Tuesday, August 23, 2016

الموت... كما رآه أحمد مرتين


الموت... كما رآه أحمد مرتين

هذه قصة حقيقية حَمّلها الكاتب بعض المشاهد المتخيلة

في يوم ظنه أنه يوم هادئ من أيام الحرب على غزة، سلّم أحمد نفسه إلى تجار البشر على جانبي الحدود بين القطاع ومصر. وما كان أحمد، ذلك الشاب اليافع وهو في مقتبل الثلاثينات، ليقدم على هذا الاستسلام، إلا ما هو أسوأ منه في غزة. دفع أحمد للتجار "تحويشة" عمره من الدولارات ليدبروا له خروجاً آمناً من أخطر بقعة في الأرض. وقبل أن يحظى بالأمن، رأى أحمد الموت مرتين. رأى أحمد الموت رأيَ العين.

دخل أحمد فوهة النفق، وكأنه يدخل فوهة بركان، بعد أن دس في جيب المُهرب ألف دولار أميركي. كان ذلك تحت قصف الطائرات الإسرائيلية التي كانت في حينه تضرب أي جسم يتحرك في شوارع القطاع وعلى حدوده. زحف رفقة 11 شاباً آخر داخل النفق، وما أن كادوا يصلوا نهايته حتى وجدوه مسدوداً بالتراب. عادوا أدراجهم، وما أن وصلوا الفتحة حتى باغتتهم طائرة إسرائيلية بصاروخ أغلق الفوهة. وللتو، نجوا من الموت بأعجوبة، وحمدوا الله.

اثنتا عشرة ساعة قضاها أحمد ورفاقه الأحد عشر داخل النفق. اثنتا عشرة ساعة وهم يعدون أنفاسهم الأخيرة ويحاولون إطالة أمدها قدر الإمكان. اثنتا عشرة ساعة وهم ينبشون بأيديهم -التي تصارع الموت- بالاتجاهين علهم يعثرون على متنفس أو نور في نهاية النفق، أو حتى أوله. اثنتا عشرة ساعة، أي نصف يوم، 720 دقيقة، 43 ألفاً و200 ثانية. كل ثانية مرت على أحمد ورفاقه وكأنها سنة، قبل أن يفتح لهم متطوعون من الجانب الفلسطيني فوهة النفق ليعودوا للحياة من جديد. يقول أحمد: "لقد رأيت الموت بأم عيني"!

بالنسبة لأحمد كان هذا موتاً، لكن في غزة ما هو أشد بكل تأكيد من هذا الموت، الذي سيدفعه ورفاقه مرة أخرى إلى النزول في نفق آخر مجاور، بينما لم تجف بعد تجربة الموت السابقة. هذه المرة نجا أحمد ورفاقه بجلودهم، وخرجوا من النفق في أرض خلاء، وكان في استقبالهم تاجر بشر آخر على الجانب المصري. التاجر: حمداً لله على سلامتكم. أحمد: سلامة! أي سلامة هذه؟. خرجنا من الحرب فسقطنا في الموت. لقد متنا وها نحن أحياء من جديد.. إن اليوم هو يوم القيامة! ضحك التاجر فاركاً يديه بما يشي بطلبه الفلوس. وعلى الفور نقده كل واحد منهم ألف دولار أميركي.

كانت سيارة من نوع مرسيدس بانتظارهم. السيارة تسع سبعة ركاب والسائق، لكنهم تكدسوا جميعاً بداخلها. وكان هذا أول تمرين على التكدس الذي سيتكرر لاحقاً طيلة الرحلة. وقبل كل حاجز عسكري للشرطة المصرية على الطريق من العريش إلى القاهرة، كان يطلب منهم السائق الترجل من السيارة قبل الحاجز بمئات الأمتار لتجنبه. ينزلون عن الإسفلت، وتلتهمهم الصحراء، كي يلتفوا عن الحاجز. ساعة أو تزيد من المشي قبل أن يلتقوا بالسائق في الناحية الثانية من جديد. يتكرر هذا الفعل ثلاث أو خمس مرات، بحسب عدد الحواجز على الطريق.

يصل أحمد إلى الإسكندرية فجر اليوم التالي، منهكاً متعباً مرهقاً، بعد رحلة قاربت مدتها 24 ساعة، رأى خلالها الموت مرة داخل النفق، ومشى فيها على قدميه 5 ساعات على الأقل تحت حرارة صحراء سيناء التي تقترب من 45 درجة مئوية، ودفع خلالها أتاوات للمهربين تقترب من ألفين و500 دولار أميركي. ترى ما الأحلام التي ستراود أحمد وهو يهم الآن على الدخول في النوم، ومن شرفته يتلألأ ساحل الإسكندرية الجميل؟ ما أبشع أن يأتي وقت اللذة وقد استُنفذت آخر قطرة من قواك!

يُمضي أحمد ورفاقه في الإسكندرية ستة أيام، يتحين فيها تجار البشر الوقت المناسب للإبحار باتجاه السواحل الإيطالية. وهؤلاء التجار تربطهم بلا شك علاقات مع رجال أمن كبار. فتجارة تدر على أصحابها كل هذه الآلاف، بل الملايين من الدولارات، لا بد وأن يقف في ظهرها عصابات منظمة مدعومة من سلطات عليا في البلاد.

في فجر اليوم السابع، اتصل بهم المُهرب فجأة، وأبلغهم بالنزول إلى البحر فوراً. وعلى عجل لملم أحمد أغراضه في حقيبة وضعها على كتفيه، وهرول مسرعاً على سلم البناية التي كان يقطنها. وعندما وصل الشاطئ، كان في انتظارهم عشرات القوارب الصغيرة، التي بالكاد يسع الواحد منها 20 شخصاً. أكثر من 60 شخصاً، وربما مائة، صعدوا على كل قارب. وقبل أن تطأ أقدامهم خشب القارب المتهالك، ينقد كل واحد منهم تاجر البشر هذا ألف دولار أميركي. وانطلقت القوارب في اتجاهات عدة لأسباب أمنية يدركها المهربون الذي يحفظون صحراء البحر عن ظهر قلب.

كان النهار قد انبلج، والشمس أضحت ترتفع رويداً رويداً من وراء ماء البحر، وبات من على ظهر السفينة لا يرون من حولهم إلا زرقة المياه، وقد اختفى شاطئ الإسكندرية بمبانيه القديمة تماماً. على متن السفينة قرابة المائة نسمة. شباب وعائلات وأطفال وكهول. يرتشفون بين الفينة والأخرى بضع قطرات من المياه، تعوض العرق الذي يتصبب من أجسامهم. لا دورات مياه هنا، ومن يريد من يقضي حاجته عليه أن يتدبر نفسه إلى حين.

يستمر القارب يمخر عباب البحر، ساعة، ساعتان، ثلاثة، والكل يُصبر الآخر: متسائلاً: متى نصل؟ فيجيب هذا الكل أو بعضه: عما قريب. تلوح في الأفق سفينة ضخمة تربض في منتصف البحر. يتجه القارب للسفينة، ويطلب الربان من الركاب الصعود إلى السفينة. تندلع جلبة فوق القارب، ويسري بين ركابه هرج ومرج، موجهين جملة استهجان واحدة للمُهرب: هذا ما لم نكن متفقين عليه! يقف الناس في القارب غاضبين، يتحرك البعض بعنف وخوف لا إرادياً، فتزداد اهتزازاته، تتعالى أصوات صياح الأطفال، وتنوح النساء، فيرتفع صوت المهرب زاعقاً في الناس: القارب سيغرق، القارب سيغرق.

يثبت الجميع فجأة كل في مكانه وعلى هيئته، فتنخفض اهتزازات القارب، وتسود لحظة صمت طويلة يتوافق خلالها المهاجرون بنظرات عيونهم على الاستسلام، ويخضعون للانتقال من القارب إلى السفينة الضخمة. يحاذي القارب السفينة تماماً، إلا من فجوة صغيرة تحافظ على وجودها المياه التي لا تهدأ. يبدأ الشباب بتسلق حبل يمتد من أعلى السفينة إلى وسط القارب. وبحذر شديد يناول الشباب الأطفال لبعضهم بعضاً رمياً. أما العواجيز، فإن زلت قدم أحدهم، وهو ينتقل من القارب إلى منطقة واطئة في مؤخرة السفينة، فإن هذه الزلة ستكلفه حياته. انتقل الجميع من القارب إلى السفينة بسلام محفوف بكل معاني المخاطرة، وكان آخر المنتقلين المُهرب ومساعده.

استقرت السفينة في مكانها دون تحرك لساعات، اختلى خلالها المهربون على متن القارب بزملائهم على ظهر السفينة. طال الانتظار. ساعة، ساعتان، ثلاثة، وإذ بخمسة قوارب أخرى ممتلئة تقترب من السفينة. فرّغت القوارب حمولتها على ظهر السفينة. وباتت السفينة التي يجب ألا تزيد حمولتها عن 200 شخص، يعتليها 500 نسمة. اكتظاظ في كل مكان، حواف السفينة احتلها الشبان، وافترشت العائلات بأطفالها رفقة العواجيز وسط السفينة. وتناوش الجمع بضع زجاجات من الماء، رشفة واحدة وتمرر القنينة لمن في الجوار. وهكذا تدور إلى أن تفرغ، دون أن يروي أي منهم ظمأه.

سارت السفينة باتجاه السواحل الإيطالية وعلى متنها 500 شخص، جاءوا من أصقاع. من سوريا والعراق وفلسطين ولبنان والنيجر ونيجيريا والسودان، ومن أمم أخرى لم يستطع أحمد تحديد معالم وجوه أصحابها، يجمعهم هدف واحد: البحث عن حياة أفضل. انقضى نهار اليوم الأول وأرخى الليل سدوله والسفينة لا تزال تمخر عباب البحر نحو اللامجهول. طلع نهار اليوم الثاني، وبدأت الشمس توقظ بحرارتها رويداً رويداً من غلبهم النوم، وتدب النشاط في من غالبهم النعاس. ومع الضحى بدأ النشاط يدب على ظهر السفينة، واكتشف الناس رغبتهم في قضاء حاجتهم. وكانت المفاجأة، دورة مياه واحد فقط على متن السفينة لخمسمئة شخص!

في اليوم الثالث جفت حلوق كل من على متن السفينة من رياح البحر المالحة، ولم يعد على متن السفينة من مياه إلا ما يرطب شفاههم. وهذه المياه إن وجدت، تكون للأطفال أولاً، والنساء ثانياً، والعواجيز ثالثاً. جنّ ليل اليوم الرابع، وبزغ نهار اليوم الخامس والسفينة لا تتوقف عن المسير، ولا يرى أحمد رفقة من على متنها إلى زراق في زراق. زراق من حولهم وزراق من فوقهم. منظر كئيب ألفه ركاب السفينة، ولم يعودوا يرون فيه جمالاً قط. في اليوم السابع، خارت قوى عدد لا بأس به من الركاب، فأغمي على بعضهم من شدة الجوع والعطش وحرارة الشمس، ودخل فريق آخر في موجة بكاء ونحيب حزينة. لقد أحرقت الشمس وجوه أغلبيتهم، وبدت خطوط ملح العرق ترسم أشكالاً سيريالية على وجوههم. وناجى فريق ثالث الله بتضرع وخيفة بالفرج.

سبعة أيام في البحر، شحبت خلالها الوجوه، وغارت الخدود، وخارت القوى حد الإغماء، وانكمشت الأجسام فبان العظم، وجفت الشفاه، واحترقت الوجوه، ونقشت خيوط الدموع فيها أخاديد من ملح، وتحول كل من على السفينة إلى مجرد أشباح، يرى كل واحد منهم في مرآة وجه الآخر نفسه. كان أحمد يعد أنفاسه، وقد رسخ لديه يقين أنها الأخيرة. استلقى على ظهر السفينة، ظهر على ظهر، فاغراً فاه، وأشاح بيده بحركة ضعيفة مودعا الجميع قبل أن يغط في موت مؤقت. يُعلن رفاقه: أحمد يموت للمرة الثانية.

والناس على هذه الحال، وبينما كان القمر قد أخذ مكانه وسط السماء، وبدأ الناس يعدون النجوم ويستأنسون بها، لاحت لهم أضواء تلمع وتنطفئ من بعيد. احتاجوا وقتاً من الزمن كي يتبينوا أن لون الأضواء حمراء. خيل لهم أن هذا جزء من حلم لم يفيقوا منه بعد. انتظروا اقتراب الضوء الذي بدا يلمع من فوق أركان شيء مربع. خالوه جسماً طافياً فوق الماء لا معنى له، لولا صوت صدح منه: لا تخافوا نحن جئنا لإنقاذكم... لقد جئنا لإسعافكم.

وما أن ظهرت أطراف الباخرة بوضوح مع اقترابها رويداً رويداً نحوهم، دب الأمل بالنجاة فيهم من جديد. باخرة إيطالية لنقل البضائع محملة بالحاويات، وجهها خفر السواحل إلى مكان سفينة المهاجرين، لأنها كانت الأقرب إليهم حين بلغ الخفر إنذار بجنوح سفينة مهاجرين في البحر. فتح طاقم الباخرة باباً ضخماً في أسفلها وامتد مثل لسان انتقل من خلاله من على متن السفينة إلى الباخرة بسلام. وعلى ظهر الباخرة تناول الجمع الغفير وجبات طعام خفيفة وشربوا حتى غرقت حلوقهم في الماء. لقد أكلوا وشربوا وكأنهم يرون الماء والطعام لأول مرة. أقلتهم الباخرة إلى أقرب شاطئ في جزيرة صقيلية الإيطالية، ومن هناك تولى مسؤوليتهم طاقم من الصليب الأحمر الإيطالي، الذي ساعدهم في أن تطأ أقدامهم للمرة الأولى اليابسة، بعد ثمانية أيام بلياليهن في عرض البحر.

بعد نحو أسبوع قضاها أحمد في مركز احتجاز للمهاجرين في إيطاليا، أطلقت السلطات سراحهم لينطلق في رحلة جديدة، ركب خلالها قطارات وسيارات وشاحنات، ومشى خلالها على أقدامه ما مشى من القفار التي تمتد إلى مئات الكيلومترات، إلى أن استقر به المقام أخيرا في بلجيكا. وبعد أقل من عام تحصّل أحمد على الإقامة الدائمة في بلده الجديد، بلجيكا، الذي سيبدأ اكتشافه للتو. مضى على أحمد الآن في بلجيكا عامان ونصف العام تقريباً، تعلم فيهما اللغة، ومنحته الحكومة مبيتاً لائقاً بآدميته، وراتباً شهرياً يكفيه المسألة، وها هي الحكومة تعرض عليه الآن تدريباً حرفياً لامتهان ما يشاء من حرف الحياة، ليؤسس حياته من جديد.

سألت أحمد: هل يستحق الحصول على جواز سفر أوروبي كل هذه المعاناة والمكابدة؟ انفرجت عن شفتيه ابتسامة خجولة قبل أن يسحب نفساً عميقاً ويقول: حين تكون مجبراً على الاختيار بين أفضل طريقة للموت، فإنك تختار أقلها ألماً، وهذا ما اخترته، أو بالأحرى هو الذي اختارني. قلت: ألهذه الدرجة الوضع في غزة أصعب مما عايشته من مشاهد موت؟ قال: في رحلتي هذه واجهت الموت مرتين، مرة في النفق والثانية على ظهر السفينة، لكن الناس في غزة يموتون كل يوم مائة مرة!

Thursday, August 18, 2016

نبيل عمرو ودبلوماسية السرد


نبيل عمرو ودبلوماسية السرد

على مدى 286 صفحة، يريد نبيل عمرو -أو ربما لا يريد- أن يصف في كتابه "ياسر عرفات وجنون الجغرافيا" عرفات بأنه ديكتاتور، لكنه يتمنع بدبلوماسية عالية أو يمتنع بمحض إرادته. يختار عمرو، السياسي الفلسطيني، لكتابه أن يكون وصفياً أو ذو انطباعات، لا تأريخا لسيرة عرفات، وبينما هو يقدم على ذلك، يذهب للخطأ بقدميه. يعرض الكتاب مواقف عدة لعرفات وفضائح متعددة لمنظمة التحرير. لكن الكتاب تعتريه مشكلة بنيوية جسيمة في تصنيفه للمعلومات وإيراده للمواقف بعيداً عن مضمونه الذي يمكن اعتباره ثرياً.

وتتجسد ديكتاتورية عرفات في قول عمرو تلميحاً لا تصريحاً: "لم تغفل عين عرفات لحظة واحدة عن الوضع الداخلي، فالغفلة من حيث المبدأ تعني في فكر وحسابات القائد المستحوذ أول ثغرة خطرة في أساسات زعامته، خصوصا حين يكون الزعيم هو مركز الحالة بأسرها وتكون زعامته محصلة معادلات يؤدي فيها العامل الخارجي دورا فعالا في البقاء كما في الاقصاء".

وقد دفعت دكتاتورية عرفات "اللجنة المركزية لفتح في اجتماع لها بالكويت إلى اتخاذ قرار بإقصائه عن العمل العسكري لقوات العاصفة بالحجة إياها: التفرد في اتخاذ القرار وعدم التقيد بتوجهات اللجنة المركزية". وتكثفت هذه الصفة لدى الرجل أكثر "بعد سقوط طائرته في صحراء ليبيا، إذ صار النزق والتحدث بانفعال زائد سمتين تثيران القلق في سلوك الرجل وردود فعله".

ويظهر عرفات الديكتاتور من بين ثنايا السرد الدبلوماسي لسيرة القائد حين يقول عنه الكاتب: "كانت طريقته في تلبية المطالَب غير تلقائية حتى في البديهيات، وكان لا بد من إشعار صاحب الطلب بان ما يبدو بديهياً ومحسوماً هو في واقع الأمر غير سهل".

لا تأريخ ولا رواية
يقر عمرو في بداية كتابه، الصادر عن دار الشروق المصرية عام 2012، بأنه "ليس تأريخاً لمسيرة عرفات، إنما هو انطباعات تولدت لديه من خلال معايشته للرجل". وبهذا الإقرار أطلق المؤلف رصاصة على قدمه من مسدس يحمله. إذ إن سرده مجرد انطباعات لا يعفيه البتة من ذكر تواريخ فاصلة في حياة عرفات وحركة الثورة الفلسطينية، والتي ما أن ذكر أحدها أو أحد الأسماء المصاحبة لها إلا واحتجت إلى خدمات غوغل للتوضيح والاستعلام والاستفسار.

ولم يحصل أني قرأت كتاباً واستعنت بغوغل بقدر ما فعلت مع هذا الكتاب. فعلى طول المواقف والمشاهد والانطباعات والأسماء التي أوردها عمرو، كان لا ينفك عن التقافز إلى ذهني السؤال: متى حدث هذا؟ يحصل هذا وكاتب هذا المقال فلسطيني، فما بالك لو أراد موريتاني مثلا قراءة الكتاب؟ وبينما قام عمرو بذلك، بدا وكأنه في الكتاب يتحدث إلى عارف بما يحدثه، أو صديق عايش معه رفقة عرفات التجارب ذاتها. فمثلاً لم نعرف تاريخياً للفترة التي مكثت فيها المنظمة وقادتها في تونس أو اليمن أو العراق أو سوريا أو حتى لبنان. وإن كان تأريخ من هذه القبيل قد يكون رئبقيا، فكان يكفي الإشارة إلى بداياته ونهاياته على الأقل، كي يتمكن القارئ من ترتيب الأحداث في ذهنه ومن ثم الربط بينها.

حتى وإن أراد عمرو لكتابه أن يكون كتاب انطباعات، فكان لا بد له أن يفطن إلى أن سياسيا مثله رافق شخصية بثقل عرفات، ما كان مقبولا أن يتحدث عن رجل تاريخي بدون إيراد أي تواريخ تتعلق بالمحطات الهامة التي صنعت تاريخ القضية الفلسطينية والمنطقة برمتها، وهذا السقط الكبير، يفقد الكتاب قيمته التوثيقية. كما أن الكتاب ليس رواية مكتملة الأركان، وإن أغرى البعض بعض الجمل السينمائية والعبارات الجزلة الواردة فيه. ومن هذه الناحية مثلاً، لم يحرك الكاتب الشخوص، ولم يصنع لها حوارات دسمة، وفشل في رسم سيناريوهات الأحداث، ولم يفلح في ابتكار حبكات صعوداً وهبوطاً.

كان من الممكن أن يجمع عمرو كل هذا، الانطباعات والتأريخ والسرد الروائي، لو تمكن من استغلال المادة التي بين يديه خير استغلال، والمادة التي بين يديه غنية بما فيه الكفاية ليتم تشكيلها على النحو الذي يريد. ولأن لم يفعل ذلك، فقد بدا الكتاب –وصاحبه كاتب مقال- تسجيلا لبعض المواقف التي رآها الكاتب مهمة للسرد من وجهة نظره، وهذا بالضبط ما يمكن كان يمكن قوله في عدة مقالات في صحيفة يومية لا كتاب.

مواقف وفضائح
لكن على أي حال، يشتمل الكتاب على مواقف ومحطات نادرة من تاريخ تجربة الثورة الفلسطينية التي تنقلت بين فلسطين والأردن ولبنان وسوريا والعراق واليمن. منها قصة محاولة إنشاء كيان لرجال الثورة بعد خروجهم من جغرافيا لبنان، في جزيرة يمنية مهجورة، أهداها علي عبد الله صالح لعرقات، لكن التجربة فشلت بعد أشهر قليلة من حرث الأرض وزراعتها، بسبب الطقس السيئ والحرارة المرتفعة.

وفي إحدى المرات، كان عرفات يتجول في أحد المخيمات الفلسطينية بعد انتهاء الحرب الإسرائيلية على لبنان عام 1982، فانتقده فتى فلسطيني كان رفقة أمه وقد تدمر منزلهم من جراء الحرب، وقال لعرفات في ما معناه "أنت السبب"، فما كان من عرفات ضربه بالكف على وجه. فتدارك عمرو الموقف صائحا في الفتى: مش عيب عليكم تضرب أمك؟ وهكذا فهم الجميع أن عرفات ضرب الطفل لأن اعتدى على أمه!

ومن المواقف أيضا، انتقاد شفيق، أحد مؤسسي المنظمة وقادتها الأوائل، عرفات في إحدى دورات المجلس الوطني (لم يذكر المؤلف تاريخه)، ليرد عليه عرفات بالقول: ألم اقل لكم أن ديمقراطيتنا سكر زيادة؟ والله يا أبو هادر لو قلت بعض ما قلت عني في هذه القاعة عن أي رئيس عربي في أي بلد آخر لما غادرت السجن طيلة حياتك. فيرد أبو هادر: مهو علشان هيك يا أبو عمار بنحبك وبنتحملك!

ويسوق الكاتب سلسلة من التكتيكات السياسية التي يدلل من خلالها على عبقرية عرفات، لكنها تستبطن فضائح مبكرة في إدارة مؤسسات الثورة الفلسطينية المعاصرة. فقد خشي عرفات عدم اكتمال نصاب المجلس الوطني في عمان (لم يذكر المؤلف تاريخ انعقاده)، فطلب من نايف حواتمة، الأمين العام للجبهة الديمقراطية إرسال جميع أعضائها والجلوس في غرفة مجاورة للقاعة الرئيسية للمجلس. فان اكتمل النصاب بدونهم يغادرون، وإن لزموا يرفعون أيديهم. يصف الكاتب هذه الفعلة بأنها "جهنمية"، وهي بالفعل كذلك، تؤدي إلى جهنم السياسية في المؤسسات الديمقراطية التي تحترم نفسها!

هشاشة البنية
وإلى جانب المحاذير الدبلوماسية التي يراعيها الكاتب في سرده، وفشله في تذكر أو ذكر أي من تواريخ المواقف أو المحطات، وتعرضه لبعض عيوب التجربة الديمقراطية داخل منظمة التحرير على أنها تكتيكات إبداعية، تعتري بنية الكتاب مشكلة كبيرة. فقد قسم المؤلف كتابه إلى سبعة فصول، نسي على ما يبدو أن يعطيها عناوين. وقد حملت بداية كل فصل مقتطفات لما هو آتٍ، لكنه يصعب على القارئ فهمها، إذ إن معناها لم يكن قائما بذاته ليعطي فكرة تامة.

وحين تبدأ بالقراءة، تجد نفسك أمام عناوين ضخمة، فتشعر لا إراديا أنك أمام صفحات دسمة، لتفاجئ أن ما كتب تحت العنوان الواحد لا يتجاوز صفحتين أول ثلاثة. تكرر ذلك تحت عناوين كثيرة شملها الكتاب فبدى وكأنه مجموعة مقالات صحفية. وهذا الاختصار ضرب تفاصيل كثيرة، تمنع عن ذكرها الدبلوماسي الكاتب، في مقتل.

ولأن الكاتب لم يأت على ذكر تواريخ الأحداث، فقد أثر ذلك على تصنيف المعلومات، فهي ليست مرتبة وفق نسق محدد، مما جعلها غير مريحة ولا بد أنها ستخلق تشويشاً لدى أي قارئ مطلع يجيد القراءة النقدية. ناهيك عن جملة من الأخطاء الإملائية واللغوية والنحوية. وهذا مرده بكل تأكيد إلى تسرع الكاتب في نشر الكتاب بدون إعادة ترتيب لمضمونه، فضلا عن لهاث دار النشر في طباعة كتاب لسياسي من عيار سفير.

Saturday, August 13, 2016

الإعلامي

الإعلامي

لا أعرف من ذا الذي اخترع هذه "اللفظة". والحمد لله أني لا أعرف، فعدم المعرفة هنا، معرفة. لكن ما أعرفه، أني ما سألت صحفياً، أو "شبه صحفي" عن مغزى وصف نفسه بـ"الإعلامي"، إلا وارتبك. والارتباك هنا معرفة، بل فيها كل المعرفة. وهذه "الرعشة" تحدث لا إرادياً، لأن الكلمة لا تستند إلى أي مسوغ لغوي أو مهني أو أكاديمي، اللهم إنها فقط "برستيج اجتماعي" فرضته "أناقة التكنولوجيا"، و"إتيكيت" وسائل التواصل الاجتماعي.

فمن الناحية اللغوية، تقول المعاجم إن جذر الكلمة أعلمَ، وفرعها يُعلم، ومصدرها إعلام، والفاعل مُعلِم، والمفعول مُعلَم. أما إعلامي فيقول عنها معجم اللغة العربية المعاصرة بأنها اسم منسوب إلى إعلام. ويستطرد المعجم ذاته مُعرفاً الإعلامي بأنه شخص يتولى النشر أو النقل في الإذاعة أو التلفزيون أو الصحافة.

كنت سأصدق المعجم لو اكتفى بهذا، إلا أنه أضاف: "يحافظ الإعلامي الناجح على مصداقية الكلمة"، وهنا تدخل واضع التعريف في ما لا يعنيه، حين وقع في فخ تصنيف الإعلاميين وفق النجاح أو عدمه، وتجاوز تفسير المفردة إلى تحديد وظيفة صاحبها. كما لم يعطينا واضع التعريف تفسيرا لمعنى المصداقية. أشدد هنا للمرة الثالثة على كلمة واضع التعريف، لأنه هو من دعاني للتشكيك في التعريف ككل. والمعاجم في نهاية المطاف ليست كتبا مقدسة.

وإن كان تعريف القاموس للإعلامي قد جاء على نحو يريد من خلاله واضعه أن يتماشى مع الواقع المحكي للغة، عبر إدخال منحوتة لسانية جديدة إليه، فقد عرّفها على خلاف ما يفهمها متداولوها ويدركها مستخدموها ويستوعبها متلقوها، إذ لا يمكن إخفاء البعد الاجتماعي للكلمة وما تضفيه على من يوصف بها من برستيج يضعه في مرتبة أعلى من الآخرين.

وعلى المستوى المهني، فإن أي عامل في نقل المعلومات العامة ضمن مؤسسة صحفية تعنى بالشأن العام اسمه صحفي، بغض النظر إن كانت هذه الوسيلة إذاعة أو تلفزيون أو إنترنت. وإن أردنا أن نكون دقيقين أكثر، آخذين في الاعتبار عامل اللغة، فإنه يمكن إطلاق مسميات إذاعي وتلفزيوني وصحفي، على العاملين في الإذاعة والتلفزيون والصحيفة على التوالي. ولأن هذا لا يستقسم لغوياً في ظل تطور وسائل النقل المعلوماتي بما يسمح لنا القول مثلاً صحفي إنترنتي، أو صحفي فيسبوكي أو صحفي تويتري، فكانت الرغبة في "إراحة الدماغ" وإطلاق اسم صحفي على هذا الكل.

ولما كان الأساس في الممارسة الصحفية -أي كانت الوسيلة- الكتابة والتحرير، فإن ولادة الصحفي من رحم الصحافة منذ البدء إلى الآن كانت ولا تزال طبيعية، إلا إن أردنا إقحام مبضعنا في أحشاء المهنة، حينها علينا أن نقبل بالنتائج حتى وإن أدى ذلك إلى قتل الجنين، وما الجنين هنا إلا الصحفي. وحين يشتد عود الوليد ويبلغ الحلم يستجيب تلقائياً للرغبة في أن يكون صحفياً، إلى أن تلونه الوسيلة التي يتقن العمل فيها وتمنحه اسما اختيارا، له الخيار في أن يحمله أولا لا، لكن ليس له الخيار في يستغني عن اسمه الأول الذي كتب في شهادة ميلاده المهنية. بمعنى آخر، فإن الكنية –إن اعتبرنا "الإعلامي" واحدة منها- لا تلغي اسمه الحقيقي.

وعلى الصعيد الأكاديمي، فإن كلمة الإعلامي لا تعرفها أي من قواميس مدارس الصحافة وكليات العلوم الإنسانية التي تدرس الصحافة. ومن هنا تجد أن السواد الأعظم من هذه المدارس والكليات تختار لنفسها اسم الاتصال الجماهيري. وفي رحاب الأكاديميا يعرف دارسو الصحافة، ومنهم من يلقبون أنفسهم بـ"الإعلامي"، كم أن هذه الكلمة مثيرة للضحك والسخرية في النقاشات الدائرة داخل غرف الدرس. والشيء نفسه ينسحب على غرف الأخبار الجادة والرزينة التي تميل بقوة إلى التعامل مع الأشخاص بأسمائهم، لا بأوصافهم ومسمياتهم. فالإعلامي ليست مهنة بذاتها، ولا هي اسم صحيح للشخص العامل بالصحافة، بل هي كلمة أقرب إلى صفة له، وهي مسمى وليست اسماً لشخصه.

إذن، ما تبقى من معنى كلمة الإعلامي، وما نراه سبباً قوياً للرغبة في استخدامها المكثف في السنوات الأخيرة، هو ذلك الرونق الاجتماعي الذي بدأت تضفيه على من يطلقها على نفسه، وما تشي به من برستيج يجعل الشخص الموصوف بها ذو قدر أكبر وصاحب حظوة في وسطه البشري.

وهكذا، أصبح الإعلامي يُدعى إلى الندوات والمؤتمرات والمهرجانات والورش والولائم والحفلات المخملية تحت ضغط هذه الكلمة التي لا تدع له مجالاً للتغيب. وطالما أن الداعي قد رفع غرور الصحفي درجة -وربما درجات- بمنحه هذا الوصف الأثير إلى قلبه والذي يزيد من أجنحة طاووسه الداخلي؛ فلا مفر من أن الدعوة ستكون مقبولة بعض النظر عن ضحالة الفعالية.

وترجيحنا، هو أن كلمة الإعلامي ما كان لها لتحظى بكل هذا اللمعان، وتحقق هذا الانتشار لولا ظهور القنوات التلفزيونية الفضائية التي ملأت المجال العام العربي مع بداية الألفية الثالثة. فحتى تسعينات القرن الماضي، لم يكن يجرؤ أقوى الصحفيين العرب على أن يطلق على نفسه هذا الصفة، أو يقبل أن يناديه بها الآخرون. لكننا نجد اليوم من يستسهل إطلاقها على نفسه لمجرد ظهوره على شاشة مغمورة أو مشهورة، أو إذاعة محلية أو دولية، أو كتابة كلمتين في فيسبوك أو تويتر.

وإن كان هذا غريباً، فإن الأغرب هو قبولنا لهذه الصفة دون إبداء أي استنكار أو إظهار أي مقاومة تجاها، أو حتى إعمال تفكير نقدي بسيط في معناها اللغوي أو الاصطلاحي، لدرجة أنها باتت ترسم علامة استفهام كبيرة أمام ما تتركه الصحافة في الناس من طبقات ثقيلة من التأثير المتراكم عبر الأيام ممهورة بسؤال : كيف "نستهبل" على الناس وقد ولدتهم أمهاتهم بعقول تفكر؟

Tuesday, August 2, 2016

هكذا طردتني من فيسبوك!

هكذا طردتني من فيسبوك!

كان الحوار كما ظننته ناعماً حين سألت إحداهن على فيسبوك -ويا ليتني ما سألت- ما مفهومكِ لاحترام خصوصية الطفل؟ كان سؤالي تعليقاً على صورة ابنتها التي تجاوزت السادسة لتوها بقليل. اعتبرت هي السؤال "تدخلاً"، في ما افترضت أنا ذلك فتحاً لنقاش عام في كيفية تفكير أصحاب فيسبوك ممن نظنهم يفهمون في التفريق بين المسؤولية والخصوصية بالنسبة لصغارهم، لكن ما إن "نكشت" أحدهم في حوار جدي ستجد كم أن كثيرا منهم "قليلو أدب"!

الصورة من وجهة نظري كانت "مخلة" (لن أشرح تفاصيلها كي لا أدخل في جدال)، وإن لم تكن كذلك من وجهة نظر أم الطفلة، فهي على الأقل تنتهك خصوصية الطفلة كطفلة ليس إلا. والنقطة الأخيرة هذه، هي ما أردت فتح النقاش بشأنها في محاولة لاستجلاء مدى فهم واحدة من أولياء الأمور للحد الفاصل بين الخصوصية والمسؤولية، الذي لا يدركه كثير من الآباء ولا يحترموه -على ما يبدو- عند التعامل مع صور صغارهم في الفضاء العام، مثل فيسبوك وتويتر.

تدخل الأب فوراً بشكل فظ، وتحدث بكلام نابي. ثم تدخل بعده خال الطفلة، وتلفظ بكلمات رذيلة. بعد ذلك تدخلت الأم مجدداً حين رددت على "قلة أدب" الاثنين. ورغم أن معرفتي الشخصية بها قوية، فهي من عائلة تعد في مجتمعها على الأقل بأنها عائلة "شيك"، فقد خبرت للتو كم أن هذا النوع من الناس يكون متحفزا للإساءة أكثر بكثير من غيرهم ممن نتوقع الإساءة منهم على الدوام بدون أن نختبرهم.

ورغم أن السيدة قالت إنها هي المسؤولة عن ابنتها، وأن لا دخل لأحد غير أبويها في هذا الشأن، فإن هذا جواب لا ننكره عليها، إلا أنه جواب يستبطن أيضا أن هذين الوالدين يتعاملان مع الطفلة كما لو كانت دمية. وإن فهم هذين الأبوين أن طفلتهما تقع ضمن مسؤوليتهما، إلا أنهما لما يدركا بعد الفارق بين المسؤولية والخصوصية.

فمسؤولية الآباء تجاه الأبناء من توفير مأكل ومشرب وتعليم وحياة كريمة، لا يعطيهم الحق في انتهاك خصوصيتهم حين يتجرأ أحدهم على تصوير طفله وهو يلهو في المنزل "بطيزه"، أو غارق في الأكل من "ساسه إلى راسه"، أو وهو يلقن طفله شتائم يكررها الطفل بينما الأب غارق في موجة من الضحك. وهذه مشاهد نعتقد أنه لا بد أن تكون مسورة بأسوار العائلة، لا من أجل استجداء اللايكات في فيسبوك.

نعرف أن الصغار أشقياء، وأن الآباء يحبون هذه الشقاوة في صغارهم، ويفاخرون بها أمام الآخرين، وهذا من حقهم، ونحن هنا لا ننكر على أحد مشاركة مشاهد شقاوة صغاره مع الآخرين، على ألا تنتهك خصوصية الطفل، ولا تخدش في الوقت نفسه ذوق المتلقين، ممكن سيقرؤون هذه المشاهد بطرق شتى، من بينها بكل تأكيد، قراءتها من منظور المسؤولية والخصوصية.

قد يقول قائل: يا شيخ أنت مكبر الموضوع! وببساطة، فإن الموضوع فعلاً كبير، وإلا لما أكدت الحكومة الفرنسية مؤخرا على تجريم انتهاك الآباء خصوصية صغارهم إن نشروا صورهم، لا سيما المحرجة منها، في مواقع التواصل الاجتماعي. فوفقا لقوانين الخصوصية في هذا البلد، يمكن للأطفال أن يقاضوا آباءهم حين يكبرون، ويطالبوهم بغرامات تصل إلى 35 ألف جنيه إسترليني، أو أن يودعوهم السجن، إذا ثبتت إدانة الآباء.

مرة أخرى، لست ضد أي شخص ينشر صور أبنائه على فيسبوك، وبأي وضعية كانت قد يراها هو مؤدبة ويراها غيره على خلاف ذلك. لكن على الآباء أن يفكروا مرتين قبل الإقدام على فعل من هذا القبيل، لأنهم ببساطة يتعاملون مع قاصر، وهذا القاصر لا يعرف أين يجب أن تتوقف مسؤولية الأبوين لتبدأ حينها خصوصيته. وفي هذه الحالة تحديدا، فإن المسؤولية أكبر من الخصوصية، وهي المظلة التي لا بد أن تدرك بظلها كل جزئية من خصوصية الطفل.

إن مفهوم الخصوصية واسع وفضفاض، خاصة إذا ما تعلق بالأطفال، وما قد تعتبره انتهاك لها قد يكون غير صحيح بالنسبة لغيرك. وإلى حين أن يكبر طفلك ويطلع على ألبوم صوره وهو صغيرا، على الوالدين حينها أن يتحملا عناء البحث عن مبررات لاستفسارات الطفل الذي أصبح فتياً بخصوص عدم رضاه عن التقاط صور له بوضعيات محددة ونشرها للملأ.

إن عدم فهم الآباء للحد الفاصل بين مسؤولياتهم تجاه الطفل، والخصوصية التي يجب أن يوفروها له، لهو مفسدة تربوية محضة. فخصوصية طفلك واحدة من مسؤولياتك، التي إن قصّرت فيها فلا تلومن إلا نفسك.

وهكذا طردتني السيدة من "بيتها الأثير" في فيسبوك -ولا أسف على ذلك- لتؤكد من جديد نظريتي بأن الناس في فيسبوك دائما على أهبة الاستعداد لافتعال المشاكل، وشخصنة النقاش، والتصيّد من أجل لا شيء، سوى أن يقولوا لك: "أنا وبس.. أنت مين؟".

Monday, July 25, 2016

العرب وإعادة إنتاج التخلف


العرب وإعادة إنتاج التخلف

نبدأ من حيث انتهى الآخرون. وقد انتهى الآخرون عند اختراع العجلة، ومَضَوْا. يبدأ العرب من جديد من حيث بدأ الآخرون، ليعيدوا اختراع العجلة، فيبقوا "مكانك قف". نرى ذلك منذ سنوات في حياتنا اليومية في مجالات عدة. نكتفي هنا بتناول اثنين منها: التعليم والإعلام.

منذ سنوات، بل ربما عقود، لا شيء يكاد يتغير في مخرجات التعليم، لا على مستوى الخريجين ولا حتى المنتجات. وذلك لأن المنظومة التي يقوم على أساسها مبنية بسواعد –ما شاء الله عليها- معادية للبيئة الابتكارية والإبداعية. أمسكت قبل سنوات قليلة كتاباً ملوناً وجميلاً في اللغة العربية للأطفال. تصفحت الكتاب، وما أن وصلت باب حرف الحاء، وجدت أن مؤلفيه قد ارتأوا أن يكون أول كلمة يعرفها الطفل تحت هذا الحرف هي "حمار"! لاحقا ستكون هذه الكلمة أول ما يستخدمها الطفل ليشتم كل من حوله. ومع ذلك، لا تزال تحتفظ الوزارات العربية بكلمة "التربية" مع "التعليم" في أسمائها، وكثير منها يقدم الأولى على الثانية.

ومع أنه في لغتنا كلمة أجمل هي "حُبٌ"، فهذا لا يعني أننا نطلب على المؤلفين حجب كلمة "حمار" من القاموس، أو عن الأطفال تحديداً. لكن كما تعلمون، فإن وقع الكلمة علينا كبالغين كبير، وصداها الاجتماعي في ثقافتنا العربية "مش غاد غاد" –أي ليس محموداً- فما بالك بوقعها على طفل غض، خصوصاً إن تلقاها لأول مرة في حياته! فبين "الحمار" و"الحب" مسافة طويلة تجعلنا نشفق على طفل صغير أن يقطعها وهو لا يزال يحبو في رحاب الفهم.

قد يقول قائل، لكن المناهج هذه الأيام تغيرت، وتتغير على فترات ليست طويلة. هذا صحيح في جانب منه، لكن ما لم يتغير في المناهج طريقة تفكير واضعيها، الذين لا يزالون يجترون مضامين الماضي بكل تفاصيلها (أسود وأبيض)، وإن تغيرت طباعة الكتب حديثاً وأصبحت بالألوان. وأذكر هنا أنني قرأت من الصف الأول الابتدائي حتى الثانوية العامة، ما قرأه أخي الذي يكبرني بعشر سنوات. حتى أن غالبية المدرسين لم يتغيروا خلال هذه الفترة على الأقل.

أما على مستوى الإعلام، فلا يزال إعادة اخترع العجلة مستمراً في عالمنا العربي. وعلى الأرجح لا يُراد للصحافة ووسائلها أن تتغير أو تتطور، حتى وإن أصبحت الصورة حالياً "إتش دي"، والطباعة ذات جودة عالية وبورق فاخر مصقول.

قبل أيام كنت استمع إلى حوار بين "مخترع" –وهذا المخترع من مخرجات التعليم الجديد الذي تحدثنا عنه آنفا- ومذيعة كانت في كاملة سعادتها وهي تحاوره وتثني على "اختراعه". وبعد نحو 5 دقائق من الحوار الذي أوشك أن ينتهي، سألت المذيعة المخترع: هل أنت من ...؟ وذكرت اسم بلدها. وكم كانت مفاجأتها كبيرة حين قال لها: لا.... أنا من ....؟ وذكر اسم بلده. ولم تنتظر المذيعة طويلاً لتترجم استغرابها بالقول ضاحكة ملء شدقيها: والله يا ريتك من...! (نعتذر عن ذكر اسم البلدين لأسباب فنية).

وما تحدثنا عنه آنفاً في التعليم، لا بد أن ينتج هكذا مذيعين. ورغم أن كلام المذيعة ينطوي على عنصرية لا تخطئها عين، فإن "المخترع" ضحك أيضا مع المذيعة وقهقه وكأن شيئا لم يكن. مرة أخرى، حين تفقد قدرتك على الرد على من يستنكر عليك جنسيتك، فقط لأن كلامك لامس شيئاً فيه وأراد التماهي معك، فاعلم أنك قد خضعت في صغرك لمنظومة تعليمة فاسدة لم تمكنك من مفاتيح الرد. وهكذا نكون أمام مشهد متكامل من التخلف، بل إعادة إنتاجه، ضحيته المحاوِر والمحاوَر، اللذان كانا بدورهما في يوم ما ضحية تعليم فاسد وبيئة تربوية معلولة.

في الإعلام أيضا، انظر إلى صناعة الأفلام أو المسلسلات العربية. خذ المصرية منها مثلاً، وستجد كم أنها متشابهة ومنسوخة من بعضها البعض، حتى أن بعضها مسروق عن أفلام أجنبية، ومنتج بطريقة رديئة. فيلما "ويجا" و"الحرب العالمية الثالثة" نموذجين. أما على صعيد المسلسلات فقصصها كلها تقريباً معروفة، ولا يمكنك توقع المفاجأة فيها إلا نادرا. مسلسلات رمضان الماضي والذي سبقه والتي تتناول الحرب في سوريا نموذج واضح لإعادة إنتاج واقع باتت مملاً، لكن بدرجة وضوح أعلى "إتش دي".

يحدث ذلك أيضاً في توريث الآباء من أبطال المسلسلات المهنة لأبنائهم. عادل إمام نموذجاً. له ابن ممثل وآخر مخرج. والمخرج الابن يُخرج للمثل الابن المواضيع ذاتها التي تناولها الممثل الأب منذ فيلم "الإرهاب والكباب" (1992) وصولا إلى مسلسل "مأمون وشركاه" (2016). وما هذا ولا ذلك إلا عبارة عن تقارير إخبارية، الجديد فيها أنها مصورة بكاميرات سينمائية.

هذه بعض نماذج لما بات العرب غارقون فيه من إعادة إنتاج لكل ما تحويه مجتمعاتهم من تخلف. وهذا التخلف ليس وليد اللحظة، بل هو متجذر في العقلية العربية، وفي الممارسة الحياتية اليومية. وكل ما حصل في الآونة الأخيرة هو أنه بدأ يخرج للعيان بشكل أوسع مع استخدام التكنولوجيا، وهي الوسيلة ذاتها التي لا يزال العرب منبهرون بها ويعيدون إنتاج مظاهر التخلف عبرها كل يوم.

Friday, July 1, 2016

الغبرا و"العنف الفلسطيني"

الغبرا و"العنف الفلسطيني" ومزيج من الهرطقة

لا نلوم الصهاينة حين عوّلوا إبان نكبة فلسطين على أن "الكبار يموتون والأطفال ينسون"، إذا ما كنّا أمام شخص من عيار "كاتب"، لن نعده مع الكبار، لأنه ببساطة لا يزال حي يكتب، بل سنحسبه "صغيراً" يجنح  للنسيان بقرار شخصي عن سبق الإصرار والترصد والتلبس، وذلك لأنه يضع "العنف الفلسطيني" مقابل "العنف الإسرائيلي"، بكل ما بين علامات التنصيص من معنى.

 "العمليات الفردية الفلسطينية في غياب العمل المنظم" عنوان مقال منشور في صحيفة الحياة يوم 16 يونيو 2016، "للكاتب" شفيق ناظم الغبرا. يفتح المقال الشهية على علامات التنصيص المتبوعة بعلامات التعجب التي تكاد تتقافز من ذهنك للجوار وأنت تقرأه، لتحرك فيك أي كنت الجينات الفطرية لعدم التعاطف مع أي محتل أي كان، فكيف إن كنت فلسطينيا؟

ومن قال إن الإعلام لا يؤثر في الناس فهو مخطئ، وعليه بالمقال الذي لم يتورع صاحبه عن ذكر "العنف الفلسطيني" في مواجهة "العنف الإسرائيلي" تصريحاً لا تلميحاً ثماني مرات، حتى يخال لك بأنك تقرأ مقالاً لشخص يجرب للمرة الأولى قلمه، أو هاوٍ أحب أن يختبر أفكاره فكان رقيقاً مع الورقة حد "الإتيكيت التحليلي".
 يقولون إن الكاتب المعتبر هو من يحترم القارئ، ومن جملة ما يجب أن يحترمه الكاتب معرفته المفاهيم التي يطرحها. فالغبرا ذكر "العنف" وفي مكان آخر سمّاها "مقاومة". ثم ذكر "العنف" مجددا، ووصفه في مكان ثان بأنه "هبة" أو "انتفاضة"، ولك كقارئ أن تختار ما يحلو لك وتترك ما لا يرق لك، فأنت أمام "مولد صاحبه غايب!".

وفي مستوى آخر من تحليل هيكلية الموضوع، لا الفكرة المطروحة فيه (على الغبرا أن يبحث عن الفرق بين الفكرة والموضوع)، تجد الكاتب يقول مثلا: "فهذا الشكل من المقاومة، بسبب سهولة الحصول على السلاح وتصنيعه وسبب طبيعة العولمة وانتقال طرق التعلم والمعرفة عبر الأثير يصبح خيارا ممكنا عندما يكون أبسط الناس في حالة اضطهاد وانتهاك من قبل احتلال يتميز بعنفه وغرور سياسته". والذي لا يعرفه الغبرا، أو يعرفه ولا يريد أن يدركه (ابحث عن الفرق بين المعرفة والإدراك يا غبرا)، هو أن السلاح في أيدي هؤلاء الشبان هو السكين، والذي لا يحتاج إلى تصنيع ومعرفة وتعلم و"عولمة" (والعولمة هنا تحديدا لا معنى لها من الإعراب. هل كانت الجزائر وغيرهم في انتظار العالم أن يتعولم كي يتحررون من الاحتلال؟). وهذا الشكل من الطرح المبني على النتيجة والسبب فيه من المغالطات المنطقية الكثير، التي ندعو الغبرا للبحث عن تفكيك مفاهيمها (النتيجة والسبب والمغالطات وأنواعها) قبل أن يفكر في الكتابة.

وأمام الجملة السابقة للكاتب وجدت نفسي وجها لوجه أمام مدرسي اللغة العربية في الابتدائية، حين كان يطلب منا كتابة موضوعات تعبير باللغة العربية، عن "موسم جني البرتقال" مثلا، ولا تزال ترن في أذني جملته الشهيرة: "اكتبوا يا أولاد عن الربيع في ما لا يقل عن صفحتن". فنسود له الصفحتين بكلام من قبيل ذلك الوارد في مقال الغبرا.

ويبدو أن الرجل مستمتع حد النشوة في "التحليل اللذيذ" للعمليات الفردية الفلسطينية الأخيرة، إذ يقول: "الناس العاديون الذين ينضمون لعمل مفاجئ من دون أن يكون لديهم سجل سياسي أو نضالي سابق بعيدون عن قدرة الأجهزة على رصدهم". بكل تأكيد، وإلا هل تريدهم أن يكونوا صيدا للإسرائيليين؟ ورغم أن هذه الجملة معلقة (ابحث عن معنى الجملة المعلقة يا غبرا)، فإنها تشي بالعقدة الأمنية المستحكمة بعقلية الكاتب وتعيقه عن الخروج من صندوق مفرداته الضيق إلى ما هو أرحب من مفردات تستوجبها بسهولة القضية التي يتناولها في المقال.

 يتحدث الغبرا عن "فراغ كبير في الوضع الفلسطيني وفي الصراع على الأرض وفي الصراع على أرض فلسطين"، ورغم أنه لا يوجد صراع على أرض فلسطين إذا إن هناك محتل فقط، فإن الكاتب نفسه لاحقاً يملأ هذا الفراغ بما يمليه عليه تحليله السياسي فيقول: "استمرار هذا الغليان سيؤدي مع الوقت إلى بروز قوى فلسطينية جديدة تحمل بعداً سياسياً.. ستملأ الفراغ تماماً".

كل ما يريد أن يقوله الغبرا في مقاله قاله في أول فقرة فيه، وهو أن المقاومة الفلسطينية تتجه من الجماعية إلى الفردية، وبقية المقال هي تكرار لهذين السطرين بكلمات ومفردات ومعان مختلفة. وعلى الغبرا أن يبحث عن المفهوم السياسي للكلمات والمفردات والمعاني.. وعليك بغوغل. هل سمعت عن غوغل؟).
 
إن أي طلقة أو ضربة توجه من أي كان للاحتلال، بغض النظر عن هذا الاحتلال، هي ضربة مقاوِمة، ولا يجب أن توصف بأنها "عنف". وهذا هو المفهوم المجرد لمقاومة الاحتلال. أما إن كانت الأرض المحتلة تعنيك، والمحتل ربما يقتلك كما يقتل غيرك في الجوار، ولا تعي خطورة ذلك وتكابر في إنكاره، فإنك إزاء منطق لا يملك أي عجوز فلسطيني أمامه إلا أن يقول ساخراً: الله الله الله!

 وما نريده في نقد هذا المقال يتجاوز وجهة النظر المطروحة فيه المحملة بكثير من الأخطاء في المضمون، والخطايا على صعيد التركيب، وكذلك المغالطات في ما يتعلق بالطرح، ليلامس ما وراء ذلك بكثير، وهو استعراض واحد من النماذج الكثيرة للمقالات التي تعج بها وسائل الصحافة العربية لأولئك الذين يبدأون أسماءهم بكلمة "الدكتور". (على الغبرا أن يقرا فصل حرف "الدال" في كتاب المفكر المصري جلال أمين "ماذا حدث للمصريين؟").

إن التحليل السياسي في عالمنا العربي اليوم بات مهمة لا تكاد تنوء بحمله أولي العقول الحميدة، في ظل تكالب أصحاب العقول الخبيثة من "أساتذة العلوم السياسية" على تحليل كل شيء وأي شيء، رغبة في تضخيم الثروة. يحدث ذلك في ظل غياب القارئ العادي -ليس القارئ الناقد بالتأكيد- عن مواجهة مثل هذه الهرطقات. ولولا أن الدنيا رمضان، لقلنا كلاماً "أجمل" من هذا، ولفسرنا جزءاً من قول الله تعالي: "كمثل الحمار يحمل أسفارا"، ولأسقطنا التفسير على الغبرا وأمثاله.

مقال الغبرا لمن يريد أن يكتشف مصائب لم نأتِ عليها.

Thursday, June 2, 2016

الطفح الصحفي


الطفح الصحفي

إن قال لك مسؤول "إعلامي"، أو خبير "تلفزيوني"، إننا بحاجة إلى قنوات فضائية جديدة في العالم العربي، وأنت تعلم أن عدد هذه القنوات قد تجاوز 1300 قناة؛ فاعلم أنه "كذاب إبن 60 كذاب". اقذف هذا الرقم في وجهه (1300 مضافاً إليه 60)، وابحث فوراً عن شبشب يحمل الرقم ذاته و"أديلو على صداغه".

إذ لم تعد شهية سوق الصحافة العربية، بما تحويه من تلفزيونات وإذاعات ومواقع إنترنت وصحف ومجلات وغيرها من وسائط، مفتوحة على استقبال أي وسيط أو وسيلة جديدة. فالفضاء العربي –والحمد لله- معبأ حد التخمة بالضجيج، وبتنا نعيش في ما يشبه "المكلمخانة". ولم يعد أحد يقرأ الصحف الورقية، وبالتالي تسمرت عيوننا بأجهزة هواتفنا بحثاً عن ما هو طريف، أو بشاشات تلفزيون تبث فيلم أكش أو مباراة لبرشلونة أو ريال مدريد.

وتتجلى مظاهر "الطفح الصحفي" على جلد المنطقة العربية، أو ما يسمى تأدباً في صفوف الأكاديميين بـ"الركود"، في أمور ثلاثة: اختفاء جاذبية الانخراط في العمل الصحفي، الشك في نجاح كل ما هو جديد رغم تقديمه محتوى بجودة عالية شكلا، وتدهور الممارسة على صعيد الإنتاج ورداءة المحتوى.

أولا، كان في السابق مثلا –قبل 10 سنوات تقريبا- إذا ما افتتح منفذ صحفي جديد، لا سيما إن كان تلفزيونياً، يتأهب الجمهور لرؤية نجوم منفذ قديم وهم يهاجرون للوسيط الجديد. وتسيل أحبار في كتابة أخبار من قبيل انتقال المذيع فلان إلى القناة الفلانية، وهجرة المحاور علان إلا المؤسسة العلانية. كانت مرحلة أشبه بفترات انتقالات لاعبي كرة القدم بين الأندية، لكنها ذَوَتْ.

وعلى ما يبدو فإن الرواتب لم تعد مغرية بما فيه الكفاية ليضحي مذيع نجم في مكانه الحالي من أجل الانتقال إلى قناة جديدة "غرة ووليدة". فضلا عن أن الاصطفاف السياسي الحاصل وما نجم عنه من اصطفاف صحفي مؤسسي، وقف عقبة في طريق نمو السوق. أضف إلى ذلك القيمة المضافة المفقودة وغير المضمونة في حال الانتقال من مكان إلى آخر، والذي أثقل بدوره تحرك الكثيرين وأبقاهم محافظين على ما يعتقدون أنه استقرارا.

ثانيا، باتت الخطوط التحريرية لوسائل الصحافة العربية أكثر وضوحاً، خصوصاً في السنوات الست الأخيرة التي شهدت ثورات في أكثر من بلد عربي، مما أعاد رسم الخريطة المؤسساتية الصحفية على صعيد دول المنطقة. يُفهم ذلك في ظل سياق تغير التحالفات في المنطقة والإقليم، وتبدل الاستراتيجيات والرؤى في ما يتعلق بقضاياهما الشائكة.

بمعنى آخر، أصبحت المؤسسات الصحفية مسيسة بشكل أكبر وأوضح من ذي قبل، وبات الفرز لا ينصب على المؤسسات فقط بل يطال الأشخاص العاملين فيها، وهو ما شكل بدوره تحدياً للصحفيين، وقلص مساحات التحرك والانتقال والعمل لدى كثيرين، خصوصاً لدى من يحملون مواقف سياسية بعينها قد تتفق أو تختلف مع المؤسسة.

ثالثا، لم تعد جودة المضامين الصحفية اليوم بتلك الجودة التي كانت عليها قبل اختراع النشر الإلكتروني. انتشار المواقع الإلكترونية، ومن ثم مواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت للكل الكتابة والتدوين والدردشة، غيّر مفهوم الصحافة لدى الداخلين الجدد إلى بلاطها، فتحولت الصحافة من مهنة إلى شهرة، ومن حرفة إلى برستيج. وإن كان هذا هو مستوى فهم القائمين الحاليين على الصحافة، فلا يُرجى منها مضامين قوية، وهكذا حلت الرداءة مكان الجودة.

خلاصة القول
نحن أمام سوق صحفية راكدة، أبرز مظاهرها عدم القدرة على تقديم جديد يغري العاملين للانخراط في بدائل ترفع من قدراتهم المهنية، أو يغري المتلقين على استهلاك منتج صحفي تفاعلي جديد يميز البعض عن ما هو موجود في السوق. وإلى أن نصل إلى انفراجة جديدة في هذا السوق، سيبقى على الأرجح يموج ما بين السيئ والأسوأ مع مرور الزمن، ما لم تحدث معجزة.