Monday, July 25, 2016

العرب وإعادة إنتاج التخلف


العرب وإعادة إنتاج التخلف

نبدأ من حيث انتهى الآخرون. وقد انتهى الآخرون عند اختراع العجلة، ومَضَوْا. يبدأ العرب من جديد من حيث بدأ الآخرون، ليعيدوا اختراع العجلة، فيبقوا "مكانك قف". نرى ذلك منذ سنوات في حياتنا اليومية في مجالات عدة. نكتفي هنا بتناول اثنين منها: التعليم والإعلام.

منذ سنوات، بل ربما عقود، لا شيء يكاد يتغير في مخرجات التعليم، لا على مستوى الخريجين ولا حتى المنتجات. وذلك لأن المنظومة التي يقوم على أساسها مبنية بسواعد –ما شاء الله عليها- معادية للبيئة الابتكارية والإبداعية. أمسكت قبل سنوات قليلة كتاباً ملوناً وجميلاً في اللغة العربية للأطفال. تصفحت الكتاب، وما أن وصلت باب حرف الحاء، وجدت أن مؤلفيه قد ارتأوا أن يكون أول كلمة يعرفها الطفل تحت هذا الحرف هي "حمار"! لاحقا ستكون هذه الكملة أول ما يستخدمها الطفل ليشتم كل من حوله. ومع ذلك، لا تزال تحتفظ الوزارات العربية بكلمة "التربية" مع "التعليم" في أسمائها، وكثير منها يقدم الأولى على الثانية.

ومع أنه في لغتنا كلمة أجمل هي "حُبٌ"، فهذا لا يعني أننا نطلب على المؤلفين حجب كلمة "حمار" من القاموس، أو عن الأطفال تحديداً. لكن كما تعلمون، فإن وقع الكلمة علينا كبالغين كبير، وصداها الاجتماعي في ثقافتنا العربية "مش غاد غاد" –أي ليس محموداً- فما بالك بوقعها على طفل غض، خصوصاً إن تلقاها لأول مرة في حياته! فبين "الحمار" و"الحب" مسافة طويلة تجعلنا نشفق على طفل صغير أن يقطعها وهو لا يزال يحبو في رحاب الفهم.

قد يقول قائل، لكن المناهج هذه الأيام تغيرت، وتتغير على فترات ليست طويلة. هذا صحيح في جانب منه، لكن ما لم يتغير في المناهج طريقة تفكير واضعيها، الذين لا يزالون يجترون مضامين الماضي بكل تفاصيلها (أسود وأبيض)، وإن تغيرت طباعة الكتب حديثاً وأصبحت بالألوان. وأذكر هنا أنني قرأت من الصف الأول الابتدائي حتى الثانوية العامة، ما قرأه أخي الذي يكبرني بعشر سنوات. حتى أن غالبية المدرسين لم يتغيروا خلال هذه الفترة على الأقل.

أما على مستوى الإعلام، فلا يزال إعادة اخترع العجلة مستمراً في عالمنا العربي. وعلى الأرجح لا يُراد للصحافة ووسائلها أن تتغير أو تتطور، حتى وإن أصبحت الصورة حالياً "إتش دي"، والطباعة ذات جودة عالية وبورق فاخر مصقول.

قبل أيام كنت استمع إلى حوار بين "مخترع" –وهذا المخترع من مخرجات التعليم الجديد الذي تحدثنا عنه آنفا- ومذيعة كانت في كاملة سعادتها وهي تحاوره وتثني على "اختراعه". وبعد نحو 5 دقائق من الحوار الذي أوشك أن ينتهي، سألت المذيعة المخترع: هل أنت من ...؟ وذكرت اسم بلدها. وكم كانت مفاجأتها كبيرة حين قال لها: لا.... أنا من ....؟ وذكر اسم بلده. ولم تنتظر المذيعة طويلاً لتترجم استغرابها بالقول ضاحكة ملء شدقيها: والله يا ريتك من...! (نعتذر عن ذكر اسم البلدين لأسباب فنية).

وما تحدثنا عنه آنفاً في التعليم، لا بد أن ينتج هكذا مذيعين. ورغم أن كلام المذيعة ينطوي على عنصرية لا تخطئها عين، فإن "المخترع" ضحك أيضا مع المذيعة وقهقه وكأن شيئا لم يكن. مرة أخرى، حين تفقد قدرتك على الرد على من يستنكر عليك جنسيتك، فقط لأن كلامك لامس شيئاً فيه وأراد التماهي معك، فاعلم أنك قد خضعت في صغرك لمنظومة تعليمة فاسدة لم تمكنك من مفاتيح الرد. وهكذا نكون أمام مشهد متكامل من التخلف، بل إعادة إنتاجه، ضحيته المحاوِر والمحاوَر، اللذان كانا بدورهما في يوم ما ضحية تعليم فاسد وبيئة تربوية معلولة.

في الإعلام أيضا، انظر إلى صناعة الأفلام أو المسلسلات العربية. خذ المصرية منها مثلاً، وستجد كم أنها متشابهة ومنسوخة من بعضها البعض، حتى أن بعضها مسروق عن أفلام أجنبية، ومنتج بطريقة رديئة. فيلما "ويجا" و"الحرب العالمية الثالثة" نموذجين. أما على صعيد المسلسلات فقصصها كلها تقريباً معروفة، ولا يمكنك توقع المفاجأة فيها إلا نادرا. مسلسلات رمضان الماضي والذي سبقه والتي تتناول الحرب في سوريا نموذج واضح لإعادة إنتاج واقع باتت مملاً، لكن بدرجة وضوح أعلى "إتش دي".

يحدث ذلك أيضاً في توريث الآباء من أبطال المسلسلات المهنة لأبنائهم. عادل إمام نموذجاً. له ابن ممثل وآخر مخرج. والمخرج الابن يُخرج للمثل الابن المواضيع ذاتها التي تناولها الممثل الأب منذ فيلم "الإرهاب والكباب" (1992) وصولا إلى مسلسل "مأمون وشركاه" (2016). وما هذا ولا ذلك إلا عبارة عن تقارير إخبارية، الجديد فيها أنها مصورة بكاميرات سينمائية.

هذه بعض نماذج لما بات العرب غارقون فيه من إعادة إنتاج لكل ما تحويه مجتمعاتهم من تخلف. وهذا التخلف ليس وليد اللحظة، بل هو متجذر في العقلية العربية، وفي الممارسة الحياتية اليومية. وكل ما حصل في الآونة الأخيرة هو أنه بدأ يخرج للعيان بشكل أوسع مع استخدام التكنولوجيا، وهي الوسيلة ذاتها التي لا يزال العرب منبهرون بها ويعيدون إنتاج مظاهر التخلف عبرها كل يوم.

Friday, July 1, 2016

الغبرا و"العنف الفلسطيني"

الغبرا و"العنف الفلسطيني" ومزيج من الهرطقة

لا نلوم الصهاينة حين عوّلوا إبان نكبة فلسطين على أن "الكبار يموتون والأطفال ينسون"، إذا ما كنّا أمام شخص من عيار "كاتب"، لن نعده مع الكبار، لأنه ببساطة لا يزال حي يكتب، بل سنحسبه "صغيراً" يجنح  للنسيان بقرار شخصي عن سبق الإصرار والترصد والتلبس، وذلك لأنه يضع "العنف الفلسطيني" مقابل "العنف الإسرائيلي"، بكل ما بين علامات التنصيص من معنى.

 "العمليات الفردية الفلسطينية في غياب العمل المنظم" عنوان مقال منشور في صحيفة الحياة يوم 16 يونيو 2016، "للكاتب" شفيق ناظم الغبرا. يفتح المقال الشهية على علامات التنصيص المتبوعة بعلامات التعجب التي تكاد تتقافز من ذهنك للجوار وأنت تقرأه، لتحرك فيك أي كنت الجينات الفطرية لعدم التعاطف مع أي محتل أي كان، فكيف إن كنت فلسطينيا؟

ومن قال إن الإعلام لا يؤثر في الناس فهو مخطئ، وعليه بالمقال الذي لم يتورع صاحبه عن ذكر "العنف الفلسطيني" في مواجهة "العنف الإسرائيلي" تصريحاً لا تلميحاً ثماني مرات، حتى يخال لك بأنك تقرأ مقالاً لشخص يجرب للمرة الأولى قلمه، أو هاوٍ أحب أن يختبر أفكاره فكان رقيقاً مع الورقة حد "الإتيكيت التحليلي".
 يقولون إن الكاتب المعتبر هو من يحترم القارئ، ومن جملة ما يجب أن يحترمه الكاتب معرفته المفاهيم التي يطرحها. فالغبرا ذكر "العنف" وفي مكان آخر سمّاها "مقاومة". ثم ذكر "العنف" مجددا، ووصفه في مكان ثان بأنه "هبة" أو "انتفاضة"، ولك كقارئ أن تختار ما يحلو لك وتترك ما لا يرق لك، فأنت أمام "مولد صاحبه غايب!".

وفي مستوى آخر من تحليل هيكلية الموضوع، لا الفكرة المطروحة فيه (على الغبرا أن يبحث عن الفرق بين الفكرة والموضوع)، تجد الكاتب يقول مثلا: "فهذا الشكل من المقاومة، بسبب سهولة الحصول على السلاح وتصنيعه وسبب طبيعة العولمة وانتقال طرق التعلم والمعرفة عبر الأثير يصبح خيارا ممكنا عندما يكون أبسط الناس في حالة اضطهاد وانتهاك من قبل احتلال يتميز بعنفه وغرور سياسته". والذي لا يعرفه الغبرا، أو يعرفه ولا يريد أن يدركه (ابحث عن الفرق بين المعرفة والإدراك يا غبرا)، هو أن السلاح في أيدي هؤلاء الشبان هو السكين، والذي لا يحتاج إلى تصنيع ومعرفة وتعلم و"عولمة" (والعولمة هنا تحديدا لا معنى لها من الإعراب. هل كانت الجزائر وغيرهم في انتظار العالم أن يتعولم كي يتحررون من الاحتلال؟). وهذا الشكل من الطرح المبني على النتيجة والسبب فيه من المغالطات المنطقية الكثير، التي ندعو الغبرا للبحث عن تفكيك مفاهيمها (النتيجة والسبب والمغالطات وأنواعها) قبل أن يفكر في الكتابة.

وأمام الجملة السابقة للكاتب وجدت نفسي وجها لوجه أمام مدرسي اللغة العربية في الابتدائية، حين كان يطلب منا كتابة موضوعات تعبير باللغة العربية، عن "موسم جني البرتقال" مثلا، ولا تزال ترن في أذني جملته الشهيرة: "اكتبوا يا أولاد عن الربيع في ما لا يقل عن صفحتن". فنسود له الصفحتين بكلام من قبيل ذلك الوارد في مقال الغبرا.

ويبدو أن الرجل مستمتع حد النشوة في "التحليل اللذيذ" للعمليات الفردية الفلسطينية الأخيرة، إذ يقول: "الناس العاديون الذين ينضمون لعمل مفاجئ من دون أن يكون لديهم سجل سياسي أو نضالي سابق بعيدون عن قدرة الأجهزة على رصدهم". بكل تأكيد، وإلا هل تريدهم أن يكونوا صيدا للإسرائيليين؟ ورغم أن هذه الجملة معلقة (ابحث عن معنى الجملة المعلقة يا غبرا)، فإنها تشي بالعقدة الأمنية المستحكمة بعقلية الكاتب وتعيقه عن الخروج من صندوق مفرداته الضيق إلى ما هو أرحب من مفردات تستوجبها بسهولة القضية التي يتناولها في المقال.

 يتحدث الغبرا عن "فراغ كبير في الوضع الفلسطيني وفي الصراع على الأرض وفي الصراع على أرض فلسطين"، ورغم أنه لا يوجد صراع على أرض فلسطين إذا إن هناك محتل فقط، فإن الكاتب نفسه لاحقاً يملأ هذا الفراغ بما يمليه عليه تحليله السياسي فيقول: "استمرار هذا الغليان سيؤدي مع الوقت إلى بروز قوى فلسطينية جديدة تحمل بعداً سياسياً.. ستملأ الفراغ تماماً".

كل ما يريد أن يقوله الغبرا في مقاله قاله في أول فقرة فيه، وهو أن المقاومة الفلسطينية تتجه من الجماعية إلى الفردية، وبقية المقال هي تكرار لهذين السطرين بكلمات ومفردات ومعان مختلفة. وعلى الغبرا أن يبحث عن المفهوم السياسي للكلمات والمفردات والمعاني.. وعليك بغوغل. هل سمعت عن غوغل؟).
 
إن أي طلقة أو ضربة توجه من أي كان للاحتلال، بغض النظر عن هذا الاحتلال، هي ضربة مقاوِمة، ولا يجب أن توصف بأنها "عنف". وهذا هو المفهوم المجرد لمقاومة الاحتلال. أما إن كانت الأرض المحتلة تعنيك، والمحتل ربما يقتلك كما يقتل غيرك في الجوار، ولا تعي خطورة ذلك وتكابر في إنكاره، فإنك إزاء منطق لا يملك أي عجوز فلسطيني أمامه إلا أن يقول ساخراً: الله الله الله!

 وما نريده في نقد هذا المقال يتجاوز وجهة النظر المطروحة فيه المحملة بكثير من الأخطاء في المضمون، والخطايا على صعيد التركيب، وكذلك المغالطات في ما يتعلق بالطرح، ليلامس ما وراء ذلك بكثير، وهو استعراض واحد من النماذج الكثيرة للمقالات التي تعج بها وسائل الصحافة العربية لأولئك الذين يبدأون أسماءهم بكلمة "الدكتور". (على الغبرا أن يقرا فصل حرف "الدال" في كتاب المفكر المصري جلال أمين "ماذا حدث للمصريين؟").

إن التحليل السياسي في عالمنا العربي اليوم بات مهمة لا تكاد تنوء بحمله أولي العقول الحميدة، في ظل تكالب أصحاب العقول الخبيثة من "أساتذة العلوم السياسية" على تحليل كل شيء وأي شيء، رغبة في تضخيم الثروة. يحدث ذلك في ظل غياب القارئ العادي -ليس القارئ الناقد بالتأكيد- عن مواجهة مثل هذه الهرطقات. ولولا أن الدنيا رمضان، لقلنا كلاماً "أجمل" من هذا، ولفسرنا جزءاً من قول الله تعالي: "كمثل الحمار يحمل أسفارا"، ولأسقطنا التفسير على الغبرا وأمثاله.

مقال الغبرا لمن يريد أن يكتشف مصائب لم نأتِ عليها.

Thursday, June 2, 2016

الطفح الصحفي


الطفح الصحفي

إن قال لك مسؤول "إعلامي"، أو خبير "تلفزيوني"، إننا بحاجة إلى قنوات فضائية جديدة في العالم العربي، وأنت تعلم أن عدد هذه القنوات قد تجاوز 1300 قناة؛ فاعلم أنه "كذاب إبن 60 كذاب". اقذف هذا الرقم في وجهه (1300 مضافاً إليه 60)، وابحث فوراً عن شبشب يحمل الرقم ذاته و"أديلو على صداغه".

إذ لم تعد شهية سوق الصحافة العربية، بما تحويه من تلفزيونات وإذاعات ومواقع إنترنت وصحف ومجلات وغيرها من وسائط، مفتوحة على استقبال أي وسيط أو وسيلة جديدة. فالفضاء العربي –والحمد لله- معبأ حد التخمة بالضجيج، وبتنا نعيش في ما يشبه "المكلمخانة". ولم يعد أحد يقرأ الصحف الورقية، وبالتالي تسمرت عيوننا بأجهزة هواتفنا بحثاً عن ما هو طريف، أو بشاشات تلفزيون تبث فيلم أكش أو مباراة لبرشلونة أو ريال مدريد.

وتتجلى مظاهر "الطفح الصحفي" على جلد المنطقة العربية، أو ما يسمى تأدباً في صفوف الأكاديميين بـ"الركود"، في أمور ثلاثة: اختفاء جاذبية الانخراط في العمل الصحفي، الشك في نجاح كل ما هو جديد رغم تقديمه محتوى بجودة عالية شكلا، وتدهور الممارسة على صعيد الإنتاج ورداءة المحتوى.

أولا، كان في السابق مثلا –قبل 10 سنوات تقريبا- إذا ما افتتح منفذ صحفي جديد، لا سيما إن كان تلفزيونياً، يتأهب الجمهور لرؤية نجوم منفذ قديم وهم يهاجرون للوسيط الجديد. وتسيل أحبار في كتابة أخبار من قبيل انتقال المذيع فلان إلى القناة الفلانية، وهجرة المحاور علان إلا المؤسسة العلانية. كانت مرحلة أشبه بفترات انتقالات لاعبي كرة القدم بين الأندية، لكنها ذَوَتْ.

وعلى ما يبدو فإن الرواتب لم تعد مغرية بما فيه الكفاية ليضحي مذيع نجم في مكانه الحالي من أجل الانتقال إلى قناة جديدة "غرة ووليدة". فضلا عن أن الاصطفاف السياسي الحاصل وما نجم عنه من اصطفاف صحفي مؤسسي، وقف عقبة في طريق نمو السوق. أضف إلى ذلك القيمة المضافة المفقودة وغير المضمونة في حال الانتقال من مكان إلى آخر، والذي أثقل بدوره تحرك الكثيرين وأبقاهم محافظين على ما يعتقدون أنه استقرارا.

ثانيا، باتت الخطوط التحريرية لوسائل الصحافة العربية أكثر وضوحاً، خصوصاً في السنوات الست الأخيرة التي شهدت ثورات في أكثر من بلد عربي، مما أعاد رسم الخريطة المؤسساتية الصحفية على صعيد دول المنطقة. يُفهم ذلك في ظل سياق تغير التحالفات في المنطقة والإقليم، وتبدل الاستراتيجيات والرؤى في ما يتعلق بقضاياهما الشائكة.

بمعنى آخر، أصبحت المؤسسات الصحفية مسيسة بشكل أكبر وأوضح من ذي قبل، وبات الفرز لا ينصب على المؤسسات فقط بل يطال الأشخاص العاملين فيها، وهو ما شكل بدوره تحدياً للصحفيين، وقلص مساحات التحرك والانتقال والعمل لدى كثيرين، خصوصاً لدى من يحملون مواقف سياسية بعينها قد تتفق أو تختلف مع المؤسسة.

ثالثا، لم تعد جودة المضامين الصحفية اليوم بتلك الجودة التي كانت عليها قبل اختراع النشر الإلكتروني. انتشار المواقع الإلكترونية، ومن ثم مواقع التواصل الاجتماعي التي أتاحت للكل الكتابة والتدوين والدردشة، غيّر مفهوم الصحافة لدى الداخلين الجدد إلى بلاطها، فتحولت الصحافة من مهنة إلى شهرة، ومن حرفة إلى برستيج. وإن كان هذا هو مستوى فهم القائمين الحاليين على الصحافة، فلا يُرجى منها مضامين قوية، وهكذا حلت الرداءة مكان الجودة.

خلاصة القول
نحن أمام سوق صحفية راكدة، أبرز مظاهرها عدم القدرة على تقديم جديد يغري العاملين للانخراط في بدائل ترفع من قدراتهم المهنية، أو يغري المتلقين على استهلاك منتج صحفي تفاعلي جديد يميز البعض عن ما هو موجود في السوق. وإلى أن نصل إلى انفراجة جديدة في هذا السوق، سيبقى على الأرجح يموج ما بين السيئ والأسوأ مع مرور الزمن، ما لم تحدث معجزة.

رسالة من شادي



رسالة من شادي..
أصغر أسير فلسطيني في سجون المحتل الإسرائيلي

في غمرة الأحداث، وتدفق الأخبار، هناك ما يستوقفك، أو بالأحرى يوقفك رغماً عنك. تشتغل فجأة مكابح الذهن لتتوقف أمام مشهد لا يمكن للعقل أن يمرره. يَثبتْ الزمن، تتجمد اللقطة وتتسمر اللحظة في مكانها، وما عليك إلا انتظار الطلقات التي ستخرج من قلم رصاص محشو بالكلمات.

رسالة بريئة، خطها بقلمه الرصاص شادي فراح، أصغر أسير فلسطيني في سجون الاحتلال الإسرائيلي، وبعث بها إلى أمه في عيد ميلادها، وقد رماها القدر في وجهي صبيحة ذلك اليوم في شكل خبر. قلت ما أحقر كلمة "خبر" التي تجمع بين اعتزال الفنانة المصرية شيرين وحدث تاريخي سيصنعه شادي بعد لحظات وتضعهما في السلة ذاتها. إي والله، إنه حدث تاريخي!

يشد شادي، ابن الاثني عشر عاماً من أزر أمه فيقول: "أريد أن أقول لك أن تبقي رافعة الرأس مثل شجرة النخيل لا يهزها ريح ولا حتى زلزال.. وأريدك يا أمي أن لا تحزني، لأن هذا اختبار من عند الله، ولا يجب أن نتحسر على ما جرى. واليوم أنا أقف أمام المرآة لكي أحاول أن أقتلع سيئاتي وأجد إيجابياتي".

والله إن كلمات شادي لتكاد تتجمد في حلق أي زعيم عربي إن أراد التفوه بها، فلا يقوى على نطقها، وكأني بالطفل يترفع بكلماته عن صخب القمم العربية الخطابية، باحثاً عن وطن في أعين عرب خذلوه، وآخرون لا يزالون يتقربون يوميا من "العم شلومو" بعد أن عرفوا أن ضمان تحالف مع "العم سام" لا يمر إلا بالعم الأول.

لم يبخل علينا شادي بالقفشات المضحكة وهو في يكابد السجن، فها هو يعتذر لأمه التي يظن أنها رأت فيه طفلاً "أزعر وشقي". كما أنه نسي أنه طفل في موضع آخر من الرسالة مخاطبا أمه: "لقد تعبتك معي من صغري إلى كبري". وإن لم يدرك شادي أنه لا يزال صغيراً، فإن كبر كلماته تكفي للدلالة على عمره. وقد بدا شادي مشروع أديب يتقن استخدام الكلمات، إن اطلعت على الرسالة ستجد ذلك جلياً في أكثر من موقع فيها.

شادي ابن القدس المحتلة، الذي ختم رسالته إلى أمه بـ"أحبك"، معتقل منذ 26 يناير الماضي. وقد اختطفه جنود إسرائيليون من قريته في كفر عقب شمالي القدس المحتلة، بينما كان يلهو أمام منزله رفقة زملائه. اعتقل شادي بذريعة "نيته تنفيذ عملية طعن بحق مستوطنين"، ليكون بذلك ضحية الاحتلال الإسرائيلي الذي يسجن على "النوايا".

كانت هذه رسالة شادي، التي أوقفت سيل الأخبار الهادر الذي كنت أتنقل بين أمواجه عبر وكالات الأنباء. كانت هذه رسالة نادرة، رغم الرسائل الإخبارية الأخرى التي تقذفني كل يوم بالموت القادم من سوريا والعراق واليمن وليبيا والبحر.

وإن كان كل صحفي يدمن مشاهد الموت مع مرور الزمن، وتتبلد من تكرارها أحاسيسه، تبقى هناك أخبار عالقة في الذاكرة، لا سيما إن كانت مكتوبة بخط اليد، مثل رسالة شادي، وكأنها كلماتها من رصاص، اخترقت القلب واستقرت... إلى الأبد.

Sunday, May 22, 2016

هل كان شكسبير يُأَرْجِل؟

هل كان شكسبير يُأَرْجِل؟

لفت انتباهي اسم ذلك المكان "مقهى شكسبير"، وقلت إني على الأرجح سأحظى بتجربة فريدة إن تناولت كوباً من القهوة هنا. دلفت للمكان وإذ به بالفعل يرتدي حلة قشيبة تحكيها الرسومات المزركشة الممتدة على الجدران، والطاولات البيضاوية المعشقة بتصاميم بارزة من الورود، والكراسة الخشبية التي عادة ما تحفل بها القصور العتيقة، والثريات المتدلية التي تحتضن أضواءً صفراء تبعث الدفء في المكان، لتكشف كلها مجتمعة عن تلك الحقبة التي عاش فيها الكاتب البريطاني الشهير وليم شكسبير (1564-1616).

جلست في ركن قَصِي يتيح لي الإشراف على أكبر مساحة ممكنة من المكان البهي، وطلبت قهوتي المفضلة. بادرني النادل: هل تريد أرجيلة؟ وللحظات تقافزت في ذهني أسئلة عدة: هل كان شكسبير يُأًرْجِل؟ وهل كان يكتب مسرحياته وسط "دخان ثقافي" ينفثه غليونه؟ وهل كانت السيجارة طقساً لازماً من لوازم الجو الذي يضع وليم وجهاً لوجه أمام بنات أفكار أشعاره؟ وإن كان الأمر كذلك، فعلينا أن نبحث عن سر العلاقة بين "الكيف" والإبداع عند الكتابة، ونتساءل: هل حين يداعب النيكوتين خلايا الدماغ تتحسن فرص ميلاد أفكار أسرع وأغزر وبالتالي تبدع اليد في خط نص أجمل؟

ارتشفت بعضاً من القهوة، وأتبعت الرشقة بنفس من الأرجيلة المُنكّهة بالتفاح، وجلت المكان بناظري من جديد، ثم كتبت في غوغل "شكسبير يدخن"، فوقعت عيناي على دراسة حديثة ترجح أن "الشيخ زبير" -كما كان يحلو للقذافي أن يسميه- كان يتعاطى الماريغوانا أثناء الكتابة. وطرف الخيط في هذا الترجيح هو 24 غليوناً عُثر عليها في فناء منزل وليم في ستراتفورد، تبين لعالم الأنثروبولوجيا فرانسيس ثاكيراي بعد فحصها بتقنيات الطب البشري أن بعضها يحتوي على آثار مخدرات.

إذن، كان شكسبير يُغلِّين ولم يُأرجِل، إذ لم تكن الأرجيلة قد اخترعت في عهده، لكنه كان على الأرجح "صاحب كيف" أعلى من مستوى الأرجيلة، وبينما كان يغوص بين أوراقه ليكتب لنا "تاجر البندقية" و"روميو وجولييت" و"مكبث" و"هاملت"، كان يلجأ إلى لحظات "تَجَلّي" وقودها غليونه المحشو بالحشيش.

نعود إلى المقهى، الذي لا أعرف من ذا الذي أوحى إلى صاحبه أن يقدم خدماته من القهوة وأخواتها من كابتشينو وموكاتشينو وفربتشينو باسم ثقافي من عيار شكسبير. وإن كان صاحب الفكرة قد خَبِرَ بالفعل أن شكسبير كان يُغلِّين بالحشيش، وأراد من وراء ذلك مد الجسور بين القرنين السادس عشر والواحد والعشرين، فلا تثريب عليه.

لكن، ربما أراد صاحبنا من وراء هذه التسمية مغازلة كل من له علاقة بالكتابة، أو إغراء من يفضلون ارتشاف فنجان قهوة أو تدخين أرجلية تحت مسمى ثقافي يشعرهم بالألفة، ليكونوا زبائن محتملين ينعشون مشروعه التجاري. ولم نستبعد أن صاحب الفكرة يعرف أن أغلبية من ينتمون إلى هذه الطبقة من الكتاب والمثقفين هم أصحاب كيف وذوو مزاج عال، فجعل لهم عنواناً واضحاً يرتادونه بلا تردد.

والتدخين والتحشيش والسُكُرْ عادات ملازمة لكثير من الكتاب العالميين والمحليين. نجيب محفوظ مثلاً كان يدخن طوال الفترة التي يقضيها بالكتابة. وإن قرأت "أولاد حارتنا" تكاد تشتم من حروفها نفثات كاتبها على الورق. وفي "الخبز الحافي" لمحمد شكري، تنبعث رائحة الحشيش والدخان من على صفحتها. ومن المرجح أن علاء الأسواني ورث عن والده "رص الحشيش" كما حَدّث عنه في "نيران صديقة".

إذن، على ما يبدو هناك علاقة بين الإبداع المتعلق بالكتابة على الأقل، و"تعمير الدماغ"، وإن كان هذا ليس صحيحاً على الدوام، لكنه موجود ولا يمكن إنكاره. وهذا لا يعني بأي حال من الأحوال، أنه إن أردت أن تكون مبدعاً في الكتابة فعليك أن تدخن أو تُأّرْجِل أو تُغلِّين، وإلا فإن منظمة الصحة العالمية قد توصي القراء بعدم تعاطي كتاباتك حفاظاً على صحتهم.

Saturday, May 14, 2016

طالبو اللجوء للصحافة


طالبو اللجوء للصحافة

ثلاث فئات دمرت الصحافة العربية: المترجمون والمعارضون السياسيون والهواة (والهواة كثر: من المطلقات حتى الطباخين). أعرف أن "لقمة العيش" صعبة، لكن لا يرجى لصحافتنا بكل وسائلها صلاحاً ولا إصلاحاً، ما لم تتوقف الهجرة غير الشرعية من جميع حقول المعرفة إلى الصحافة التي تتحول مع كل يوم جديد إلى "مهنة كل من لا مهنة له" وبقوة وسرعة شديدتين.

فالمترجمون دخلوا المهنة بعد أن رأوا أنفسهم مجبرين على التدريس براتب زهيد، أو العمل مرشدين سياحيين في بلاد عربية لا سياحة فيها ولا سياح. والمعارضون السياسيون رأوا في الصحافة ملاذا آمنا لمهاجمة الخصوم، دون أدنى معرفة بالمهنة أو المهنية. أما الهواة فكثر، ويتوزعون بين طالبي شهرة، ومطلقات لكن جميلات، وملكات جمال، ومضيفات طيران وفنادق، وممثلين، وأميين ومزوري شهادات وأخيرا طباخين.

وهذا بلا شك لم يمنع أن يدخل للصحافة العربية مهندسون وأطباء وسياسيون، وأن يبدعوا أكثر من أولئك الذين درسوا الصحافة سنوات عدة. وهذا اعتراف كان له ما يبرره حتى قبل 10 سنوات أو 15 سنة خلت. إلا أن الهجرة الجماعية في الآونة الأخيرة وتدافع المهرولين إلى العمل في الصحافة من كل حدب وصوب، لا سيما التلفزيونيين منهم، وضعنا في هذه الحالة الفوضوية من أخطاء تحريرية ومهنية وثقافية وسياسية واجتماعية وقودها الهواة ورواد الشهرة.

وفي مرحلة معينة تطورت الهجرة لترافقها مظاهر أخرى لمن لم يتمكن بالهجرة جسدياً، فهاجروا معنوياً على ظهور آخرين وهدفهم في ذلك "البرستيج الاجتماعي". نعم، لقد تحولت الصحافة، وخصوصاً الكتابة إلى "برستيج" يُباهى به، تماماً مثل السيارة الفاخرة أو الفيلا الجميلة. وقد تنامي إلى مسامعي أن شخصاً يعمل "متبطلاً" في مؤسسة حكومية يكتب في اليوم الواحد ستة مقالات لستة كُتاب. وينقل صديق عن "الكَتّيب" قوله، أن أياً من هؤلاء الستة ممن يكتب لهم، لا يتصل به ليقترح ولو موضوع المقال أو حتى عنوانه.

وهذا "البرستيج" الجديد الذي باتت تعج به صحافتنا يومياً عبر مقالات "مجهولة النسب" لأسماء تختفي وراء مضامين لا ناقة لها بها ولا جمل، ينسحب على "الروائيين الجدد" الذين تتفتق مخيلاتهم وتنمو في إطار لا يتجاوز 140 كلمة، هو عدد الكلمات المسموح للتغريدة الواحدة في تويتر. وترى رواياتهم بلا تجربة عميقة تسعف النص، ولا معترك حياة جدي يغري القارئ للمتابعة، ولا حتى لغة يرتفع لها حاجبا من يبحث عن تجربة جديدة تضيف إلى تجربته. (كلهم ناسخين من بعض الموضوع ذاته: قصة حب في إطار وصف جنسي بات مبتذلاً).

وفي السنوات العشر الأخيرة، وكأني بماسورة روايات فتحت فجأة في فضاء الإنترنت العربي، وملأت قاعات المكتبات على قلتها على امتداد أوطاننا التي لا يقرأ سكانها أصلاً. وهذه "الوريقات" التي تسمى "روايات"، أكثرها لا علاقة لها بأسماء "مؤلفيها المفترضين". إذ إن هناك من احترفوا بيع أفكارهم وتجاربهم، تحت ضغط "لقمة العيش"، -وإن كان هذا عذر أقبح من ذنب- لمن لديه الاستعداد أن يدفع ليزين اسمه برواية. وسيتضح ذلك لك عندما تدخل مع أحد هؤلاء الروائيين الافتراضيين في نقاش، لترى إن كان النقاش معه ينم عن كاتب حقيقي أم مزور.

ينظر البعض إلى هذه الحالة على أنها صحية، إذ يؤكدون على أن إتاحة التكنولوجيا الفرصة للجميع كي يكتب قد أثرت المشهد الثقافي العربي، لكنها في المقابل ضربت جودة المضامين في مقتل، وجعلت الكتابة كمهنة شيء مبتذل، طالما أن أي واحد يقوى على ممارستها، حتى وإن كان جالسا بهاتفه المحمول في الحمام.

Wednesday, April 20, 2016

القارئ العربي... أمي


القارئ العربي... أمي

بمقياس الضحالة، تقول الأرقام إن القارئ العربي مهموم في تصفحه اليومي للإنترنت بثلاث قضايا: الجنس والرياضة والطبخ. وبمقياس الجدية، تبدو النزعة إلى هذا الثلاثي منطقية في ظل السهام التي يتلقاها ذلك المسكين في معيشته طيلة يومه. فَلِمَ نبخل عليه بساعة تَجْلِي نفسه مما علق بها في ساعات النهار؟

بمقياس الضحالة -مرة ثانية- يميل مشاهدو التلفزيون العرب، إلى الكورة والمسلسلات والأفلام. وبمقياس الجدية، لهذه النزعة أيضاً ما يبررها في ظل ما تضخه القنوات التلفزيونية على رأس كل ساعة من أخبار تنضح بالدم والقتل والدمار. فَلِمَ نستكثر عليه ساعة يُرفّه فيها عن نفسه وتنسيه آلامه التي تصب عليها نشرات الأخبار اليومية مزيداً من الملح؟

في معارض الكتب العربية، يتصدر البيع الثلاثي الشهير: كتب الدين والطبخ والجنس. ثم نتساءل: لماذا هذا التوجه؟. بل لماذا هذا التناقص في الشغف بين الدين والجنس؟ تجيب عن ذلك أرقام الأمية التي لا تزال مستفحلة في المنطقة العربية. ففي أحدث تقرير لليونسكو، واحد من بين كل خمسة من البالغين أمي. 48 بالمئة من سكان موريتانيا –بلد المليون شاعر- أميون.

وما دخل التوجه إلى قراءة كتب بعينها بمن لا يقرأ ولا يكتب أصلاً؟ ألا ترى في ذلك إسقاطاً غير عادل؟ هذا غير صحيح، وقد عقدنا هذه المقارنة لسببين: الأول هو أن من خرج من أميته للتو يبدو وكأنه يريد إشباع غرائز لم تكن مشبعة إبان جهله، وما انكبابه على كتب الطبخ والجنس إلا امتداد لتكميل هذا النقص، لكن بوسيط آخر اكتشفه حديثاً هو الكتاب. كما أنه يمكن التساؤل: ماذا ترجو من قارئ أن يطالع، إن كان محاطاً بكل هذا الكم من الأميين؟

الثاني هو أن الأمية لم تعد مقتصرة على من لا يقرأ ولا يكتب، بل هي متأصلة في صفوف القراء أنفسهم. نعم، هناك أمية في صفوف القراء العرب، يمكن من خلالها فهم الركض وراء كل ما هو مسلٍ وترفيهي وجنسي. وإلا ماذا نسمي العزوف المقصود عن فروع المعرفة الأخرى التي لا حدود لها، والتي لا تنتهي بكل تأكيد عند الجنس والطبخ والدين؟ ولا يشترط بالمعرفة أن تكون سياسة أو اقتصاد أو فيزيائية جادة أو كيمائية جافة. لكنها بكل تأكيد تمتد لتتجاوز ثلاثي الجنس والطبخ والدين.

وكي لا يفهم أحد أننا نلمز هنا جانباً من الدين، أو مطالعة كتبه، فإن تأكيدنا هنا ينصب على ظاهرة المطالعة التي بات الدين محورها، رغم أن الدين نفسه يقول لكل من يقرأ كتبه بأن يوسع مداركه بالمعرفة من أجل هدف سامٍ هو إعمار هذه الأرض. فكيف يمكن إعمار الأرض بدون معرفة وتبحر في عوالم أخرى يعج بها الكون.

وفي مستوى آخر من الأمية، يمكن القول إن القارئ العربي يعاني الأمية الإعلامية. وهذا مفهوم واسع يعني فيما يعنيه أننا لم نتتلمذ وفق أسس تربوية تضع لنا خطوطاً عريضة لكيفية التعامل مع وسائل الإعلام التي ستشكل لاحقاً جزءاً مهماً من حياتنا وتكويننا وشخصياتنا. فلم نتعلم في مدارسنا التربية الصحفية التي تمكننا من مفاتيح قراءة الأخبار بوعي متفتح، ولا سبل التعامل مع وسائل الإعلام، ولا كيف نختار وسائلنا التي نستقي منها المعلومات. وفي ضوء هذا الفهم، يمكن تفسير تنقل القارئ العربي بين الوسائل كلها بحثاً عما يشبع غرائزه، لا ما ينمي فهمه ويطور ثقافته ويحسن معرفته بما يجري حوله.

نعرف أن الإعلام إجمالاً، خاصة الإلكتروني منه بما فيه وسائل التواصل الاجتماعي، يميل إلى "تتفيه" الأخبار، ويجعل منها ما يشبه النكتة، أو يبحث جاهداً في الخبر السياسي الجاد عن ما يصلح أن يكون منطلقاً لخبر خفيف. فبينما تريد بعض الوسائل الإعلامية أن "تبيع" الزبون خبراً مقروءاً و"لا يسد النفس"، تنحرف يدهها وهي تكتب الخبر ليكون النص "سبايسي" إلى الحد الذي يسترعي انتباه المتلقي. وهذه لعبة يحترفها الإعلام، وله فيها ما يبرر هذا الفعل. لكن، ما أدوات القارئ الدفاعية في مواجهة مثل هكذا أخبار؟ مرة أخرى، نعود إلى أهمية التربية الصحفية، التي لو كانت مغروسة فينا منذ الصغر، لما كنا ضحايا إعلام على هذه الشاكلة.

قد تقول إن المشكلة إذن هي في وسائل الإعلام التي تكتب وليس القارئ الذي يستهلك؟ جزء من هذا الطرح صحيح، وهناك بالفعل وسائل إعلام، وما أكثرها، تميل إلى اللون الأصفر (الإثارة). في المقابل، تقول الأرقام أنه حتى في وسائل الإعلام الجادة، تجد الأخبار الترفيهية (طبخ وكورة وفن) رواجاً أكبر لدى المتصفحين. انظر إلى قائمة الأخبار الأكثر قراءة في أي موقع إلكتروني تعتبره جاداً وسترى بنفسك نوعية الأخبار التي تطفو على سطح القراءة.

في مقابل هذا الطرح، هناك من يرى أن الإعلام يتعمد أن يعطي القارئ ما يريده، انطلاقاً من قاعدة أن وسائل الإعلام هي التي تشتغل عند القارئ، وليس القارئ هو من يشتغل لدى وسائل الإعلام. ولأن كل الوسائل تريد المحافظة على متابعيها بل وتضخيم أعدادهم، لا تبخل عليهم بما يشفي غليلهم من محتوى بغض النظر عن مضمونه. (تريد كورة.. ولا يهمك، تريد إثارة.. حاضرين. تريد مسلسلات.. سنغرقك). وبينما تقوم بعض وسائل الإعلام بهذه المهمة، من خلال إرضاع المتلقي الحليب الذي يحبه، تنحرف بلا شك عن مهمتها الأساسية في التوعية الاجتماعية والتنمية الثقافية، اللهم إن اعتبرت هذه المنافذ ما تبثه من إثارة تنمية وثقافة من منظورها هي.

وفي منتصف الطريق يلحظ المراقب تواطئاً خفياً بين القارئ وبعض الوسائل الإعلامية بشأن ما يطلبه الأول وتنتجه الثانية من مضامين. وبينما تتآمر الوسيلة على القارئ، لا يجد الأخير في ذلك ضرراً. وبينما يتسلى كل منهما بالآخر، يعتبر كل طرف أنه قد سجل هدفاً في مرمى الآخر. ويبدو أن الطرفين مرتاحان للعب في هذه المنطقة التي يمكث فيها كل منهما ساكتاً وباسماً في وجه الثاني.

لكن، هل هذا القارئ أو المشاهد الذي تريد أن تُشكل عقله وتكّون وعيه وسائل الإعلام؟ وهل هذا ما تتمناه الحكومات في المنطقة العربية؟ السؤال الأهم، هل القارئ نفسه يريد أن يكون على هذا المستوى "السطحي" من المعرفة، أم يطمح لما هو أكثر عمقاً معرفياً، لكنه لا يجد؟ الواقع يقول إن الحكومات، وعبر أدواتها من وسائل إعلام لا تزال كلها تخضع لإمرتها، تريد -على الأرجح- قارئاً، وبالتحديد مشاهداً من هذا النوع. اتفاقيات بث دوريات كرة القدم الإقليمية والأوروبية والعالمية التي غزت الشاشات العربية في السنوات القليلة الأخيرة -وكلها تمر بمنافذ حكومية- شاهد على ذلك (وفي ذلك مقال).

قد تقول: أنت تقسو هكذا على القارئ وتحمله أكبر مما يمكن أن تحتمل طاقته؟ وهذا ليس صحيحاً مطلقاً، ولا خطأ مطلقاً. فالمتلقي العربي -قارئاً كان أو مشاهداً أو مستمعاً- ليس مظلوماً على الدوام. إذ إنه لم ينتفض يوماً في وجهة وسيلة إعلامية ضللته، أو يعترض على منفذ صحفي كذب عليه. كما أنه لم يُعرف في أدبيات القارئ العربي أن قاطع شراء صحيفة أو متابعة تلفزيون أو الاستماع إلى إذاعة لأن أحداً منها دلس عليه في المعلومات.

والحال كذلك، فإن جنوح أغلبية القراء العرب إلى ما خف وزنه المعرفي في عالم الأخبار لا ينم عن حالة صحية، بل نرى فيه ظاهرة مرضية. والغريب أن هذا المرض آخذ في الاستفحال. وإن كان لا يعيب الشخص عدم قدرته على التخلص من المرض، لا سيما إن مزمناً، فما عليه إلا التعايش معه. لكن عليه أن يدرك أن جسده الذي هو وعاء عقله سيبقى معلولاً إلى أن يلقى الله.