Tuesday, July 18, 2017

تأجير العقول


تأجير العقول

يؤجر عادل إمام في مسلسل "عفاريت عدلي علام" الذي بُث في رمضان الماضي، عقله وقلمه، ليس لمن يدفع أكثر، بل لكل من يدفع من صحفيين وكتاب ومؤلفين ووزراء ورجال أعمال وساسة. عذراً، لقد نسينا للتو أن نضع كلمة "أشباه" أو "أنصاف" قبل أسماء هؤلاء كلهم، ممن باتوا يطلبون الشهرة من وفي ميادين ليس لهم فيها ناقة ولا جمل.

يجسد المسلسل كيف خلط المؤجرون والمستأجرون حابل ثقافتنا بنابل قمامتها في الآونة الأخيرة. وقد غَذّتْ التكنولوجيا وتوابعها من فيسبوك وتويتر، على نحو غير مسبوق، هذه الظاهرة الآخذة في الاستفحال في الأوساط الصحفية العربية، والجامعات، وبين النخب المجتمعية، التي تطلق على نفسها لقب "مثقفة"، لدرجة بتنا لا نفرق بين الثقافة وغثائها أو ما هو معرفي أو تدميري.

تبدأ المعادلة هكذا: شخص مغمور يريد الشهرة في ظل تعدد الوسائل وتزاحم المنافذ الإعلامية، وكاتب مستعد لتأجير موهبته في مقابل الحصول على بضع دولارات. الأول ذو جيوب ممتلئة، أما عقله ففارغ. الثاني تغمره المعرفة، أمام جيبه بلا نقود. ومن هنا تنبع الحاجة لتخليق منتج غير شرعي سيشكل بعد قليل عقول الملايين، وإن شئت سيلوثها.

تشبه هذه الحالة، ليس إلى حد كبير، بل بالضبط، تأجير الأرحام. تُزرع البويضة بعد تلقيحها في رحم أم بديلة، فينبت طفل من لحم ودم غير أمه الأصيلة، وكل هذا مقابل مال. عمل بطبيعة الحال غير أخلاقي، ناهيك عن أنه مرفوض في كل الأديان. وكذلك هي الفكرة، يعصفها ذهنيا مفكر، ويصيغها كاتب محترف في مقال، ينشر في نهاية المطاف باسم غيره.

يكتب عدلي في المسلسل لرئيس التحرير الكذّاب ماجد صالح، وفق ما تملي المصالح الشخصية على الأخير من علاقات، وما تتطلبه الظروف من مواءمات. لكن هذا التمثيل يحدث في الواقع بصورة مكبرة عشرات المرات عما هي عليه في المسلسل. فالصحف العربية والمواقع الإلكترونية والمجلات الصحفية ملآ بمقالات وموضوعات صحفية مجهولة النسب، وتحمل أسماء أناس، خصوصا إن كانوا رجال الأعمال، يشتم منها رائحة الدولارات.

قال لي أحد زملاء المهنة يوما، أن صديقا له يعرفه جيدا، يعمل في إحدى المؤسسات الحكومية العربية، يكتب يوميا ستة مقالات. مقال لكل كاتب ممن لديهم الاستعداد للدفع. وإن كان رئيس التحرير في "عفاريت عدلي علام"، يطلب من عدلي أن يكتب في موضوع ما، فإن هؤلاء الستة لم يقترحوا على ممن يكتب لهم، إلا في ما ندر، أي من أفكار المقالات التي يكتبها. حتى أنه يقول إن كثيرا منهم لم يعترض يوما على ما يكتبه، أو حتى يمتدحه، وهو دليل على أن أي منهم لا يكلف حتى نفسه مجرد قراءة ما يُخط باسمه، على ما يبدو.

وهذه الظاهرة في الأوساط الصحفية لها امتدادات في المؤسسات التعليمية العربية العليا، مثل الجامعات والمعاهد والكليات. وبدأت تغزو الآن الجامعات الأوروبية والأميركية على أيدي الطلبة الوافدين من الدول العربية. زيارة سريعة للأكشاك والمكتبات المنتشرة بالعشرات حول جامعة القاهرة في الجيزة، كفيلة بأن تعطيك لمحة مختصرة عن بيع رسائل الماجستير والدكتوراه وبأثمان بخسة لمن يريد أن يدفع ويريح نفسه عناء البحث العملي.

أما في أوروبا، فإليك هذا الموقف. زرت صديقا في أحد العواصم الأوروبية، يحضر لنيل الدكتوراه، فوجدته يعيش في بحبوحة لا يتمتع بها عادة طالب جامعي. وقد صارحني أنه يعتاش من وراء ما ينجزه "للفشلة" من أبحاث ودراسات وأوراق عمل على مدار الفصول الدراسية، ممن ترسلهم دولهم إلى أوروبا أملا في أن يعودوا إليها فاتحين، فتكتشف أنهم قد عادوا مخربين، إلا من رحم ربي.

ثم نتساءل ونحن يملؤنا الاستغراب حين يقوم أحدهم بعملية باسم داعش في أوروبا وقد درس في جامعاتها وحصل على أعلى شهاداتها، بيhنما لا تعلم الحكومات التي أرسلتهم أنها كانت تسمن فاشلا، سيتحول مع الوقت إلى ذئب منفرد. الآن فقط عرفنا كيف تتشكل العقول العربية على أيدي كتاب منتَحلين، وعلى أيدي منظومة تعليمية معلولة، أبرز مشاهدها بيع رسائل الدكتوراه والماجستير على أرصفة أشهر عواصمها. ثم نتساءل مجددا، ويا للغرابة، عن أسباب انحطاطنا الفكري وانحدارنا الأخلاقي في مستنقع تغذيه منظومة مجتمعية فاسدة من الحضانة إلى الجامعة.

ولا يتوقف الهدر العربي في الطاقات عند هذا الحد، فقد دخلت وزارات الداخلية العربية على خط المعرفة في ظل فقدانها السيطرة على الشباب في ظل توسع وسائل النشر والتعبير عن الرأي. فعمدت إلى إنشاء جيوش إلكترونية جرارة، عمادها الجنود والعسكر العاطلين عن الحروب، في محاولة لتأطير الرأي العام على هواها. كما عمدت إلى شراء دور نشر شهيرة بأكملها، بل وإنشاء أخرى، تحت مسميات مستعارة، يتصدر كتاب معروفون إدارتها. وتطبع بالمجان آلاف النسخ من "القمامات الثقافية" لأناس طبقت شهرتهم الأرض بين ليلة وضحاها، رغم أن تاريخهم الثقافي القصير يكشف زيف المنتج.


وهكذا يتجلى التطابق بين تأجير العقول وتأجير الأرحام في أبهى صوره، في مجتمعات باتت تزن المعرفة بالكيلو، وتكيل الشهادات بصواع الشعير. في المقابل لا تقيم وزنا لا لأخلاق ولا قيم. وأمام هذه الظاهرة، لا يمكن إلا أن يكون ما نحن عليه اليوم هو المنتج: فوضى في كل شيء، في الإعلام والتعليم والتطبيب والمعيشة والتربية. والغريب أننا لا نزال نتساءل: لماذا نحن فاشلون؟ الجواب: فلنتوقف فوراً عن تأجير عقولنا، ونكتفي بما في جيوبنا.

Friday, July 14, 2017

حسن يُفتي: الصلاة على الأسفلت حرام

حسن يُفتي: الصلاة على الأسفلت حرام
        
تناول حسن سماعة الهاتف، وأدار القرص ليتحدث إلى دار الإفتاء، التي كانت وزارة الأوقاف في السابق.  ضرب الأرقام كلها، وقبل أن يضرب الرقم الأخير أعاد السماعة إلى مكانها، إذ لمعت في ذهنه للتو هذه الجملة: الصلاة لا بد ألا تكون سبباً في قتل إنسان. أنا مذنب، سامحني يا الله.

كان يريد حسن أن يسأل: هل يجوز إغلاق الطريق العام من أجل تأدية الصلاة، لا سيما الحاشدة منها، مثل الجُمع والتراويح؟

وحسن هذا يتعامل مع المفتين بحذر شديد، كما هو دأبه في التعامل مع كل الأشياء. مصدر هذا الحذر الدقة المتناهية التي يتمتع بها منذ صغره، وحبه للإتقان في أدق الأمور، لا سيما تلك التي يعتبرها كثيرون تافهة. ولأن حسن يعتقد أن الغالبية العظمى من المفتين لا يتقنون عملهم، وهو الإفتاء، يستفتي على الدوام منطقه، ويدعو الناس على الدوام أن يحذو حذو.

وها هو المنطق يقول لحسن: إن الصلاة تصبح حراماً إن هي قتلت إنساناً. الصلاة ليست أهم من أن تتسبب تأديتها على الأسفلت في قتل إنسان. ولأن القتل يهتز له عرش الرحمن، فالصلاة المؤدية إليه هي بالضرورة لا ترضيه، وبالتالي لن تكون عنده مقبولة على الأرجح. يضيف حسن هنا كلمتين: "والله أعلم"، حتى يغلق على المفتين باباً قد ينفذون منه.

تتسارع الأسئلة في ذهن حسن وتتصارع: من ذَا الذي أوحى لنا أن نحول الصلاة إلى أذى في الطريق، وقد طلب منا النبي محمد (صلى الله عليه وسلم) إماطته عنها، باعتباره أدنى درجات الإيمان؟ فهل يصح لنا ونحن نمتنع عن تطبيق أدنى درجات الإيمان أن نرتكب واحدا من أعظم الكبائر... إنه القتل.

يخوض حسن معركة تأنيب الضمير هذه وقلبه ملؤه الحزن على جارتهم التي واروا جثمانها التراب قبل قليل، بعد أن فشل الإسعاف في نقلها إلى المستشفى في الوقت المحدد على إثر جلطة باغتت قلبها.

كان إمام المسجد قد كَبّر للتو إيذانا ببدء صلاة التراويح، وبدأ المصلون يتراصون على الإسفلت بعد أن امتلأ المسجد عن آخره، سطر وراءه سطر وراءه سطر. وزحفت سيارات المصلين المتأخرين على ما تبقى فارغا من الإسفلت وأرصفته، فأكملت سد الطريق، ولم يعد للمارة، ولا حتى للسيارات منفذ للعبور إلى وسط المدينة.

وما أن أغلق المصلون وسياراتهم الطرق حول المسجد، وأخذ الهدوء يخيم على المكان مفسحاً المجال لصوت الإمام ليعلو أكثر فأكثر، بدأ يعوي صوت الإسعاف الذي امتزج مع صوت ترتيل الإمام.

لا أفهم كيف بدا لنا تسمرنا في أماكننا وعدم استجابتنا لنداءات ضابط الإسعاف عبر مكبر الصوت بإفساح الطريق خشوعاً؟ يتساءل حسن. 5 دقائق، هي ذاتها التي استغرقتها صلاة ركعتين، ربما كانت كافية لإنقاذ حياة جارتنا، يحدث حسن نفسه متحسراً ضارباً كفاً على كف.

كيف نتجرأ بهذه السهولة على الأسفلت؟ وهل يقبل الله صلاة تتسبب، ولو بواحد بالمئة، بمقتل إنسان، يسأل حسن نفسه، بينما يقول له ضميره: الصلاة على الأسفلت غير مقبولة. فالصلاة هي الصِّلة، وهل ترجى فائدة من صلة لا يكون فيها تركيز ويهجرها الخشوع؟، وكيف تكون الصِّلة بأرجل على أسفلت يغلي ورؤوس تكويها شمس حارقة. يواصل حسن التساؤل، وفي كل مرة يجيبه ضميره: حرام حرام حرام. 

Friday, June 30, 2017

متدينون بالعلن خبثاء بالخفاء


متدينون بالعلن خبثاء بالخفاء

           لدي حساسية مفرطة من أن يأمرني أحدهم بعبادة الله بكيفية معينة. قد يبدو هذا الأمر غريباً، لكن الأغرب أنه حين تقول لهذا "الأحد" بأن طريقته المتكررة هذه مزعجة إلى حد التنفير، يكيل لك الشتائم في رسالة خاصة، تبدأ بالاتهام بالزندقة ولا تقف عن حدود التكفير. كان هذا تعريفاً أولياً للنفاق الجمعي الذي باتت تعاني منه مجتمعاتنا، لا سيما في وسائل التواصل الموسومة زوراً بـ"الاجتماعي".

يحمل هذا الصنف من الناس وجهان. الأول يُصدّره للآخرين على أنه متدين يحب الله ورسوله أكثر من غيره. والثاني مختبئ -وفي أفضل الحالات بينك وبينه- متعصب متشدد مانح لصكوك العفو والغفران. يظهر الوجه الأول في ما تعج به صفحته في فيسبوك من آيات قرآنية وأحاديث نبوية وأدعية وأذكار. أما الثاني فسيبدو لك بوضوح حين تدخل معه في نقاش.

ولا يكتفي ذو الوجهين بذلك، فهو لا ينفك يزعجك يوميا برسائل تطالبك بإعادة إرسال رسائله التي يوزعها على من عنده، ويعدهم فيها بمليارات الحسنات، ويتوعدهم فيها بالبلاء، إن طاوعوه أو لم يطاوعوه. يقول في إحداها: "أرسلها إلى كل من عندك حتى إن كنت أنا، وإن لم ترسلها فإن حدثا غير سعيد سينتظرك". وهكذا، سلم هذا الشخص نفسه للخزعبلات الفائضة عن حاجة الشيطان.

في إحدى المرات قررت أن "أنكش" أحدهم حين أرسل لي رسالة تحمل دعاء مرفقاً بطلب إرسالها للآخرين. وقال إن من يقرأ هذا الدعاء يكسب ألف حسنة، فلك أن تتخيل كم ألف حسنة ستجني من وراء ذلك. ودخل في عملية حسابية طويلة عريضة وخرج بأن إعادة إرسال الدعاء ستضمن لك رصيدا من الحسنات مقداره 4 مليارات حسنة. سألته ساخراً وليس مستفهماً: كيف عرفت هذا الرقم على هذا النحو من الدقة؟ أخذ السؤال على محمل الجد وغاب يوماً كاملاً، ثم بعث لي قائلاً: لقد شككتني في حساباتي، لقد أعدت الحساب ووجدت أن العدد صحيح بالفعل! أُعلن الآن: هذا شخص آخر سلّم نفسه للخزعبلات!

وفي مرة ثانية بعث أحدهم يحلفني بالله أن أعيد إرسال رسالة، لا أتذكر بالتحديد فحواها أهي دعاء أم صلاة على النبي محمد، صلى الله عليه وسلم. فقلت له "ناكشاً دماغي": لن أرسلها لأحد. فبعث لي متحسبنا قائلا: كنت أحسب أنك مسلماً، وابن بلد، ولم أكن أعرف أنك...". (وتلفظ بألفاظ تتنافي تماما مع مضمون رسالته الداعية إلى الله). أعلن مجددا: هذا شخص ثالث سلّم نفسه للشيطان الذي أوحى له بالنفاق!

لقد أعرب الرجل الأخير عن دهشته، حين صارحني أنه للمرة الأولى يتلقى رسالة ترفض دعوته. وفي ذلك مؤشر لنعرف كم أن آلاف المنافقين أمثاله ممن يتقبلون رسائل من هذا القبيل أو من المتعاطفين مع أصحابها يندسون بيننا، وسنكتشف ذلك إذا ما حاول أحدنا أن يحك قليلا من الصدأ العالق بأدمغة هؤلاء الناس الذين ينصبون لله الآلات الحاسبة.

وإن كان من ميزة لوسائل التواصل، فإنه يكفي أنها قد أظهرت هذه الوجوه إلى العلن، لنرى كيف يبدو الدين وفهمه لدى مجتمعات بقيت لسنوات طويلة تكتنز الخطأ وتخبئ الخطيئة، تحت واجهتي "المحافظة والتدين"، لكنها في الحقيقة -وإن كانت متدينة أو محافظة كما يرى أصحابها- فإن الأهم ما تكشفه لنا التكنولوجيا وغيرها يوما بعد يوما عن وجه هذه المجتمعات المتشدد، وكيف أن هذا الفهم الشخصي الأحادي المسار الذي لا يرى ما حوله، سيودي بأصحابه إلى مهلكة.

تحتاج هذه الندبات المريضة في جسم المجتمع إلى استئصال، ولا يكون ذلك إلا بوضع الأصبع على الجرح أولاً من خلال تعريتها اجتماعياً، ورفع الغطاء عنها في الفضاء العام لمفهوم الدين، للتعرف على ما تخفيه. فهؤلاء قنابل موقوتة مزروعة في مجتمعاتهم، وهم أخطر بكثير من أولئك الذين لا يكترثون للدين برمته.

انكش راسك على أحد هؤلاء لترى بنفسك إن كان ما في هذا المقال صحيحا أم لا. والله يا جماعة وضعنا صعب، صعب كتير، والجاهلية لا تزال تنخر عظام مجتمعاتنا. والله يعينا علي احنا فيه! 

Wednesday, June 21, 2017

هكذا نصنع المفتين!


هكذا نصنع المفتين!


نتساءل دائماً لماذا كثرت الفتاوى وانتشر المفتون؟ ببساطة، من كثرة أسئلتنا (وغلبتنا) على الفاضي وعلى المليان. نستفسر عن أبسط الأشياء، بل وأتفهها، زهداً بعقولنا التي نحملها في رؤوسنا أو قلوبنا التي في صدورنا. يحدث ذلك في ظل مأسسة الدين وتضخم هذه المؤسسة في مجتمعاتنا، مما جعل الناس يقدسونها ورجالها من دون لله.

وفي ظل هذه المأسسة، تحول المفتي إلى شخص صاحب مهنة، مثله مثل النجار أو الحداد أو السباك. فالنجار لن يصنع لك طاولة إلا إن سألته، والحداد لن يصنع لك باباً إلا إن طلبت منه. وكذلك المفتي يقترض ألا يجب عن شيء إلا إن سألته. المسألة إذن لا تتعلق بالصانع، بل في ما يطلبه "الزبون".

يسأل أحد الزبائن المفتي بكل جدية: هل يجوز يا شيخ أن أتمضمض بعصير مانجا في نهار رمضان؟ يأخذ المفتي السؤال على محمل الجد اتقاء على الأقل، فيجيب السائل، وإن كان السؤال بلا شك مستفزاً. النجار كذلك، لن يستغرب إن طلبت منه أن يصنع لك فرناً من خشب طالما أنك ستدفع له أجرته. في أسوأ السيناريوهات، سيعتبر النجار طلبك فرنا خشبيا بغرض الزينة وينفذ طلبك.

يسال أحدهم: ماذا يا شيخ لو بان جزء من مؤخرتي وأنا أصلي؟ اسأل نفسك بدل أن تسأل الشيخ. ما رأيك أنت؟ هل تسأل الشيخ فيجيبك فيرد عليه شيخ آخر ثم يدخل على الخط شيخ ثالث، وتلوك ألسنة العامة المسألة حتى تصبح قضية رأي عام، أم تلبس سروالا مناسباً يستر "تيتك" وتريحنا بذلك من فتنة محتملة! ولأن الفتنة أشد من القتل، فإن سروالك سيكون "فكة" في هذ المعركة!

لم تكن الفتوى يوما مهنة، ولكن من جعلها تتحول إلى صنعة ارتفاع الطلب عليها، لا سيما في سوق باتت تحكمها سياسة العرض والطلب في كل شيء، نعم في كل شيء، ثم نتساءل: كيف يتحول الدين إلى تجارة؟ ولا ندرك أن هذه العلاقة المعلولة بين السائل والمفتي على هذه الشاكلة هي إحدى هذه الطرق. يحدث ذلك حين ننسى أن الصمت في كثير من الأحيان أفضل من الكلام، أو حين نرفض إعمال عقولنا ولو قليلا في ما نقدم عليه من جرائم كلامية ونرتكب بحق ألسنتنا من انتهاكات فادحة.

يكون إعمال العقل حين يخطر على بالك السؤال التالي: هل يجوز أن أدخل المرحاض بالهاتف وعليه تطبيق قرآن؟ شغل مخك شوية واسأل نفسك: ماذا يفعل من يحمل اسم عبد الله أو عبد الرحمن، هل يجوز له أن يدخل الحمام وهو يحمل اسما من أسماء الله؟ حينها ستعرف كم أن عدم طرح السؤال على المفتي قد أراحك من عناء الوسوسة وقد وضعك عقلك في منطقة يرتاح لها ضميرك كثيرا.


لن يتطور مفهومنا للدين -الذي لا بد أن ينعكس لاحقا على سلوكنا- ولا قيد أنملة طالما أن أسئلتنا في الدين لا تزال بهذا المستوى. وستبقى عقولنا مقفلة أمام الدين طالما أن مثل هذه الأسئلة تنتج كل يوم مفتين جددا، لا يدركون بإجابتهم الاضطرارية عليها كم أن هذا يساهم بإغراق الدين في الوحل أكثر فأكثر.