Monday, February 20, 2017

حزب التلفزيون

حزب التلفزيون

هذا أكبر حزب في العالم، أبرز أدواته السياسية تلفاز وعينان. لا يحمل هذا الحزب طابعا أيديولوجيا، ولا ينحاز لا إلى اقتصاد أو سياسة، فهو حزب محايد، حتى أنه لا عَلَم له، ولا يرفع شعارات من أي نوع.

يحلو لأعضاء الحزب أن يمارسوا نشاطاتهم اليومية وهم تحت تأثير النعاس، وفي أحسن الأحوال بعينين شبه مفتوحتين. ينسدح العضو أمام الشاشة بعد يوم عمل طويل وهو متعب خائر القوى، ويتكفل التلفاز بالإجهاز عليه.

حزب التلفزيون مسالم، يتعاطى منتسبوه الاحتجاج داخل المنازل. قد يكون ذلك بصوت مرتفع، أو بصمت داخلي، أو حتى في الخيال. يسمح الحزب لأعضائه بالاحتجاج بصور جماعية أو فردية. المهم ألا يخرج النقاش عما تتناوله الشاشة الآن.

هل لهذا الحزب تجمعات خارج البيوت؟ نعم، لكنها مقصورة فقط على حضور مباريات حاسمة، (كلاسيكو الدوري الإسباني مثلا)، إذ يتسمر الأعضاء حول الشاشات في الشوارع العامة وتكتظ المقاهي بالرواد.

ساعات عمل أعضاء الحزب على مدار ساعات اليوم، ليل نهار. فهو حزب في موجود على امتداد الكرة الأرضية. تبلغ ساعات نشاط الأعضاء ذروتها في أغلب الأحيان بحلول المساء، أي بعد النفرة من مكاتب الشغل، وتستمر حتى ساعات ما قبل النوم.

جسم هذا الحزب ثقيل، بالمعنى الفردي والجماعي. فبالمعنى الفردي يمكن الاستدلال على ثقله من حالة الكسل التي تنتاب العضو وهو متسمر أمام الشاشة، حتى أنه في كثير من الأحيان لا يقوى على القيام من أجل شربة ماء. كما أغلبية أعضائه من أصحاب الوزن الثقيل، فهم مترهلون ونادرا ما يمارسون الرياضة.

أما بالمعنى الجماعي فهو كتلة جسمانية هائلة، يتوزع أفرادها حول العالم. وهي كتلة لا يحظى بها ولا يضاهيها أي حزب آخر على ظهر البسيطة. إنه الحزب الذي له أفراد ومناصرون في كل بيت على الكرة الأرضية. تجدر الإشارة هنا إلى أنه لا يوجد للحزب مقرات رئيسية، طالما أنه يتمتع بإدارة لا مركزية.

لكن السؤال: من أين يستمد الحزب تمويله؟ من الثلاجة، نعم، كما أقول لك إنه يستمد تمويله من الثلاجة التي يزورها الأعضاء خطفاً في الفواصل الإعلانية، التي تظهر دون سابق إنذار على الشاشة. عذراً، هناك مصدر تمويل آخر للحزب يحفظ له البقاء. كل فرد فيه يمول نفسه بنفسه. كل عضو يحاسب عن مشاريبه، وهذا ما يجعله حزباً خالياً من الفساد المالي.

هناك عيب مهم واحد -على الأقل- في هذا الحزب، ألا وهو أن ولاء أعضائه مؤقت، وينتهي بانتهاء وقت إشباع الرغبة، أو توقف الإرسال. وهذا العيب يوازيه آخر يعتبره الأعضاء إيجابياً. إذ يسمح الحزب لمنتسبيه بالاستقالة منه بمجرد أن يمسك أحدهم الريموت كنترول ويضغط الزر الأحمر. لكنها على أي حال استقالة مؤقتة، وإن كانت يومية.

لا يسدد أعضاء الحزب أي اشتراكات، سواء كانت شهرية أو سنوية. ولا يشترط الحزب سناً معيناً للانضمام إليه، أو جنسية محددة، أو مكاناً جغرافياً بعينه. كما أن أعضاءه لا يتلقون بطاقات تدلل على انتمائهم له، ويكفي وجود التلفاز في صدر البيت دليلاً.

بقي أن نشير إلى أن أفراد الحزب كانوا قبل اختراع التلفزيون الملون -حتى أواخر ستينات القرن الماضي- منقسمين بين يمين أسود ويسار أبيض. ومع دخول التلفزيون الملون إلى حياتنا بات الحزب يضم طيفاً أوسع من الناس، يشبه إلى حد كبير قوس قزح، إن لم يكن أكثر.

Tuesday, January 31, 2017

لمن نكتب؟

لمن نكتب؟


يستعذب كثير من الكتاب العرب بين الفينة والأخرى طرح هذا السؤال: لماذا نكتب؟ ويهرق حبر كثير في الإجابات "الاستملاحية" الشاعرية عن هذا السؤال الذي تجاوزه قطار الزمن. لكن السؤال الذي لا بد أن يكون مطروحا اليوم عربيا في ظل "فيالق الحمقى" التي تغزو الإنترنت في وسائل "الغباء الكتابي" هو: لمن نكتب؟ بعد قليل سنكون أمام الحقيقة الصادمة.

لنُثَبِتَ بداية الأرقام (وهي بالمناسبة فوضوية لجهة عدم دقتها). يعيش في الدول العربية نحو 345 مليون نسمة بحسب بيانات للبنك الدولي في 2014. يوجد في الدول العربية 54 مليون شخص أمي، بحسب أحدث معلومات المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (ألكسو) في 8 يناير 2017، اليوم العربي "للاحتفال" بمحو الأمية. لكن تقديرات اليونسكو في 2014 أشارت إلى 98 مليون أمي بالدول العربية. وهذه الأرقام تخص -على ما يبدو- من تزيد أعمارهم عن 15 عاما، ويستثنى منها الأطفال أو من لم يقوَ بعد عودهم التعليمي. تم استثناء نسب الأمية مقارنة بعدد السكان، لأنها غير منطقية، ولا يعرف إن كانت تجمع "الخُدّج" أم تستثنيهم. (ألم أقل لك قبل قليل أن أرقامنا تعج بالفوضى؟ خلاصة أولى: نحن إذ أمام نحو 100 مليون أمي، في أقصى تقدير.

يقول تقرير لليونسكو صادر عام 2015، أن 15 مليون طفل تسربوا من التعليم في منطقة الشرق الأوسط. وأفاد تقرير الرصد العالمي للتعليم في 2011، أن عدد الأطفال غير الملتحقين بالتعليم بالبلاد العربية يزيد عن 6 ملايين طفل، وأن 7 إلى 20 بالمئة من الأطفال يهربون خلال المرحلة الدراسية الأولى. تبلغ النسبة في بعض الدول 30 بالمئة. يضاف إلى هؤلاء نحو 14 مليون طفل آخرين  حرمتهم الحروب والنزاعات المسلحة في المنطقة من التعليم النظامي، بحسب معلومات (ألكسو) مطلع هذا العام. خلاصة ثانية: نحن أمام 35 مليون طفل على الأقل بلا تعليم، سينضمون قريباً إلى صفوف 100 مليون أمي ليصبح العدد 135 مليوناً.

كانت هذه أرقام الأمية في معناها المجرد، أي عدم القدرة على الكتابة والقراءة، لمن لم يحالفهم الحظ بالتمدرس. وبالانتقال إلى الذين ينتهي مشوارهم التعليمي عند الثانوية العامة، فإن الأرقام للأسف تخوننا مرة أخرى، إذ إنها غير متوفرة للأسف. لكن تقديرنا أن هؤلاء يَعدون بالآلاف إن لم يكن بمئات الآلاف أو الملايين. تحدثنا عن ذلك أرقام الفقر الذي يرزح تحته الملايين. بحسب بيانات للبنك الدولي في 2014، فإن 11 مليون شخص في الدول العربية يعشون على أقل من دولار واحد في اليوم، ويصف البنك هذا الفقر بأنه "مدقع". السؤول: كيف لهؤلاء أن يتدبروا تكاليف المدارس أو رسوم الجامعات الباهظة؟ خلاصة ثالثة: بإضافة الأحد عشر مليونا إلى المائة وخمسة وثلاثين نكون أمام 146 مليون شخص، إما أميون أو ذوي تعليم يتعكز.

لكن ماذا عن "الأمية" في الجامعات العربية؟ نعم، أمية من يدخلون الجامعات، وسيتمكنون بعد 4 سنوات من "فك الخط"! (وين رايح: على الجامعة!. من وين جاي: من الجامعة!) خذ هذا الرقم. بلغ عدد خريجي الجامعات المصرية (الحكومية والخاصة) في 2010-2011 (343 ألف خريج) بحسب الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء. ترى كم واحدا منهم قرأ كتاباً بعد تخرجه؟ إليك رقماً ثانياً: خرجت الجامعات السعودية في 5 أعوام (1431-1435هـ)، (2010-2014) نصف مليون طالب وطالبة من مرحلة البكالوريوس. في السعودية الآن 300 ألف عاطل عن العمل من حملة البكالوريوس، بحسب وزارة العمل. ترى كيف لعاطل عن العمل أن يشتري كتباً وهو لم يجد بعد لقمة العيش؟ هذه فقط نماذج يمكن تعميمها لولا أننا نجد أنفسنا -مرة أخرى- أمام انعدام أرقام تخص قياس الجودة التعليمية وكفاءة العملية التربوية برمتها.

يضاف إلى هذه الأرقام، أولئك الذين يحصلون على شهادات بالتزوير أو الرشى أو الواسطة في طول الدول العربية وعرضها. وهناك من لا يفعلون هذه ولا تلك، وتكون أموالهم حاضرة لشراء "تلك الكرتونة" من روسيا أو قبرص أو اليونان. وفي ما يتعلق بالجودة، بعيداً عن غوغائية الأرقام، فقد فشل أكثر من نصف الجامعات الأردنية مؤخرا في امتحان الكفاءة الوطني الذي نظمته وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، وفق ما يقول خبير التعليم جميل سالمي في مقال منشور. خلاصة رابعة: على الأرجح أن عدد طلاب الجامعات في الدول العربية يعدون بالملايين. ولأن عددهم غير معروف بالضبط نكتفي بالقول إن عدد طلاب جامعة القاهرة في مختلف الكليات والمستويات يزيد عن 300 ألف طالب.

ما الذي نريد أن نقوله من عرض هذه الأرقام؟ ما نريد قوله أنه عندما نطرح 146 مليون أمي أو متسرب من التعليم، من 345 مليوناً، يتبقى 199 مليون شخص. ثم احذف من هؤلاء ملايين الأطفال دون السن التعليمي النظامي (لا يعرف عددهم بالتحديد في البلدان العربية لأن فوضى الأرقام لا تزال قائمة)، وكذلك أسقط ملايين الجامعيين الذين يحصلون على الشهادة كوسيلة للعمل -إن وجد- وليس رغبة في العلم. السؤال الآن: كم مليونا يا ترى يبقى ممن لديهم الاستعداد للقراءة واستهلاك المعرفة؟

ولأن الناس تكتب لمن يقرأ، فإن جدلية الكتابة والقراءة في الدول العربية، تضعنا على الدوام أمام فئتين عريضتين: أميون- لم يدخلوا المدارس أبداً، وجهلة- يحملون شهادات لكن لا رغبة لهم بالقراءة، إلا قليلا منهم. وفي أحسن الأحوال، إن استأنسنا بالأرقام الآنفة على علاتها، ستجد أن من يقرأون في الدول العربية لا تتجاوز أعدادهم بضعة آلاف. وما نقصده بالقراءة هنا، ذلك النمط الحياتي المخطط له، وليس السلوك الطارئ. القراءة من أجل تطوير الذات معرفياً ومهنياً وترقية المحيط تنموياً. القراءة عن قصد، وليس لمجرد الصدفة أو التسلية أو تمضية الوقت، أو ما يصفها البعض اعتباطا "الهواية".

وأمام منظومة تعليمة تعرج، وجامعات تخرج متعلمين مشوهين، كان من الطبيعي أن تُنتج المجتمعات العربية أجيالا لا تقرأ. عفوا، تقرأ، لكن ماذا تقرأ؟ إنها تقرأ ما يعيد إنتاجه "جيوش التافهين" في فيسبوك وتويتر من تراث جاهلي وإرث تاريخي عقيم. نعم، ها نحن نعيد إنتاج التخلف ذاته، لكن بأدوات عصرية. فما كان لمنظومة مجتمعية وتعليمية وتربوية على هذه الشاكلة، إلا أن يكون هذا هو منتوجها، الذي يعز أن نطلق عليه "ثقافي"، ولا نخجل أن نطلق على كل ما باتت تعج به المكتبات العربية هذه الأيام، لا سيما في السنوات العشر الأخيرة، من روايات وكتب، صفة "النفايات الورقية"، التي لا يمكن أن تأتي كلمة "ثقافة" في جملة مفيدة معها.

Wednesday, January 18, 2017

الموت في الأغنية العربية

الموت في الأغنية العربية

ما أن تقرأ العنوان، لا شك أن تفكيرك سينصرف إلى الموت المجرد، لكن معنى الحب في الثقافة العربية، وفي قلبها الأغنية، قد يأتي محمولا على إحدى منحوتات كلمة الموت أيضا، حين نعبر عن شغفنا بالأشياء بالقول "بحبك موت". فالحب موتاً والموت حباً كلاهما –على ما يبدو- سيان في رحاب عنف اللغة، التي يصح أن نضيف إليها أيضا ما قاله العرب قديماً "ومن الحب ما قتل". وهذا الحب، المرتبط بكلمات الموت، مُعبرٌ عنه في الأغنية العربية بمستويات عدة.

ففي قارئة الفنجان، التي كتبها نزار قباني، يُحدث المطرب المصري عبد الحليم حافظ عن موت من نوع "استشهادي"، إذ بَصّرت له البَصارة قائلة: "يا ولدي قد مات شهيداً، من مات فداءً للمحبوب". وهذا الموت يأخذ طابع التضحية المبررة. وهو موت مرتبط بالكرامات الدينية في الإسلام. ومن المعلوم أن له قبول اجتماعي مقارنة مع سواه. بل إنه يتحول في بعض المجتمعات –الفلسطيني نموذجا-  إلى أداة استشفائية تستخدم في إطار التهوين عن المفجوعين بالمصاب الجلل.

وإذ جزمنا أن عبد الحليم يتحدث عن موت المحبوب في حالته لا المحبوبة، فها هو المغني العراقي ماجد المهندس يريد أن يشفي غليله من محبوبته بقتلها تقبيلاً، -وهو قتل غريب- إذ يقول: "إذا أشوفك أموْتك بوس، وأكسر ضلوعك بحضني، أجرحك بالغزل، وأشفي غليلي بيك، حتى تتوب وما تفارقني.. حبيبي". وهذه كلمات فيها من القوة ما يكفي إذا ما وضعت على جبل ربما يتشقق، فكيف إذا قيلت لفتاة رقيقة، أو حتى تُرجمت فعلياً؟ وهذا نوع آخر من الحب المفضي بأقصى درجاته إلى الهيام، الذي إذا ما بلغ منتهاه تحول إلى "حب عنيف".

أما عند المغني الإماراتي حسين الجسمي، فهناك نوع ثالث من الحب المحمول على الموت، يصح أن نطلق عليه "الحب النّدِي". ففي إحدى أغنياته يقول: "بحبك وحشتي.. بحبك وإنتي نور عيني.. دا وإنتي مطلعه عيني.. بحبك موت". ومع هذا النوع من الحب، ليس للمحبوب إلا أن يتعايش مع محبوبته رغم المناكفات اليومية. وهو حب محمول على أجنحة التسامح في نهاية المطاف مهما بلغ الخلاف بين الطرفين مداه.

ويتجلى القتل بـ"الحب الرحيم" -وإن شئت الحب بـ"القتل الرحيم" طالما أن استبدال الموت بالحب والحب بالموت وارد هنا كما ذكرنا آنفا- في مقطع من أغنية "هيدا حكي" للمغنية اللبنانية نجوى كرم: "بلا حكي رمشك قاتل.. كيف لما بتحكي وتغازل ..عم تقتلني وتغازلني.. وبتسألني شو عامل". نحن إذن أمام قتل أداته الغزل. وقد جرح المطرب المصري محرم فؤاد نفسه من ذي قبل بأداة أخرى، هي رمش عين محبوبته، حين قال: "رمش عينه اللي جارحني رمش عينه.. رمش عينه اللي دابحني رمش عينه".

نكتفي بهذه النماذج الأربعة التي تجسد أنواعاً مختلفة من "الحب القاتل" أو "القتل حبا"، فنحن لسنا بصدد تحليل مضامين الأغاني، بقدر ما أردنا الوقوف على ظاهرة لغوية فريدة، تكون معها الكلمات في كثير من الأحيان غير كافية لنقل مشاعر الحب. عندئذ يتم استبدالها بأخرى نقيضة تماماً تعبر عن قيمة هذا الشيء، وهو الحب، في حالة الفقد. وحالة الفقد التام هذه لا يمكن أن تتجسد إلا في الموت أو القتل أو الجرح المفضي إلى الفناء.

وهذا الفعل اللغوي ينقلنا إلى مستوى ثان من النقاش يتعلق بكيفية تشكل المفاهيم والحقائق في العقل العربي، ومن بينهما مفهوم الحب وحقيقة الموت، متجاوزا حدود التعبير اللفظي عنها. فما هو ظاهر من اللغة، ترفعه بلا شك أساسات طمرتها طبقات من التراكمات الاجتماعية وتدافع الأجيال، إلى أن وصل إلينا هذا الإرث مصقولا ومشذبا على نحو يليق بالعصر الحديث، ومُعبرا عنه بصور عدة، واحدة منها مُتضمنا في الأغنية العربية.

إذن، قد لا نذهب بعيداً إن قلنا إن ما وصلنا من هذا الإرث –وإن كان في حقيقته مجازا سيصبح مع الزمن مبالغا فيه- قد أخذ الكثير من مفردات الواقع العربي المعاصر، وتأثر به وتشرب العديد من كلماته الحداثية. فالموت المحمول على مدافع الحروب التي شهدتها المنطقة على مدار العقود الستة المنصرمة (منذ نكبة فلسطين عام 1948)، والذي تكثف مع دخول الألفية الثالثة بدءا من الحرب الأميركية على العراق عام 2003، لا بد أنه قد ترك بصمته في النفسية العربية، ووجد في الأغنية مكانا ليحط الرحال.

وهكذا يبدو الحب المتضمِن للموت، أو الموت المتضمِن للحب، في الأغنية العربية، ردة فعل لكل منهما تجاه الآخر، بل ردة فعل مبالغ فيها، لا سيما حين يردان متلازمين على الدوام، ومترادفين في كثير من الأحيان، بل ومكثفين بصورة غير معقولة على شاشة تلفاز واحدة. فالشاشة ذاتها التي تنقل لك الموت في سوريا في موجز للأنباء، ستبث على الأرجح ما أن ينتهي الموجز فيديو كليب عن المرادف، وهو الحب. هكذا هي القنوات الفضائية، تنقل لك القتل متبوعا بالحب، أو الحب متبوعا بالقتل.

إن الفلسفة، على تعقيداتها، قد تبدو بسيطة حين تصوغها أغنية شعبية تقرن الموت بالحب تارة، والحب بالموت تارة أخرى. ففي هذه الحالة لا ينتبه كثيرون إلى ما يختزنه هذا الاقتران من واقع معاش. يبقى الفارق في ما هو متاح للفيلسوف من تكبير المشهد تحت مجهره إلى أقصى ما يستطيع والغوص في تفاصيله، أو اختزاله في أغنية ذات كلمات قد تبدو لنا عادية، إن لم تكن مبتذلة، حتى وإن غناها شعبان عبد الرحيم (شعبلو).

Friday, January 13, 2017

الفوضى التي بداخلنا

الفوضى التي بداخلنا

حدثني أحدهم ذات مرة في ما يرى النائم، أن شخصاً لم يجد مكاناً في الشارع لصف السيارة، فاقترح عليه آخر أن يضعها فوق الرصيف. نعم فوق الرصيف. قال له الأول إن هذا ليس سلوكاً سوياً، فرد الثاني قائلاً: صف على الرصيف يا زلمة، كل الناس صافة غلط! وهذا المشهد وثيق الصلة بآخر. فقد يحدث أن يدرس أحدهم في إحدى الجامعات الأوروبية أو الأميركية، ولا يجرؤ خلال هذه السنوات أن يرمي ورقة في الشارع، لكن ما أن يعود للوطن ترى كم أن التعليم الجامعي والتعلم الاجتماعي، لم يؤدباه بما فيه الكفاية للاستمرار في السلوك ذاته، فها هو يرمي عقب السيارة من نافذة السيارة، وهو يردد: "بلد زبالة"!

وهذان المشهدان لهما جذور من الفوضى ضاربة في أعماق المحيط الأسري الذي ترعرع في أحضانه أمثال هؤلاء، والوسط التربوي الذي شكل ثقافتهما وصقلها على هذا النحو الفوضوي الذي بات متأصلا ولا يمكن الانعتاق منه. وإلا، لِمَ سرعان ما يطفو إلى السطح كل هذا سلوكاً همجياً إذ ما انعدمت الرقابة الذاتية أو حتى المراقبة القانونية، فيما يشبه الاشتياق للعودة إلى أيام الطفولة والحنين إلى أيام المراهقة المنفلتة من عقال الحكمة؟ وهذا ما يفسر كيف تبدأ الفوضى أولا فردية، ثم تحظى برعاية أوسع في مجتمع يستبطن ثقافة تربوية معلولة ثانياً، إلى أن تصبح ظاهرة تستدعي تقنينها من أهل الحل والعقد أو استخدامها من الحكومات ثالثاً.

وبين الفوضى التي تتخلق فردياً قبل أن تتنقل للفضاء العام في صور قد تبدو منظمة وبرّاقة، تنساب مواقف -لم تعد لمن يقومون بها أو مستقبليها غريبة- من قبيل أن  يضرب أحدهم معك موعدا "بعد الظهر". وبين الظهر والعصر قرابة أربع ساعات، هي في عمر الوسط التربوي والتعليمي الذي عاش فيه قد تعادل أربع سنوات يكون قضاها على الأرجح في الفوضى وأفضت إلى أخذ المواعيد بهذا الطريقة. وفي إطار الفوضى الفردية أيضا -والتي ترعاها مطاعم يعجبنا أنها "عابرة للقارات"- بتنا نأكل ما لا يُهضم فظهرت أمراض لم يكن يعرفها آباؤنا ولا أجدادنا. تغرينا العروض التجارية، وطرق عرض البضائع على رفوف المتاجر فنشتري ونشتري ونشتري (نشتري بالتلاتة) ثم نلقي معظم هذا أو كله في الزبالة بعد أيام. نشتري بيوتا على ورق، بالتقسيط المميت، على أمل البحث عن سعادة ما أن نصلها نكون قد بلغنا من العمر عتيا. بتنا لا نقيم حرمة للأعياد الدينية أو المناسبات الوطنية، فلا يثير استغرابنا مثلا إن نظرنا في الساعة فوجدناها الثالثة فجر ونحن ما زلنا في مكاتبنا نعمل وكأنها الثالثة عصرا.

ولتغطية تكاليف كل هذا، كان من الطبيعي أن يتعاظم إنفاقنا الفردي، الذي نتشابه فيه كلنا تقريبا، فنفلس في الثلث الأول من كل شهر. وأمام انهيار منظومة إدارة ذواتنا فرديا، والتي أصبحت لاحقا ظاهرة انهيار جماعية، حفرت الحكومات منفذا لها يؤدي إلى جيوبنا حين وجدت نفسها بادئ ذي بدء وبشكل فجائي في مركز هذا الخضم الفوضوي. ومع مرور الوقت فطنت إلى موقعها المحوري في المركز الذي سيجذب إليه بدءاً من الآن كل الأطراف الدائرة في فلكه، أي نحن، وبالأحرى جيوبنا. لاحقا، تستهوي الحكومات هذه اللعبة القائمة على شد الناس إليها وتشبثهم بها، فتعمد عن قصد إلى خلق خيوط جديدة ترمي بها في بحر الفوضى -الذي تطلق عليه السوق- ليعلق -وإن شئت ليغرق- بها كل من لمسته أو لمسها. من جديد، أمَا وأن الفوضى قد ضاقت بها دواخلنا، وطفحت فتلقفتها الحكومات تحت ضغط الطلب الفردي الذي تحول إلى جماعي على الأشياء، كان لا بد من وضع منظومة مقننة تحكمها.

إذن، وأمام كل هذه المنافذ الجديدة للهدر، و"متعة التسوق" أو "التسوق من أجل المتعة"، كان لا بد أن تُنشئ الحكومات بنوكا دائنة، ودورا للتمويل (الربوي والإسلامي والمختلط، أي كان المسمى، المهم أن تصل إلى جيبك) باعتبارها منظومات "أكثر فاعلية" -من وجهة نظرها- للإقراض البنكي، والبيع على الورق بضمان الراتب، لتُغرق الناس في الفوضى أكثر فأكثر، لتضمن بذلك انجذابهم على الدوام للمركز الذي تحكم قبضتها عليه. يرى  الأفراد بطبيعة الحال في ذلك خلاصاً من مشكلاتهم وتدبيراً مبتكراً للنفقات. وإن كان هذا أمراً غريباً، أو تحليلاً غير مألوف، فإن الأغرب تواطؤنا مع هذه المنظومات الاستهلاكية الجديدة التي دخل استخدامنا لها مع الوقت مرحلة إدمان، يتطلب التخلص منها قضاء بقية سنوات عمرنا في "أسواق استشفائية" تتيح لنا مساحة أكبر للتفكير في طرق استهلاك رشيدة، وتقلص مساحة التفكير الاستهلاكي، الذي لا شك أنه مرهق جداً للجيوب والنفسيات والصحة.

في ظل هذا كله، كان من الصعب على منظومات القيم والأخلاق والمبادئ التي بنتها المجتمعات على مدار قرون، أن تصمد أمام الموجات المتلاحقة لمثل هذه الفوضى، فتصدعت أمام أعيننا وانهارت تماما كبيت من ورق في سبيل الاحتكام إلى منظومات الفوضى التي قننتها الحكومات، وشرعتها الدول، ووضعت قواعدها الشركات العابرة للقارات. وما أخرس ألسنتنا، وأقعدنا عن التحرك بوجه هذه الفوضى، أنها جاءت محمولة على ضخ تنظيري مكثف لمفاهيم مدغدغة للمشاعر ومحصنة ضد أي اعتراض فردي أو حتى جماعي، مثل الانفتاح وحرية السوق والعولمة، لنكتشف لاحقا كم أنها كانت حرية منفلتة من عقال قيمها وأخلاقها ومبادئها، فداست على أجسادنا كما يدوس أحدنا بحذائه على الصرصار في مطبخ بيته.

قد يرى بعض القراء في ذلك النقد جلدا مبالغا فيه للذات، وقد يتساءل آخرون: لِمَ تسمي هذا كله فوضى؟ ألا ترى فيه تغيرات ضرورية فرضتها حركة التنامي المتسارع للمجتمعات؟ هذا اعتراض منطقي، لكنه ليس دائماً صحيحاً. فالمنطق يقول أنه علينا أن نُكيّف المتغيرات لمصلحتنا، لا أن تُكيّفنا المتغيرات على هواها. نعترف هنا أنه ليس بالإمكان تكييف كل المتغيرات وفق ما نريد، لكن بمقدار ما ترجح كفة تكييفك للمتغيرات لتعمل لمصلحتك، على تكييفها هي لك لتعمل لصالحها تكون فرص الهدر لديك أقل، في الوقت والمال والجهد، وحينها سترى كم أنك منحت حياتك معنى جديداً يقدر قيمة الأشياء ويثمنها كثيراً مهما كانت ضئيلة. ألم يقل العرب قديما "على قد لحافك مد رجليك"؟

خلاصة القول، فكما أن الفوضى تبدأ فردية قبل أن تخرج إلى المجتمع، فإن التغيير أيضا قرار شخصي بالدرجة الأولى، حاله في ذلك حال كل الأشياء التي تبدأ فردية إلى أن تتشكل بقوة التدافع المجتمعي حالة أو ظاهرة، إذا ما تكثفت في مجتمع وتواضع الناس عليها في عقد اجتماعي واضح مع أهل الحل والعقد. نسأل الآن من ألقى عقب السيارة من النافذة: هل عرفت لماذا تلفظت "لا إراديا" بكلمتي "بلد زبالة"؟

Sunday, December 25, 2016

عامان من الرحيل

عامان من الرحيل

رحل يوم ميلاد المسيح عيسى عليه السلام، ولا أعرف إن كان لهذا دلالة. لكن ما أعرفه أنه كان قد استأذننا للمغادرة أكثر من مرة بنداءات صوته الخافت، إلى أن تحيّن الخامس والعشرين من ديسمبر أو هو قد تحيّنه، وتدخل القدر في التنفيذ. قال إنه ولد في العام 1923 في بلدة يبنا، وإن كانت بطاقة هويته التي منحه إياها الاحتلال الإسرائيلي عقب نكبة 48 تشير إلى الأول من يناير 1926. كان دائما يقول وبإصرار: "لقد زور اليهود الصهاينة حتى تاريخ ميلادي".

من العام 1923 حيث تفتحت عيناه على الدنيا، إلى العام 2014 حيث أُطفأتا، قطع الختيار شوطاً مدته 91 عاما، كان شاهدا خلاله على زرع بنين وحفدة في 10 دول في العالم (فلسطين، ألمانيا، كندا، أميركا، بولندا، هنغاريا، بريطانيا، قطر، الكويت، الإمارات). بذرنا في كل مكان وبقي يحرس الجرن، فلم يبرح فلسطين إلا للحج، كما لم يكن له جواز سفر، وهذا دأب المحاربين القدامى.

كان له في الناس رأي خاص. فقد قال ذات مرة: إن الناس كالحجارة في مصنع الطوب. إذا ما أراد أحدهم بناء مسجد يكون نصيب حجر ما المحراب، بينما يثبت آخر في المرحاض. وقد كانت شيخوخته تند عن حكمة نادرة كلما تقدم به العمر. وها هو صوته يرن في أذني حتى اللحظة حين حكى هذه القصة. فقد دأب تاجر حمير على ابتياع أرخصها. فمرة يأتي إلى حظيرة البيت بحمار مجروح، وثانية بحمار أعرج، وثالثة بحمار هزيل. ولما استنكر عليه ابنه الغُر ذات مرة هذا الفعل قائلاً: يا أبتي لِمَ لا تأتي لنا بحمار زي الناس. فرد التاجر على ابنه: ما في حمار زي الناس، في ناس كثير زي الحمير!

كان رجلاً ذو نكتة، وكان يجترح نكاته من الحياة بمهارة قلّ نظيرها. يوقفه أحدهم قائلاً: هاتلك واحدة من الدرج؟ يفهم المراد، ثم يبتسم بينما يميل إلى أذن محدثه قائلا: اعتلى الإمام المنبر، وما أن أخذ يخطب حتى بدأ شخص من وسط المصلين يشيح بأصبعه الأوسط للإمام (يبعبص). استمر الخطيب في كلامه، لكنه كلما التفت للرجل وجده على حاله يرفع له أصبعه الأوسط. استمر الرجل على ذلك إلى أن نزل الخطيب عن المنبر. في الجمعة التالية، كرر الرجل فعلته في وجه الخطيب. وعلى مدار 30 دقيقة من زمن الخطبة لم يتوقف الرجل عن الإشاحة "ببعبوصه" في وجه الخطيب. كظم الخطيب غضبه ودعا للرجل بالهداية. في الجمعة الثالثة صعد الخطيب درجات المنبر وهو يتمتم داعياً بألا يصادف ذاك الرجل بين المصلين. لكنه ما أن بدأ بالخطبة، حتى شن الرجل هجومه الذي دأب عليه، لكن هذه المرة بيديه الاثنتين. كان الخطيب قد وصل إلى دعاء الختام في الخطبة الثانية، وقد غلا الدم في عروقه، فانتفخت أوداجه واحمر وجه وهو يتميز من الغيظ، ثم وجه كلامه للرجل بحديث نبوي "ثلاثة لا يدخلون الجنة: الديوث (الذي لا يغار على عرضه)، الرَّجُلة (المرأة المسترجلة)، ومدمن الخمر". ثم واصل: وأضيف رابعاً، هذا الرجل ابن.... الذي لم يتوقف عن البعبصة في جهي على مدار جُمع ثلاث!

كان رشيقاً نحيفاً، ذو عظم رقيق دقيق. لم يكن جسمه مترهلاً بالدهون. لم أرَ له كرشا قط. كان هذا نتاج نظام غذائي فريد لم يصفه له أي أخصائي تغذية، بل هو من وضع قائمته. كان لا يرى إلا في أكل البيت طعاماً، والفاكهة الطازجة المنتقاة بعناية لذته. كان يعشق ثمرة الصبر، ويغذي منها صبره. تحت شجرة العنب الوارفة التي تظلل ساحة البيت، وفي الزاوية المقابلة تحديداً للساحة الخارجية للمنزل حيث شجرة الزيتون، كان يقضي وقت القيلولة إما نائماً أو مستلقياً يتفحص حبات العنب الأسود الداكنة المتدلية من العناقيد التي تكسو سماء البيت. لم يأكل يوماً البيتزا أو الكنتاكي، كما يفعل الأبناء والأحفاد اليوم. ولم تعرف معدته المياه المفلترة. وهو الذي كان دائماً يستهجن كيف نشتري الماء وبيوتنا ملأى بالصنابير! لم يكن مدخناً. كان إدمانه الوحيد الشاي إما بالنعنع أو المرمرية.

حدثني كثيراً عن مسقط رأسه، يبنا (قضاء الرملة) التي كانت عامرة قبل أن تدمرها العصابات الصهيونية عام 1948. وفي هذا العام تحديدا كان شاباً يافعاً يبلغ من العمر 25 عاماً. وقد تزوج وهو في الثامنة عشرة، وأنجب أول أبنائه على أرضها. في عام 1978 عاد إلى يبنا مجدداً يتفقدها فوجدها مهجورة، لا دبيب للناس فيها، لكن كل شيء هناك كان على حاله، اللهم من بعض غبار قد اعتلى الأشياء. صومعة القمح، البَدْ (معصرة الزيت قديماً)، مقام أبو هريرة، بئر باتت معطلة، وها هي مئذنة المسجد لا تزال منتصبة، ومدرسة القرية التي تخرج في صفها السادس الابتدائي صامدة أمام التاريخ.

تمر هذه الذكريات وغيرها أما عيناي اليوم، وكل يوم، وقد تضخمت وأصبحت أدق وأكثر وضوحاً. ألمح روحه تسري في التفاصيل، النكات، المواقف، الضحكات، الآهات، الالتفاتات. تمر الذكرى تلو الأخرى من بين أهداب العينين مع كل طرفة، بسرعة. فأغلق عليها الجفنين طويلاً، ثم أدقق في معالمها، فأراها مكبرة، غزيرة بالتفاصيل، ثقيلة بالمعاني، مليئة بالحكمة. لا أحرر الذكرى إلا بعد أن أُشبع منها دواخلي حتى أنتشي. وها أنا ذا أغمض جفناي على ذكرى رحيلك الثانية. وإلى أن تحين الذكرى الثالثة، ماذا عساي يا أبتي أن أرى فيك من تفاصيل في المسافة الفاصلة بين ذكريين؟

Tuesday, December 20, 2016

في تأليف أول كتاب

في تأليف أول كتاب

حين تألف كتابا فأنت تألف كتبا عدة بدون أن تدري. هذه حقيقة أولية. وحين تبلغ منتصف الطريق بالتحديد، ستعرف كم أن العودة قد أصبحت مستحيلة. هذه حقيقة ثانية. وحين تقترب من الإنجاز ستدرك كم أن التجربة كانت مضنية ومرهقة لك ولمن حولك. هذه حقيقة ثالثة. وحين يكتمل العمل في نسخته الأولية ستشعر كم أن الانعتاق من قبضة الأفكار في ذهنك بعد أن صببتها على الورق قد حرر جانبا كبيرا من روحك التي كانت حبيسة الكلمة. هذه ليست الحقيقة الرابعة، بل الحقيقة كلها.

ولأني لا أَمَلُ الحديث عن مهنتي، وأرى في عيون الناس شغف كبير لمعرفة خباياها، فقد كانت البداية بمجرد اقتراح طرحه أصدقاء أعجبهم على مدار سنوات ما أحدثهم به عن عالم الصحافة، وتحديدا مصائب الكتابة والكُتاب، ومزالق التحرير والصحفيين في صياغة النصوص الإخبارية. كنت أتحدث في بادئ الأمر للأصدقاء عن أخطاء تحريرية يومية تقع فيها أغلبية وسائل الصحافة. وقد قادني تكرارها إلى تجميعها على مدار سنوات عدة قضيتها في غرف أخبار مؤسسات صحفية متنوعة، لتكون نماذج أزعم أنها تصلح للتدريب والتدريس في مجال صناعة الأخبار في العالم العربي.

وما أن انتهيت من النسخة الأولية يملؤني الفرح -أخيرا أصبحت "مؤلفا"- وضعتها بين يدي مرشدي في هذه الدنيا المربي سعود الحركان، وهو واحد ممن شجعوني بقوة على إعداد الكتاب. وكم كانت صدمتي كبيرة حين قال لي بعد أيام من انتظار تعقيبه: هذا كتاب لا يصلح للنشر! أجبته بتسرع وفي بالي معاناة أشهر من العمل فيه: لكن هذا نسف للمشروع بأكمله. لقد استنفدت كل ما لدي من كلام وأفكار، وما من جديد يمكن أن أضيفه للقارئ. فقال: لقد قلتها، القارئ. إن أي قارئ لن يستطيع قراءة شيء كتبه المؤلف لنفسه، وليس لغيره. قلت: ماذا تقصد؟ قال: أنت بحاجة إلى إعادة تقسيم الكتاب بطريقة تسهل عليّ كقارئ غير مختص بالصحافة أن أفهمه بدون طرح أي تساؤل.

استنفد مني هذا التعقيب القصير، ثلاثة أشهر أخرى، قضيتها في تقسيم الكتاب إلى أبواب، والأبواب إلى فصول، مع كل ما صاحب ذلك من إعادة صياغة أجزاء كبيرة منه، وتقديم وتأخير في المادة المكتوبة، وإعادة تصنيف، وحذف وتبديل، وكتابة مقدمات جديدة، واستحداث خلاصات لكل باب وكل فصل على حدة، وكتابة إحالات تمهيدية بين الفصول من جانب، والأبواب من جانب آخر. وحين انتهيت، شعرت بالفعل بتحسن كبير في طريقة عرض المادة المكتوبة، مما أدخل السرور إلى قلبي. وهكذا بددت هذه الفرحة التعب.

لكن الرحلة لم تنته بعد. إذ أوعز إليّ أكثر من صديق اطلعوا على المادة الأولية للكتاب أن اللغة المستخدمة فيه لا تصلح لكتاب هو في الأساس تدريبي. وحين راجعت المادة فطنت بالفعل إلى أن اللغة كانت "أبوية" -أب ينصح ابنه المراهق- كما لاحظت أيضا أن المادة مطعمة "عمدا" بكثير من المفردات الدافعة للتندر، التي كنت أحسب أنها مهمة في جعل المادة خفيفة الظل على القراء. وقد كان تعديل مسار لغة الكتاب أصعب من المرحلة التي سبقته في التبويب والتقسيم والتصنيف.

فقد قضيت العشرات من الساعات في إعادة صياغة نص الكتاب وتهذيب لغته وتشذيب جُمله، فحذفت كل المفردات التي قد تستفز أحدا بدون قصد، وشطبت جملا وأعدت صياغة أخرى، واستبعدت صفحات واختصرت أخرى في كلمات معدودة. وقد أتاحت لي هذه المرحلة فرصة استحداث فصول جديدة، وهي فصول مهمة لم تكن لترى النور لولا هذه المراجعة. كما أن بعضها جاء محمولا على نصيحة من بعض الأصدقاء. وكم كانت سعادتي غامرة حين انتهيت أخيرا من "ضبط" الكتاب في نسخته النهائية، متضمنا ستة أبواب تحوي بدورها عددا من الفصول.

وعلى مدار هذه الأبواب والفصول تم استحداث مفاهيم تحريرية جديدة، نذكر من بينها الإتيكيت التحريري، والذائقة التحريرية، التفقير كأساس للتحرير، واستراتيجيات التحرير، ومستويات التحرير وتقنياته، والكتابة للحواس، والصحيح المعلول، وبناء أجزاء الخبر وتطويرها، والتلوين التحريري، والكنكنة واستخداماتها، والتطويل المحمود، وتجبير المكسور، والبرمجة التحريرية، والإعراب التحريري، والمنطق التحريري، والجودة التحريرية. وفي الباب الأخير، الذي حمل عنوان "من الكلمة إلى الحرف" يستعرض الكتاب مفاهيم عصرية في التحرير الصحفي، من بينها الجمهور الوسيط، القارئ المحرر، ومستقبل شكل ومضامين الأخبار. عندها ينتهي الكتاب ليعود في آخر صفحة فيه بعنوان ليس ختاميا هو "بداية القصة".

مستقبل تحرير الأخبار

مستقبل تحرير الأخبار

لم يكن عدد كلمات الخبر قديما مثل قرينه اليوم. كان الخبر قديما يتجاوز الألف كلمة في المتوسط، والآن لا يتجاوز في أكثر حالاته 500 كلمة. ولم يكن شكل الخبر قديما مثله نظيره اليوم. كان الخبر قديما يحمل أنواعا عدة من العناوين موزعة على أكثر من سطر، فضلا عن مقدمات رطينة مختلفة. وكانت هذه العناوين وتلك المقدمات لا تحفل كثيرا بالاختصار. فضلا عن أن جسم الخبر قديما كان مترهلا بالتفاصيل. والآن تميل الأخبار إلى الاختصار في كل شيء: عنوان من سطر واحد لا تتجاوز كلماته الستة، ومقدمة مباشرة تغنيك حتى عن قراءة بقية التفاصيل، وجسم مكثف في 150 كلمة أو ضعفها.

ما نبشر به من الآن، أن ما هو عليه الخبر هذه الأيام من مضمون وشكل (عنوان واحد ومقدمة مباشرة وجسم مختصر جدا) لن يكون موجودا في المستقبل. وهذا المستقبل ليس بعيدا. فنحن نتحدث عن السنوات العشر المقبلة على أبعد تقدير، إذ سيصبح الخبر في أطول حالاته عنوان ومقدمة، وفي أقصرها عنوان فقط من 7 كلمات في المتوسط. وقد بدأت بوادر هذا التغير تظهر بالفعل في الآونة الأخيرة. وأبرز صوره ما دأبت عليه مواقع إلكترونية إخبارية عدة، من إنشاء صفحات للنقل المباشر للأخبار الضخمة ذات التداعيات التي تستمر أياماً، مثل التفجيرات التي وقعت في العاصمة الفرنسية باريس في نوفمبر 2015. (موقع فرنسا 24 مثالا).

وقد خصصت صحف إلكترونية عدة صفحة مستقلة لتغطية هذا الحدث وغيره، وذلك عبر تدوينات قصيرة بحدود 10 كلمات أو 13 كلمة للواحدة تبثها مستقلة بين اللحظة والأخرى. وبهذا الطريقة تتوالى التدوينات فوق بعضها البعض، من الأحدث في الأعلى إلى الأقدم أسفل منها مباشرة. وبذلك، ويصبح بمقدور المتلقي إذا ما دخل الصفحة أن يعرف أحدث تفاصيل القصة، ويتعرف كذلك على ردود الفعل المتعلقة بها وتفاصيلها كاملة. لكن ليس في خبر واحد، بل بطريقة "الحقن المعلوماتي". إذ يشكل كل سطر كوداً معلوماتياً مستقلاً بذاته، يقدم معلومة مجردة بدون كلمات ربط أو عبارات نقل، كما هو الحال في النص الإخباري التقليدي. وفي ذلك محاكاة لما عليه سرد المعلومات في تويتر في تدوينات متتابعة ومستقلة كل واحدة منها تحوي 140 حرفاً فقط. وبات تجميع الخبر مهمة المتلقي لا المحرر، إذ على القارئ أن يقرأ ويركب مربعات الخبر، الواحد جنب الآخر، كي يرى الصورة كاملة.

والحال كذلك، فإننا نرى أن المستقبل سيكون واعداً للمواقع الإخبارية الإلكترونية أو تطبيقات الهواتف الذكية التي تعتمد على خبر لا يزيد عن 50 كلمة (العنوان والمقدمة). وسيختلف شكل العنوان ومضمونه. فمن ناحية الشكل لن تزيد عدد كلماته عن كلمتين أو ثلاثة، وإن كانت كلمة واحدة يكون ذلك أفضل. أما من ناحية المضمون فسيكون العنوان بمثابة "براند" للقصة التي نكتب عنها، ويحمل فقط وصفاً بسيطاً لها بدون تفاصيل كثيرة. كأن نقول مثلاً: الحرب في سوريا، أو الأزمة اليمنية، أو الصراع في ليبيا. ومن الممكن الاستعاضة عن هذه العناوين الثلاثة بكلمة واحدة لكل منها يشير إلى مكان القصة، كأن نقول مثلاً، سوريا أو اليمن أو ليبيا.

وقبل أن يصبح ذلك واقعاً مفروضاً وظاهرة إخبارية في السنوات القليلة المقبلة، نحتاج إلى وقت وجيز لتقبل مواقع إلكترونية وتطبيقات يمكنك تصفح أغلبية أخبارها بينما تقف بسيارتك في الشارع أمام إشارة المرور الحمراء. ففي 90 ثانية، وبينما أنت بانتظار أن تصبح الإشارة خضراء، سيكون بمقدورك قراءة 10 أخبار على الأقل من حول العالم، من هاتفك الذكي، على اعتبار أن الخبر الواحد سيكون بحدود 40 أو 50 كلمة. وهذا العدد من الكلمات يمكن قراءته في وقت زمني متوسطه 10 ثوان.

قد يظن البعض أن هذا سيكون مقبولا في الأخبار الخفيفة والمسلية، لا سيما الرياضية منها، إلا أننا نتوقع أن ينسحب على الأخبار الجدية السياسية والاقتصادية في زمن السرعة التي هي رديف الاختصار والاختزال. كما قد يتباد إلى ذهن كثيرين أن هذا النوع من الأخبار (عنوان ذو كلمة ومقدمة من 40 كلمة)، يليق بتطبيقات الهواتف الذكية، لكن التجربة تقول أن المنافذ الإخبارية التفصيلية (الصحف والمواقع الإلكترونية) هي من تخضع في نهاية المطاف للمنافذ الإخبارية المختصرة (التطبيقات والنسخ الخفيفة للمواقع).

ختاما، صحيح أنه إلى الآن لم تظهر تطبيقات إخبارية للهواتف الذكية تستند في أخبارها إلى عنوان من كلمة ومقدمة لا تزيد عن 50 كلمة، لكن التجربة تقول أنه مع تقلص النص الإخباري، ورغبة الناس في البحث عن كل ما هو مختصر، فإن الوسيط الناقل للخبر سيتقلص أيضا، إذ ستبدو المواقع الإلكترونية فضفاضة على خبر لا تتجاوز سطوره الأسطر الخمسة.