني زهقت!

Tuesday, May 9, 2017

اللغة في خدمة إذابة المبادئ السياسية..

اللغة في خدمة إذابة المبادئ السياسية..
وثيقة حماس نموذجاً

1828 كلمة من أجل 4 كلمات

عَصَرَ صاغة حماس اللغة عصراً، وهم يكتبون وثيقة المبادئ والسياسات العامة الجديدة للحركة، وجاءوا بألف و828 كلمة، من أجل إذابة موقف سياسي "متردد وغامض" محمول على 4 كلمات، الأمر الذي يفتح الشهية على علامات التنصيص "بلا حدود". وقد تجلى إغراق المعنى السياسي في بحر المفردات في أكثر من موضع من "الوثيقة"، نتناول هنا بقليل من التفصيل أبرزها، وهي: الدولة والمقاومة والإخوان المسلمون وجغرافيا الصراع وبعض "الديكور".

"تعتبر" حماس في الوثيقة الجديدة، إقامة دولة فلسطينية على خطوط الرابع من حزيران "صيغة توافقية وطنية مشتركة". وإذ تضع الحركة هذا الموقف في نطاق "الاعتبار"، فإنها تحافظ على أدنى مستوى من مستويات التنظير اللغوي للمبدأ السياسي. وبذلك يبدو الانخراط بالفعل محكوماً عليه بالفشل من حيث المبدأ، وسبب فشله هم "الخصوم" دائماً، لكونه مرهون بـ"توافق وطني مشترك" هو أقرب للمستحيل.

وبينما تتملص حماس من الآن من تحمل تبعات الفشل المحتمل في حدوث مثل هذا التوافق مستقبلاً، فقد تفشله هي بنفسها، إذ إنها لم "تؤكد" أو "تشدد"، وهي تطرح هذا الموقف السياسي، على الالتزام به، وأبقت في يدها "مبرراً دبلوماسياً لغوياً" يضمن لها خط الرجعة إن حُشرت في زاوية الوفاق. وبذلك، يخدم استبعاد الكلمتين الأخيرتين عملية التذويب "المقصودة" للموقف الجديد في "أسيد" اللغة.

يستمر "الإغراق الإنشائي"، أو إن شئت "الإنشاء الإغراقي" لهذا الموقف غير المسبوق تحديداً لحماس، حين تتحدث الوثيقة بتناقض واضح -لم تخفه اللغة المترددة التي تعكس مواءمات كبيرة حصلت من أجل إرضاء الجميع عند صياغة الوثيقة- عن "إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على كل التراب الوطني الفلسطيني، وعاصمتها القدس"، في ما لا يمنع "مرحلياً" القبول بتوافق وطني مشترك على إقامتها على "خطوط" الرابع من حزيران.

هذا في موضوع الدولة، أما في مسألة "المقاومة"، فقد تخففت "الوثيقة" الجديدة مما جاء في "ميثاق" 1987 -(5 آلاف و535 كلمة، وبين الوثيقة والميثاق فرق كبير)- من كلمات باتت اليوم توصف بها جماعات متطرفة مثل داعش، وتضع حماس وداعش في نفس السلة. من بين هذه الكلمات كلمة "الجهاد" الواردة مرة واحدة في الوثيقة الجديدة، رفقة كلمة المقاومة أيضاً، بينما كان منصوصاً على الكلمة ذاتها في ميثاق حماس القديم، 20 مرة، بمشتقات لغوية عدة. (ترد كلمة مقاومة بالوثيقة الجديدة 15 مرة، وبالميثاق القديم 48 مرة).

وإن كانت حماس قد تخففت من صِيغ الجهاد "المشبوهة" في الإطار الدلالي للكلمة في الظروف الحالية، فقد تخلت عن جماعة الإخوان المسلمين تماماً، إذ لم تأتِ على ذكر اللفظة إطلاقاً، في حين ينزع ميثاق حماس القديم إلى ربط الحركة بالجماعة في 6 مواضع، بل ذهب الميثاق القديم إلى أبعد من ذلك، حين خصص مادة كاملة بعنوان "صلة حركة المقاومة الإسلامية بجماعة الإخوان المسلمين".

وبينما كان الميثاق القديم "إخواني الدسم"، إلى درجة أن دبجته الحركة بمقولة لمؤسس الجماعة حسن البنا، فها هي حماس تضع وثيقة "منزوعة الإخوان" تماماً. يتبدى المعنى السياسي لهذا "الطلاق الاضطراري" بين الحركة والجماعة في إعادة تعريف نفسها من جديد. ففي الوثيقة الجديدة أصبحت حماس "حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية"، بعد أن كانت في الميثاق القديم "جناحا من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين". تبدو حماس هنا حركة "كوول" و"كاجيوال" أكثر! وهكذا تستمر "دبلوماسية الإغراق اللغوي" ليس في ما هو منصوص عليه في الوثيقة الجديدة فقط، بل في ما هو محذوف منها أيضا.

إذن، حماس بدت في الوثيقة الجديدة وكأنها تتأقلم مع الواقع، وبدت أكثر نضحاً، وأعمق فهما للعبة السياسية في المحيط الإقليمي والدولي، وهي تسير على خط سياسي رفيع، معبد بلغة تتيح لها عبوره مرحلياً وإن كانت لا تزال تتأرجح عليه. وقد ترجمت الوثيقة ذلك بإعادة تموقع الحركة من الصراع، إذ تقول بالنص: "تؤكد حماس أنَّ الصراع مع المشروع الصهيوني ليس صراعاً مع اليهود بسبب ديانتهم؛ وحماس لا تخوض صراعاً ضد اليهود لكونهم يهوداً، وإنَّما تخوض صراعاً ضد الصهاينة المحتلين المعتدين". بينما يشير الميثاق القديم في أكثر من موضع إلى أن المعركة "مع اليهود جد كبيرة وخطيرة، وتحتاج إلى جميع الجهود المخلصة". وتؤكد أنه "في مواجهة اغتصاب اليهود لفلسطين لا بد من رفع راية الجهاد"، وتدعم ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.

ثم يأتيك إعادة تعريف جغرافيا الصراع في وثيقة حماس الجديدة من خلال حصر المقاومة نصاً في "المشروع الصهيوني... والكيان الصهيوني.. والاحتلال الصهيوني.. والحركة الصهيونية التي تمكنت من احتلال فلسطين" (وردت هذه العبارات ومشتقاتها 16 مرة)، بعد أن كان هذا الصراع مفتوحاً على مصراعيه، وجغرافيته تمتد حيثما وجد اليهود، كما يُفهم من ثنايا الميثاق القديم، الذي يتحدث في أكثر من موقع عن "الصراع مع الصهيونية... والمعركة مع اليهود.. والغزوة الصهيونية".

إذن، العداء "لليهود كيهود" في الوثيقة الجديدة جاء مخففاً، وفي أحسن أحواله يوحي بوعي متقدم لكنه "متأخر"، للمفاهيم السياسية والدينية الكبرى التي رافقت الصراع منذ احتلال فلسطين عام 1948. وها هي حماس تعيد خطوط الصراع إلى وضعها الحقيقي، وتصنع لها اللغة مجدداً سلماً كي تنزل عن الشجرة التي ركبتها منذ العام 1987. يتجلى ذلك في ورود كلمة اليهود ومشتقاتها 13 مرة بالميثاق القديم، و7 مرات فقط بالوثيقة الجديد.

والجديد في الوثيقة الجديدة، هو حصر حماس للصراع في "...الحركة الصهيونية التي أقامت المشروع/الكيان الصهيوني على أرض فلسطين"، بعد أن كان الميثاق القديم يضع الحركة ندا لـ"الصهيونية" العالمية، بل وما انبثق عنها من "منظمات سرية كالماسونية، ونوادي الروتاري والليونز"، وكثير من الإنشاء في هذا الصدد.

ولم ينسَ صاغة حماس "تزيين" الوثيقة الجديدة بمفردات سياسية، بات وجودها في أي طرح سياسي جديد جزءا من "ديكور" المشروع. فلا مانع هنا من التأكيد على أن "دور المرأة الفلسطينية أساس في بناء الحاضر والمستقبل، كما كان دائماً في صناعة التاريخ الفلسطيني، وهو دور محوري في مشروع المقاومة والتحرير وبناء النظام السياسي". ولا مانع أيضا من إشراك، أو "إقحام" الشباب، وإن بصيغة تأطيرية تجمعهم نقابياً مع غيرهم من النقابات: "... والتجمّعات الشبابية والطلابية والنقابية والنسائية، العاملة من أجل تحقيق الأهداف الوطنية، هي روافد مهمّة لعملية البناء المجتمعي ولمشروع المقاومة والتحرير".

ولا تخلو الوثيقة الجديدة من الهفوات اللغوية، التي قد يكون لها أكلاف باهظة في ما يخص المواطنة. يتضح ذلك من تعريف حماس لـ"الفلسطينيين" حين تقول: "هم المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون في فلسطين حتّى سنة 1947, سواء من أُخرج منها أم من بقي فيها؛ وكلّ مَنْ ولد من أب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ، داخل فلسطين أو خارجها، هو فلسطيني". نضع هنا خطين تحت عبارة "أب عربي فلسطيني"، ونتساءل: ماذا عن النساء الفلسطينيات اللائي تزوجن مثلاً من رجال فرنسيين أو أميركيين؟ وإن كانت الأم الفلسطينية لا تمنح ابنها الجنسية الفلسطينية، فإن وصف "ديكور" الذي أطلقناه على الفقرة التي تتحدث عن دور المرأة في الوثيقة، صحيحاً.

وبينما لم تلغِ "الوثيقة" الجديدة "الميثاق" القديم للحركة، لا تلميحاً ولا تصريحاً، فإن هذا ببساطة يعني الإبقاء على الأخذ من مصدرين لكل من يريد أن يفهم الحركة بالطريقة التي تحلو له. ووجود هذين الفهمين للحركة في حيز دلالي واحد، ربما ينقل الصراع بينهما من مرحلة التنظير إلى الميدان. هذا في صفوف أبناء الحركة. أما في الفضاء السياسي العام، فإن وجود "الوثيقة" والميثاق" سيبقى يقدم للعالم "حماسين"، في ظل عدم تعامل الدول مع كيانات تقبل القسمة على اثنين.

ختاماً نقول، لقد غاص كتبة وثيقة المبادئ الجديدة عميقاً في بحور الإنشاء، وأجهدوا أنفسهم لدرجة الإنهاك لإخفاء مواقف الحركة المتناقضة الواردة فيها في ضباب المفردات، وقد تجلي ذلك في الجُمل المُقطعة، التي ملأت الوثيقة بعلامات ترقيم، ليست لغايات لغوية فقط، بل لغايات سياسية، ليس أقلها عمليات "الترضية" التي سرت شفهيا فوق النص، وأخرجته على هذه الشاكلة، وجعلته في أكثر من موضع يبدو على طريقة: "واحد بيضرب والتاني بيلقى"، بدءاً من البسملة إلى آخر سطر في الوثيقة.

Sunday, April 30, 2017

هذا ما أتذكره عن أيام الطفولة...

هذا ما أتذكره عن الطفولة...

تهاجمني هذه الأيام ذكريات الطفولة، ومشاهد الوعي الأولى، وتفاصيل تَفتُح عيناي في المخيم. مصدر هذه الهجمات وجوه الناس التي رأيتها في فيسبوك مؤخراً، وبالكاد تعرفت إليها وقد شاخت قبل أوانها. ثم أخذني الفضول في جولة للبحث عن آخرين كثر، ممن تشاركت معهم مقاعد الدرس قبل 30 عاماً في المرحلة الابتدائية، وما تلاها من سنوات، إلى أن غادرت غزة صيف 2006.

وكانت البداية، بينما كنت أقلب الصفحات الواحدة تلو الأخرى، أن رَنّتْ في أذناي قبقبة أرجل عواجيز المخيم، وهم يتحاملون على أرجلهم حاثين الخطى فرادى للمسجد من تحت الشبابيك الغائرة في جدران البيوت المتهالكة التي تعلوها الرطوبة، وألسنتهم تلهج بالتسبيح. كانوا يطردون ظلمة الشوارع بنحنحة ثقيلة غريبة تصدرها حناجرهم، وكأنهم يأنسون بصدى هذه الأصوات وهي تتردد في ربوع المكان كي تبدد وحشته.

أسمع همسهم وهم عائدون بعد الفراغ من الصلاة في جماعات. يمتزج كلامهم مع صياح الديكة القادم من بعيد، وتتخلل الاثنين أشعة النور الذي سيبدأ لتوه درسه الأول بالمشي في محراب تباشر الصباح. وما هي إلا لحظات حتى تسمع: زعيق أبواب البيوت وهي تغلق وراءهم مصدرة أنيناً وكأنها تبكي. خشخشة المفاتيح قبل أن يدسها أحدهم في زرفيل باب دكانه ذو الضلفات الحديدية الأربع. وها أنا أشم رائحة الفلافل تنبعث من دكان ذلك الرجل العجوز عند حافة المخيم، ومن شباك جارتنا المطل على الشارع العام ينبعث نور أصفر ألمحه من تحت شق الباب إيذانا بيوم جديد.

كان الرجال في مخيمنا ينطلقون إلى أعمالهم مبكرين. كانوا أيامها ذواقين في اللباس، ولولا وجودهم في المخيم لقال عنهم من لا يعرفهم إنهم ذوو مال وبنين. كانوا ينقدون نساءهم مع كل صباح للتسوق. وما أن تشرق الشمس، يخرجهن في جماعات أو فرادى من بين الأزقة تلفهن القنعة والداير أو الشاش الخفيف الأبيض، وهن حاملات سلالهن البلاستيكية الملونة اللينة في طريقهن إلى السوق عند أطراف المخيم. كان التسوق تقريباً حكراً على النساء في سوق كانت تعج بالباعة من الذكور وبعض النساء.

تقفل النساء إلى بيوتهن مسرعات ما أن ينتهين من التسوق استعداداً لتحضير الغداء. بعضهن يَعُدنَ راجلات وهن يحملن السلال فوق رؤوسهن. أما المقتدرات فكن يتشاركن أجرة تاكسي يتكفل بنقلهن. كانت ترسل بعضهن في طلب أحد أبنائها مع أحد الجيران ممن تصادفهم في السوق، كي يساعدها في حمل السلال. وفي الغالب ما كان المرسال هو من يقوم بمهمة المساعدة هذه. فنساء المخيم يعرفن أبناءه معرفتهن أبنائهن، ونساء المخيم هن أمهات لكل شبابه الذين لم يلدنهم.

كان الأولاد ما أن يلمحوا أمهاتهم من طرف شارع المخيم قادمات باتجاه البيت تعلوا رؤوسهن السلال، يتقافزون من أجل التخفيف من أحمالهن. كنا نتحلق حول السلة والأكياس في وسط البيت، وكأن اليوم هو يوم عيد. كانت الأمهات يتكفلن بتوزيع حبات الفاكهة على أفراد الأسرة -وما أكثرهم- بالتساوي. لكل شخص حصته: هذه موزة لك، وتلك تفاحة، وهذه خوخة، وإليك برتقالة، وحبة كلمنتينة. فهمنا لاحقاً أن هذا كان درساً في العدل كانت تغرسه فينا أمهاتنا، فكبرنا بدون أن نكون أنانيين.

يأخذ كل منا حصته، ويخبئها في مكان يظن أنه أن يصل إليه أحد. فوق الخزانة أو تحتها، في أحد الأدراج، بين الملابس، خلف علب البهارات في أحد رفوف المطبخ. كنا نقوم بهذه المناورة لأن هناك احتمال كبير بأن يُغِيْرَ أحدهم على حصتك ما أن ينتهي من خاصته. وإذا كان أحدنا لا يحب الموز مثلاً، يستبدله بالتفاح مع قرينه. وكان من الطريف أن يهاجم أحدنا حصة أخيه ما أن تنفد حصته، فتندلع معركة سلاحها الشباشب.

لو قُدّر لهذا الإرث الاجتماعي، وما يحتويه من تفاصيل كثيرة لا يتسع لها المجال هنا، أن يوضع في رواية تحكيه، لبدت لجيل اليوم والأجيال القادمة ضرباً من ضروب الخيال. وقد حدث ذات مرة أن أوصيت صديقاً بقراءة رواية "بومة بربرة" لعبد الجبار عدوان، وما أن انتهى منها قال لي: ما أجمل هذا الخيال؟ قلت له: هذه الرواية (وتحكي مشاهد من النكبة) حقيقية مئة بالمئة. صديقي لم يقتنع لليوم أن تفاصيل الرواية غير خيالية، رغم أن كاتبها يعلن ذلك صراحة في أولى صفحاتها.

على كل حال، كان العيش شظفاً، لكن القناعة كبيرة. كانت الحياة فقراً، لكن مساحة السعادة واسعة. كانت البشاشة لا تختبئ عن وجوه الناس، وكانت الأسارير صافية. كان الناس أكثر انفتاحاً بدون تعدٍ على الخصوصيات. كانت الحرية فعلاً وممارسة وليست مجالاً للتنظير. اليوم انقلبت الآية، فها نحن نعيش في بحبوحة لكننا -لن أقول: تعساء- لسنا في أحسن حالاتنا من السعادة. وقد ارتخت عضلات وجوهنا من قلة الضحك. أما قلوبنا فلها الله، بعد أن تكاسلت عن تأدية التمارين الإنسانية.

نتساءل اليوم: لماذا وصلنا إلى هذا المنتهى؟ لماذا أحَلْنا كل المسلكيات النبيلة إلى المتحف؟ لماذا أصبح الدين مظهراً بينما دواخلنا خواء؟ من الذي قسّى قلوبنا فباتت كالحجارة أو أشد قسوة؟ ولماذا. ولماذا. ولماذا... ببساطة، إنه نحن، نعم نحن، أنا وأنت وهي وهو، كلنا شاركنا بشكل أو بآخر بهذه الجريمة الإنسانية، رغم أننا كلنا -ويا للغرابة- ندعي البراءة من المشاركة في هذا كله أو حتى في جزء منه!

ستصبح المسافة الطويلة التي قطعها الجيل الذي أنتمي إليه يوماً ما تاريخاً، وستبدو هذه التفاصيل الحداثية التي نعيشها اليوم إرثاً اجتماعياً قديماً في أحسن حالاتها لمن سيأتون بعدنا، وفي أسوأها خيالاً قد لا تستوعبه عقولهم. وهكذا، نحاول عبثاً أن ندرك الزمن، لكنه ها هو يدركنا، بل يطحننا بين تروس أيامه، ويحولنا إلى تاريخ، بانتظار أن تذرونا رياحه في فضاء الذكريات.

Saturday, April 22, 2017

السياسة سابقاً.. السُباب حالياً

السياسة سابقاً.. السُباب حالياً

لم تعد السياسة مؤدبة أو مجال عمل للمتأدبين، ولم يعد ممارسوها ذوي ألسنة مضبوطة، إذ خلع كثير منهم عباءة الدبلوماسية، وباتوا يستعيرون ألفاظهم من حديقة الحيوانات في كل مرة يعجزون عن استخدم قاموس البشر. ورغم أن "قلة الأدب" ضاربة في تاريخ الساسة، فإنها لم تكن ظاهرة أو مدعاة للمباهاة أو مسرحاً للتقليد كما هو حاصل هذه الأيام.

يحدث ذلك عادة ضمن نوبات من الغضب، الذي سيستخدمه بعضهم لاحقاً لتبرير هذا الفعل. وكما قالت العرب قديماً "الغضب هو صدأ العقول". إذن، السياسي إذا ما غضب فسَبَ وشتم ولعلن فإنه يصدر عن عقل "مصدي". ولدينا منذ زمن، وفي هذا الزمان أيضا، من هؤلاء الساسة الكثير الكثير، ممن كانوا ولا يزالون يملؤون الشاشات ليل نهار بما هو فائض عن ألسنتهم من مفردات.

تقول كتب التاريخ إن نابليون بونابرت (1769-1821) وصف الإنجليز بأنهم "أصحاب دكاكين". أما رئيس وزراء بريطانيا السابق ونستون تشرشل (1874-1965) فقد قال لنائبة برلمانية إبان حكمه: "أنت قبيحة لدرجة مقززة"، وذلك في رده على قولها له: "أنت رجل سكير". تبدو هذه الشتائم مؤدبة إلى حد ما مقارنة مع ما سيأتي لاحقاً.

لكن هل توقف "السُباب السياسي"، أو على الأقل تراجع، منذ عصر نابليون إلى يومنا هذا؟ تقول الشواهد إن الأمر تصاعد وتطور بشكل غير مسبوق لدرجة أنه تحول إلى ظاهرة لا تخطئها عين. الفارق أنه في زمن نابليون لم تكن الشتائم على الهواء مباشرة، أما اليوم فالسماوات باتت مفتوحة، خصوصاً لكل أولئك الذين يجدون في هذا المسلك طريقا للشهرة والنجومية أو الوصل إلى سدة الحكم.

من بين هؤلاء الرئيس الأميركي دونالد ترامب الذي وصف منافسته هيلاري كلينتون خلال الحملات الانتخابية بأنها "كاذبة ووقحة وعنصرية". وقد شتم ترامب مؤخراً الرئيس السوري بشار الأسد قائلا "إنه حيوان". ترامب هنا يستعير الحديقة كلها لوصف الأسد. والأسد الشخص بالأساس له من اسمه نصيب، فهو من ناحية يحمل الاسم والوصف، ومن ناحية أخرى يقوم بالفعل وهو افتراسه لشعبه.

وقائمة الشتائم التي طفت على سطح المجتمعات العربية والغربية خلال السنوات السبع الماضية طويلة. معمر القذافي وصف المتظاهرين ضده بأنهم "جرذان". علي صالح قال إن المطالبين له بإصلاح اليمن "ثعابين". عمر البشير قال عن الشباب المحتجين في شوارع السودان بأنهم "شذاذ". بشار الأسد قال إن من خرجوا إلى شوارع سوريا "جراثيم". فلاديمير بوتين قال إنه سيمسح المراحيض برؤوس المعارضين له في الشيشان. الرئيس الفلبيني قال عن باراك أوباما بأنه "ابن عاهرة"، ووصف الأميركيين بأنهم "أغبياء".

إذن، نحن أمام ظاهرة متصاعدة من انهيار حاجز اللباقة اللفظية والدبلوماسية السياسية في ظل تمدد مفهوم الشعبوية واتساع نطاق تطبيقاته الاجتماعية، التي بدأت مع عصر العولمة بتحول المجتمعات إلى استهلاكية، مرورا بالتكنولوجيا التي خلقت حالة من الفوضى المعلوماتية وجيلا ذو ثقافة سطحية، وصولا إلى معترك السياسة الحالي الذي ما هو إلا نتاج عولمة الاستهلاك وفوضى التكنولوجيا. نذكر هنا كيف استغل ترامب ولا يزال تويتر في الترويج لأفكاره الشعبوية.

وما كان لكل هذا الموجات من الشتائم تصل إلينا، وتدخل بيوتنا، وتتسخ بها آذاننا، لولا أن هناك وسائل إعلام تبدع في صب الزيت على هذا الفتيل المشتعل. يقذف المسؤول شتيمته في ثانية أو اثنتين، فتقيم الشاشات حفلات (تسمى برامج) تمتد إلى ساعات، تستضيف خلالها ثلاثة أو أربعة عوالم (مفردة عالمة وهي الراقصة بالمصرية الدارجة) (يسمون محللين)، ويبدأ الردح. فهكذا حفلات تحتاج إلى هكذا عوالم!

لكن، من الذي أوصلنا إلى هذه الحالة، السياسيون أم الإعلام؟ الجواب: الاثنان معاً؟ فالإعلام يلتقط من المسؤول كل ما يمكن أن يكون مثيرا وغير مألوف ليبني على ذلك ساعات من التغطية يملأ بها فراغ الشاشة ورتابتها. وبينما هو يفعل ذلك، يستحث الخصم المعني بشكل قد يكون مباشرا أو غير مباشر للرد على ما تلفظ به المسؤول.
وتحت تأثير التغطية المكثفة يتحول الموضوع إلى حديث الشارع، الأمر الذي يفتح شهية الخصم للرد على المسؤول، ويكون هذا الظهور مبررا لديه في أدنى مستوياته بأنه ظهور من أجل عدم ترك الملعب خاليا للمسؤول يسرح فيه كما يشاء ويمرح. وهكذا تعمل وسائل الإعلام بمثابة "حلقة وصل مشبوهة" بين المسؤول الشاتم والخصم المشتوم.

يحدث كل هذا دون أدنى احترام من وسائل الإعلام، لا سيما التلفزيون، لوظيفتها الأساسية في احترام ذوق المتلقي، وهي تنسى عن سبق الإصرار والترصد أنها لا بد أن تكون ضيفاً خفيف الظل في بيته، متجاهلة أن الضيف يجب أن يكون مؤدباً في بيت مُضيفه. لكن ما وإن بدأت آذاننا وأعيننا وعقولنا تتبرمج على مثل هذا السُباب السياسي مع مرور الوقت، فإنه بلا شك سينعكس على مفهومنا للشتيمة، بل ربما تدفع القوى الناعمة للمجتمع  في وقت لاحق إلى إعادة تعريف الشتيمة نفسها، إلى الدرجة التي قد تصبح معها كلمة "حيوان" مدحاً.

Sunday, April 2, 2017

نَوَيْتُ الكتابة

نَوَيْتُ الكتابة

قررت اليوم أن أكتب، لكن لم يحضرني الإلهام. توضأت في مخيلتي وقلت في سري: نويت الكتابة. فجأة هربت كل الأفكار المحتملة من فخاخ الذهن المنصوبة وكأنها سمعت دوي الفكرة. وما الفكرة هنا إلا إبداء الرغبة في الكتابة.

التقطت الهاتف، وجلت في قائمة عناوين مقالات مقترحة أدونها بين الفينة والأخرى في هاتفي، لعلي أجد فيها طرف خيط، فلم يثر أي منها حماستي. أنقل لك عزيز القارئ بعضها: عصر الرموز والعودة إلى الهيروغليفية، عقدة الخواجا، الإعلام العربي بين الاستديو والميدان، ومن يحكم غزة.

ثم تساءلت: لماذا عليّ أن أكتب؟ ولماذا أُشغل نفسي مطلع كل شهر بوضع ثلاثة عناوين على الأقل كي أكتب فيها؟ تواصلت الأسئلة: ومن سيقرأ ما أكتبه؟ وهل إن قرأه أحد سيغير فيه شيئاً يا ترى؟ ثم تذكرت إجابتي عن سؤال صديق ذات مرة، لماذا تكتب؟ فأجبته: الكتابة عندي فعل سعادة. إذن، إن لم أكتب اليوم فلن يكون يومي هذا سعيداً. ولأني لا أريده أن يكون كذلك، فها أنا أكتب. نعم، إن الكتابة ممارسة فعلية للسعادة.

أطرد كل هذه الأشياء من ذهني مؤقتاً، وأؤجل التفكير بها، وأغوص قليلاً في كتابي الأول الذي كان قاب قوسين أو أدنى من الطباعة الأسبوع الماضي، لولا أني استأنست برأي مصممين أشارا عليّ بضرورة نسف التصميم الحالي، لا سيما الغلاف، وإلا لن يكون للكتاب نصيب على أرفف المكتبات المزدحمة أصلا بالكتب.

نسف الأول تصميم الكتاب، أما الثاني فقد اقترح عليّ عدم طباعته أصلا، فدمرني بزيادة. تقبلت التدمير بابتسامة خفيفة، وفي بالي أن هذا حكم مبكر على الكتاب. فأنا ما زلت أنتظر حكماً من هذا القبيل -لكن في وقت لاحق- ممن سيشتري الكتاب يوماً بثلاثين أو خمسين قرشاً ويقرأه في ساعة أو اثنتين ثم يلقيه جانباً وهو يهمس: "شو هالكتاب الزبالة!"، حتى وإن قلت له إني قضيت قرابة 4 سنوات في العمل عليه.

لقد تذكرت للتو أنه قد فاتني أن أقرأ وردي اليومي من القرآن. كما نسيت أن أشاهد حلقة "فوق السلطة" لنزيه الأحدب. أين فيروز؟ لم أسمع صوتها إلى الآن وقد اقترب النهار من الانتصاف. هل أرسل لي محمد مقترح غلاف الكتاب كما وعدني الأسبوع الماضي؟ سأفحص الإيميل الآن.

متى أنهي رباعية محمد عابد الجابري في العقل العربي. ألتقط الهاتف أفتح الكتاب، فأجد نفسي متوقفا عند الصفحة 196 من المجلد الأول "تكوين العقل العربي". استعجل الانتهاء من قراءة الرباعية وعيني على قراءة من انتقدوا أطروحته، ومنهم جورج طرابيشي الذي وضع كتابا في "نقد نقد العقل العربي". ثم أتحسبن على كل من وضعوا الأسس الأولى للثقافية العربية التي تشكل عقولنا اليوم، وتدمرها أيضا. ثم أتمنى، وليس لي إلا التمني، أن يقرأ كل العرب كتب الجابري، لكنه تمني أقرب للمستحيل. إن أطروحة الجابري شهادة وتبرير لكل ما نحن فيه اليوم من تخلف وصراعات وحروب، المذهبية منها والطائفية على وجه التحديد.

كتبت الفقرات السابقة، ثم توقفت وأعدت قراءتها، وقلت في نفسي: ما هذه السَلَطَة؟ لا يوجد أي رابط بين الفقرة والتي تليها، لا في البناء الموضوعي ولا البناء الكوني. فلم يسبق لي أن كتبت بدون خطة؟ وتساءلت: إن كتبت هكذا بدون خطة، ألا يجعل ذلك المقال عشوائياً وغير مفهوم لمن أراد القراءة؟ أجبت: لا أعرف إن كان القارئ أصلاً سيكتشف إن كان المقال مضبوطاً من الناحية الحِرفية (البناء الموضوعي والبناء الكوني) أم لا؟ وهل هذا مهم بالنسبة للقارئ العربي وهو يمر مرّ الكرام على ركام المقالات في عالمنا الذي يعج بفوضى الكتابة؟ على العموم، إن رأيت عزيزي القارئ أن هذا المقال جيد، بدون أن تنتبه إلى ما قلته لك عنه للتو من عيوب، أو لاحظتها بالفعل واعتبرته رديئا، فترانا سنتفق في نهاية المطاف على أنه "كله عند العرب قطين!".

تذكرت للتو أني لم أرسل منذ فترة طويلة أي من مقالاتي للنشر في صفحة القراء في صحيفة كنت أرسل لها ما أكتب على الدوام. سأرسل لها هذا المقال. لا لن أرسله. إذ إنها لم تتذكرني يوماً بقرش واحد. ثم لماذا تنشر لي بدون أي مقابل، بينما تنشر لآخرين "جهلة" مقالات يومية تنضح بالغباء وتدمر عقول من يقرأها؟ لو كان لي من الأمر شيء لأوقفت كل كتابها، وأبقيت على اثنين أو ثلاثة. الصحف الزميلة ليست أفضل حالا. أما الحديث عن الكُتّاب -عفوا الكتبة أو مقاولو المقالات- في المواقع الإلكترونية، فحدث ولا حرج. لكن يبدو أن إدراك الصحف والمواقع أن أحداً لا يقرأ مقالات، ولن يقرأ، يجعلها تسرح وتمرح بالنشر في هذا الفضاء لكل من هب ودب.

سأكتفي بنشر المقال هنا فقط، لك أنت، في هذه المدونة، التي ربما يتعثر أحدهم بها يوماً، ويكتشف بمحض الصدفة صدقية من قالوا فيها كلمات قليلة غير مسموعة، وزعموا أن مقالاتها محترفة، وتمنوا لو أن تصل إلى فضاءات أرحب، رغم إصراري على أن كل ما أقوله هنا هو تمرين للعقل ليس إلا، وممارسة للسعادة بالطريقة التي أراها مناسبة.

Wednesday, March 15, 2017

نسخ المصحف وإطعام القطط

نسخ المصحف وإطعام القطط

قرأت قبل أيام خبراً يقول إن فتاة من خانيونس جنوبي قطاع غزة نسخت المصحف كاملاً بيدها. الخبر مرفوق بعشر صور للفتاة وهي تخط كلمات المصحف بالرسم العثماني محاطة بعشرات الأقلام. إلى هنا نسدل الستار على المشهد الأول.

رأيت امرأة عجوزاَ، تأتي في تمام الثامنة مساء كل يوم إلى ساحة الحي، ثم تصدر بفمها صوتاً تفهمه القطط، فتتقافز بالعشرات من كل مكان نحو الساحة، فتأكل وتشرب، بينما تمسح العجوز على ظهورها. إلى هنا نسدل الستار عن المشهد الثاني.

سنغادر هنا منطقة الحسنات -التي علمها عند الله- لنخوض أكثر في ما إذا كانت الأعمال تؤخذ جديتها بمقدار شقاء الإنسان الشخصي في تأديتها، رغم احتمال عدم استفادة الآخرين منها، أم بمقدار فائدتها للغير، وإن بُذِلَ فيها جهد أقل.  

يشبه المشهد الأول إلى حد كبير مشهد الرجال الثلاثة الذين قالوا في حضرة النبي محمد -صلى الله عليه وسلم- "أمّا أنا فإني أُصلي الليل أبداً. وقال آخر: أنا أصوم الدهر ولا أفطر. وقال ثالث: أنا أعتزل النساء فلا أتزوج أبدا". فأنكر الرسول الكريم أفعالهم. (الحديث الأول)

أما المشهد الثاني فله ضد في الحديث النبوي القائل: "دخلت امرأة النار في هرة ربطتها، فلا هي أطعمتها ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض، حتى ماتت هزلا". (الحديث الثاني) لم يخبرنا الحديث ملة المرأة، وفيه ما يشي إلى أن احتمال دخولها الجنة كان مرتفعاً لولا أنها قتلت القطة.

بمنطق الحديث النبوي الأول، المتعلق بتكريس النفس للعبادة فقط، ربما لن يُدخل نسخ المصحف الفتاة الجنة. وبالمنطق نفسه، لكن في الحديث النبوي الثاني، قد تدخل المرأة مُطعمة القطط الجنة.

ثم تخيلت الفتاة الغزية وهي تحبس قطة إلى أن ماتت، وتساءلت: بماذا سينفعها حينئذ نسخ المصحف؟ هذا بالضبط ما نجيب عنه بالقول: الله أعلم.

إذن، نحن إزاء مشهدين متناقضين في فهم فعل الخير المفضي في نهاية المطاف إلى التقرب من الله. عند الفتاة ناسخة المصحف يعتبر الجهد الجسماني طريقاً في هذا الاتجاه. أمام مطعمة القطط فهي تهتدي بقلبها وتستخدم إنسانيتها من أجل الوصول إلى ما تعتبره سريرتها بر الأمان بعد الموت.

يقول المنطق، إن الإيغال في العبادة المجردة حد الإغماء أو الإنهاك غير مطلوب، ونظن أن هذه النوع من العبادة هو ما لا يريده الله منا ولنا. وقد أنكر النبي هذا الفعل كما ورد سابقاً. بل إن الابتكار في أساليب العبادة قد يجعل لك أجران: أجر الابتكار، وأجر تنفيذه، خاصة إن كانت فائدته ستشمل كثيرين.

ومن هنا، لا أرى في نسخ المصحف عملاً ابتكارياً في العبادة بمفهوم عصرنا الحالي. فالمساجد والمكتبات مملؤة بالمصاحف المطبوعة بأجود أنواع الطباعة وأفخرها على الإطلاق. بل يمكن القول، إنه بالأساس يبدو عملاً غير تعبدي إذ ما قُدّر للفتاة مثلاً استخدام موهبتها في الخط في إنتاج لوحات تُباع فيعود ريعها لدور للأيتام أو المسنين.

لن يعدم الإنسان الوسائل إذن، إن فكر قليلاً، في كيفية توظيف موهبته أو مهاراته في عبادة الله، إن كان هاجسه دائماً العبادة. وإن لم تشغله مسألة العبادة، فيكفيه قلبه دليلاً ليقوم بما يراه صحيحاً، والصحيح صنو الإيمان، وليعمل ما ينفع الناس. وفي الحالتين على الإنسان أن يترك تقييم الإنتاج على الله.