Wednesday, January 18, 2017

الموت في الأغنية العربية

الموت في الأغنية العربية

ما أن تقرأ العنوان، لا شك أن تفكيرك سينصرف إلى الموت المجرد، لكن معنى الحب في الثقافة العربية، وفي قلبها الأغنية، قد يأتي محمولا على إحدى منحوتات كلمة الموت أيضا، حين نعبر عن شغفنا بالأشياء بالقول "بحبك موت". فالحب موتاً والموت حباً كلاهما –على ما يبدو- سيان في رحاب عنف اللغة، التي يصح أن نضيف إليها أيضا ما قاله العرب قديماً "ومن الحب ما قتل". وهذا الحب، المرتبط بكلمات الموت، مُعبرٌ عنه في الأغنية العربية بمستويات عدة.

ففي قارئة الفنجان، التي كتبها نزار قباني، يُحدث المطرب المصري عبد الحليم حافظ عن موت من نوع "استشهادي"، إذ بَصّرت له البَصارة قائلة: "يا ولدي قد مات شهيداً، من مات فداءً للمحبوب". وهذا الموت يأخذ طابع التضحية المبررة. وهو موت مرتبط بالكرامات الدينية في الإسلام. ومن المعلوم أن له قبول اجتماعي مقارنة مع سواه. بل إنه يتحول في بعض المجتمعات –الفلسطيني نموذجا-  إلى أداة استشفائية تستخدم في إطار التهوين عن المفجوعين بالمصاب الجلل.

وإذ جزمنا أن عبد الحليم يتحدث عن موت المحبوب في حالته لا المحبوبة، فها هو المغني العراقي ماجد المهندس يريد أن يشفي غليله من محبوبته بقتلها تقبيلاً، -وهو قتل غريب- إذ يقول: "إذا أشوفك أموْتك بوس، وأكسر ضلوعك بحضني، أجرحك بالغزل، وأشفي غليلي بيك، حتى تتوب وما تفارقني.. حبيبي". وهذه كلمات فيها من القوة ما يكفي إذا ما وضعت على جبل ربما يتشقق، فكيف إذا قيلت لفتاة رقيقة، أو حتى تُرجمت فعلياً؟ وهذا نوع آخر من الحب المفضي بأقصى درجاته إلى الهيام، الذي إذا ما بلغ منتهاه تحول إلى "حب عنيف".

أما عند المغني الإماراتي حسين الجسمي، فهناك نوع ثالث من الحب المحمول على الموت، يصح أن نطلق عليه "الحب النّدِي". ففي إحدى أغنياته يقول: "بحبك وحشتي.. بحبك وإنتي نور عيني.. دا وإنتي مطلعه عيني.. بحبك موت". ومع هذا النوع من الحب، ليس للمحبوب إلا أن يتعايش مع محبوبته رغم المناكفات اليومية. وهو حب محمول على أجنحة التسامح في نهاية المطاف مهما بلغ الخلاف بين الطرفين مداه.

ويتجلى القتل بـ"الحب الرحيم" -وإن شئت الحب بـ"القتل الرحيم" طالما أن استبدال الموت بالحب والحب بالموت وارد هنا كما ذكرنا آنفا- في مقطع من أغنية "هيدا حكي" للمغنية اللبنانية نجوى كرم: "بلا حكي رمشك قاتل.. كيف لما بتحكي وتغازل ..عم تقتلني وتغازلني.. وبتسألني شو عامل". نحن إذن أمام قتل أداته الغزل. وقد جرح المطرب المصري محرم فؤاد نفسه من ذي قبل بأداة أخرى، هي رمش عين محبوبته، حين قال: "رمش عينه اللي جارحني رمش عينه.. رمش عينه اللي دابحني رمش عينه".

نكتفي بهذه النماذج الأربعة التي تجسد أنواعاً مختلفة من "الحب القاتل" أو "القتل حبا"، فنحن لسنا بصدد تحليل مضامين الأغاني، بقدر ما أردنا الوقوف على ظاهرة لغوية فريدة، تكون معها الكلمات في كثير من الأحيان غير كافية لنقل مشاعر الحب. عندئذ يتم استبدالها بأخرى نقيضة تماماً تعبر عن قيمة هذا الشيء، وهو الحب، في حالة الفقد. وحالة الفقد التام هذه لا يمكن أن تتجسد إلا في الموت أو القتل أو الجرح المفضي إلى الفناء.

وهذا الفعل اللغوي ينقلنا إلى مستوى ثان من النقاش يتعلق بكيفية تشكل المفاهيم والحقائق في العقل العربي، ومن بينهما مفهوم الحب وحقيقة الموت، متجاوزا حدود التعبير اللفظي عنها. فما هو ظاهر من اللغة، ترفعه بلا شك أساسات طمرتها طبقات من التراكمات الاجتماعية وتدافع الأجيال، إلى أن وصل إلينا هذا الإرث مصقولا ومشذبا على نحو يليق بالعصر الحديث، ومُعبرا عنه بصور عدة، واحدة منها مُتضمنا في الأغنية العربية.

إذن، قد لا نذهب بعيداً إن قلنا إن ما وصلنا من هذا الإرث –وإن كان في حقيقته مجازا سيصبح مع الزمن مبالغا فيه- قد أخذ الكثير من مفردات الواقع العربي المعاصر، وتأثر به وتشرب العديد من كلماته الحداثية. فالموت المحمول على مدافع الحروب التي شهدتها المنطقة على مدار العقود الستة المنصرمة (منذ نكبة فلسطين عام 1948)، والذي تكثف مع دخول الألفية الثالثة بدءا من الحرب الأميركية على العراق عام 2003، لا بد أنه قد ترك بصمته في النفسية العربية، ووجد في الأغنية مكانا ليحط الرحال.

وهكذا يبدو الحب المتضمِن للموت، أو الموت المتضمِن للحب، في الأغنية العربية، ردة فعل لكل منهما تجاه الآخر، بل ردة فعل مبالغ فيها، لا سيما حين يردان متلازمين على الدوام، ومترادفين في كثير من الأحيان، بل ومكثفين بصورة غير معقولة على شاشة تلفاز واحدة. فالشاشة ذاتها التي تنقل لك الموت في سوريا في موجز للأنباء، ستبث على الأرجح ما أن ينتهي الموجز فيديو كليب عن المرادف، وهو الحب. هكذا هي القنوات الفضائية، تنقل لك القتل متبوعا بالحب، أو الحب متبوعا بالقتل.

إن الفلسفة، على تعقيداتها، قد تبدو بسيطة حين تصوغها أغنية شعبية تقرن الموت بالحب تارة، والحب بالموت تارة أخرى. ففي هذه الحالة لا ينتبه كثيرون إلى ما يختزنه هذا الاقتران من واقع معاش. يبقى الفارق في ما هو متاح للفيلسوف من تكبير المشهد تحت مجهره إلى أقصى ما يستطيع والغوص في تفاصيله، أو اختزاله في أغنية ذات كلمات قد تبدو لنا عادية، إن لم تكن مبتذلة، حتى وإن غناها شعبان عبد الرحيم (شعبلو).

Friday, January 13, 2017

الفوضى التي بداخلنا

الفوضى التي بداخلنا

حدثني أحدهم ذات مرة في ما يرى النائم، أن شخصاً لم يجد مكاناً في الشارع لصف السيارة، فاقترح عليه آخر أن يضعها فوق الرصيف. نعم فوق الرصيف. قال له الأول إن هذا ليس سلوكاً سوياً، فرد الثاني قائلاً: صف على الرصيف يا زلمة، كل الناس صافة غلط! وهذا المشهد وثيق الصلة بآخر. فقد يحدث أن يدرس أحدهم في إحدى الجامعات الأوروبية أو الأميركية، ولا يجرؤ خلال هذه السنوات أن يرمي ورقة في الشارع، لكن ما أن يعود للوطن ترى كم أن التعليم الجامعي والتعلم الاجتماعي، لم يؤدباه بما فيه الكفاية للاستمرار في السلوك ذاته، فها هو يرمي عقب السيارة من نافذة السيارة، وهو يردد: "بلد زبالة"!

وهذان المشهدان لهما جذور من الفوضى ضاربة في أعماق المحيط الأسري الذي ترعرع في أحضانه أمثال هؤلاء، والوسط التربوي الذي شكل ثقافتهما وصقلها على هذا النحو الفوضوي الذي بات متأصلا ولا يمكن الانعتاق منه. وإلا، لِمَ سرعان ما يطفو إلى السطح كل هذا سلوكاً همجياً إذ ما انعدمت الرقابة الذاتية أو حتى المراقبة القانونية، فيما يشبه الاشتياق للعودة إلى أيام الطفولة والحنين إلى أيام المراهقة المنفلتة من عقال الحكمة؟ وهذا ما يفسر كيف تبدأ الفوضى أولا فردية، ثم تحظى برعاية أوسع في مجتمع يستبطن ثقافة تربوية معلولة ثانياً، إلى أن تصبح ظاهرة تستدعي تقنينها من أهل الحل والعقد أو استخدامها من الحكومات ثالثاً.

وبين الفوضى التي تتخلق فردياً قبل أن تتنقل للفضاء العام في صور قد تبدو منظمة وبرّاقة، تنساب مواقف -لم تعد لمن يقومون بها أو مستقبليها غريبة- من قبيل أن  يضرب أحدهم معك موعدا "بعد الظهر". وبين الظهر والعصر قرابة أربع ساعات، هي في عمر الوسط التربوي والتعليمي الذي عاش فيه قد تعادل أربع سنوات يكون قضاها على الأرجح في الفوضى وأفضت إلى أخذ المواعيد بهذا الطريقة. وفي إطار الفوضى الفردية أيضا -والتي ترعاها مطاعم يعجبنا أنها "عابرة للقارات"- بتنا نأكل ما لا يُهضم فظهرت أمراض لم يكن يعرفها آباؤنا ولا أجدادنا. تغرينا العروض التجارية، وطرق عرض البضائع على رفوف المتاجر فنشتري ونشتري ونشتري (نشتري بالتلاتة) ثم نلقي معظم هذا أو كله في الزبالة بعد أيام. نشتري بيوتا على ورق، بالتقسيط المميت، على أمل البحث عن سعادة ما أن نصلها نكون قد بلغنا من العمر عتيا. بتنا لا نقيم حرمة للأعياد الدينية أو المناسبات الوطنية، فلا يثير استغرابنا مثلا إن نظرنا في الساعة فوجدناها الثالثة فجر ونحن ما زلنا في مكاتبنا نعمل وكأنها الثالثة عصرا.

ولتغطية تكاليف كل هذا، كان من الطبيعي أن يتعاظم إنفاقنا الفردي، الذي نتشابه فيه كلنا تقريبا، فنفلس في الثلث الأول من كل شهر. وأمام انهيار منظومة إدارة ذواتنا فرديا، والتي أصبحت لاحقا ظاهرة انهيار جماعية، حفرت الحكومات منفذا لها يؤدي إلى جيوبنا حين وجدت نفسها بادئ ذي بدء وبشكل فجائي في مركز هذا الخضم الفوضوي. ومع مرور الوقت فطنت إلى موقعها المحوري في المركز الذي سيجذب إليه بدءاً من الآن كل الأطراف الدائرة في فلكه، أي نحن، وبالأحرى جيوبنا. لاحقا، تستهوي الحكومات هذه اللعبة القائمة على شد الناس إليها وتشبثهم بها، فتعمد عن قصد إلى خلق خيوط جديدة ترمي بها في بحر الفوضى -الذي تطلق عليه السوق- ليعلق -وإن شئت ليغرق- بها كل من لمسته أو لمسها. من جديد، أمَا وأن الفوضى قد ضاقت بها دواخلنا، وطفحت فتلقفتها الحكومات تحت ضغط الطلب الفردي الذي تحول إلى جماعي على الأشياء، كان لا بد من وضع منظومة مقننة تحكمها.

إذن، وأمام كل هذه المنافذ الجديدة للهدر، و"متعة التسوق" أو "التسوق من أجل المتعة"، كان لا بد أن تُنشئ الحكومات بنوكا دائنة، ودورا للتمويل (الربوي والإسلامي والمختلط، أي كان المسمى، المهم أن تصل إلى جيبك) باعتبارها منظومات "أكثر فاعلية" -من وجهة نظرها- للإقراض البنكي، والبيع على الورق بضمان الراتب، لتُغرق الناس في الفوضى أكثر فأكثر، لتضمن بذلك انجذابهم على الدوام للمركز الذي تحكم قبضتها عليه. يرى  الأفراد بطبيعة الحال في ذلك خلاصاً من مشكلاتهم وتدبيراً مبتكراً للنفقات. وإن كان هذا أمراً غريباً، أو تحليلاً غير مألوف، فإن الأغرب تواطؤنا مع هذه المنظومات الاستهلاكية الجديدة التي دخل استخدامنا لها مع الوقت مرحلة إدمان، يتطلب التخلص منها قضاء بقية سنوات عمرنا في "أسواق استشفائية" تتيح لنا مساحة أكبر للتفكير في طرق استهلاك رشيدة، وتقلص مساحة التفكير الاستهلاكي، الذي لا شك أنه مرهق جداً للجيوب والنفسيات والصحة.

في ظل هذا كله، كان من الصعب على منظومات القيم والأخلاق والمبادئ التي بنتها المجتمعات على مدار قرون، أن تصمد أمام الموجات المتلاحقة لمثل هذه الفوضى، فتصدعت أمام أعيننا وانهارت تماما كبيت من ورق في سبيل الاحتكام إلى منظومات الفوضى التي قننتها الحكومات، وشرعتها الدول، ووضعت قواعدها الشركات العابرة للقارات. وما أخرس ألسنتنا، وأقعدنا عن التحرك بوجه هذه الفوضى، أنها جاءت محمولة على ضخ تنظيري مكثف لمفاهيم مدغدغة للمشاعر ومحصنة ضد أي اعتراض فردي أو حتى جماعي، مثل الانفتاح وحرية السوق والعولمة، لنكتشف لاحقا كم أنها كانت حرية منفلتة من عقال قيمها وأخلاقها ومبادئها، فداست على أجسادنا كما يدوس أحدنا بحذائه على الصرصار في مطبخ بيته.

قد يرى بعض القراء في ذلك النقد جلدا مبالغا فيه للذات، وقد يتساءل آخرون: لِمَ تسمي هذا كله فوضى؟ ألا ترى فيه تغيرات ضرورية فرضتها حركة التنامي المتسارع للمجتمعات؟ هذا اعتراض منطقي، لكنه ليس دائماً صحيحاً. فالمنطق يقول أنه علينا أن نُكيّف المتغيرات لمصلحتنا، لا أن تُكيّفنا المتغيرات على هواها. نعترف هنا أنه ليس بالإمكان تكييف كل المتغيرات وفق ما نريد، لكن بمقدار ما ترجح كفة تكييفك للمتغيرات لتعمل لمصلحتك، على تكييفها هي لك لتعمل لصالحها تكون فرص الهدر لديك أقل، في الوقت والمال والجهد، وحينها سترى كم أنك منحت حياتك معنى جديداً يقدر قيمة الأشياء ويثمنها كثيراً مهما كانت ضئيلة. ألم يقل العرب قديما "على قد لحافك مد رجليك"؟

خلاصة القول، فكما أن الفوضى تبدأ فردية قبل أن تخرج إلى المجتمع، فإن التغيير أيضا قرار شخصي بالدرجة الأولى، حاله في ذلك حال كل الأشياء التي تبدأ فردية إلى أن تتشكل بقوة التدافع المجتمعي حالة أو ظاهرة، إذا ما تكثفت في مجتمع وتواضع الناس عليها في عقد اجتماعي واضح مع أهل الحل والعقد. نسأل الآن من ألقى عقب السيارة من النافذة: هل عرفت لماذا تلفظت "لا إراديا" بكلمتي "بلد زبالة"؟

Sunday, December 25, 2016

عامان من الرحيل

عامان من الرحيل

رحل يوم ميلاد المسيح عيسى عليه السلام، ولا أعرف إن كان لهذا دلالة. لكن ما أعرفه أنه كان قد استأذننا للمغادرة أكثر من مرة بنداءات صوته الخافت، إلى أن تحيّن الخامس والعشرين من ديسمبر أو هو قد تحيّنه، وتدخل القدر في التنفيذ. قال إنه ولد في العام 1923 في بلدة يبنا، وإن كانت بطاقة هويته التي منحه إياها الاحتلال الإسرائيلي عقب نكبة 48 تشير إلى الأول من يناير 1926. كان دائما يقول وبإصرار: "لقد زور اليهود الصهاينة حتى تاريخ ميلادي".

من العام 1923 حيث تفتحت عيناه على الدنيا، إلى العام 2014 حيث أُطفأتا، قطع الختيار شوطاً مدته 91 عاما، كان شاهدا خلاله على زرع بنين وحفدة في 10 دول في العالم (فلسطين، ألمانيا، كندا، أميركا، بولندا، هنغاريا، بريطانيا، قطر، الكويت، الإمارات). بذرنا في كل مكان وبقي يحرس الجرن، فلم يبرح فلسطين إلا للحج، كما لم يكن له جواز سفر، وهذا دأب المحاربين القدامى.

كان له في الناس رأي خاص. فقد قال ذات مرة: إن الناس كالحجارة في مصنع الطوب. إذا ما أراد أحدهم بناء مسجد يكون نصيب حجر ما المحراب، بينما يثبت آخر في المرحاض. وقد كانت شيخوخته تند عن حكمة نادرة كلما تقدم به العمر. وها هو صوته يرن في أذني حتى اللحظة حين حكى هذه القصة. فقد دأب تاجر حمير على ابتياع أرخصها. فمرة يأتي إلى حظيرة البيت بحمار مجروح، وثانية بحمار أعرج، وثالثة بحمار هزيل. ولما استنكر عليه ابنه الغُر ذات مرة هذا الفعل قائلاً: يا أبتي لِمَ لا تأتي لنا بحمار زي الناس. فرد التاجر على ابنه: ما في حمار زي الناس، في ناس كثير زي الحمير!

كان رجلاً ذو نكتة، وكان يجترح نكاته من الحياة بمهارة قلّ نظيرها. يوقفه أحدهم قائلاً: هاتلك واحدة من الدرج؟ يفهم المراد، ثم يبتسم بينما يميل إلى أذن محدثه قائلا: اعتلى الإمام المنبر، وما أن أخذ يخطب حتى بدأ شخص من وسط المصلين يشيح بأصبعه الأوسط للإمام (يبعبص). استمر الخطيب في كلامه، لكنه كلما التفت للرجل وجده على حاله يرفع له أصبعه الأوسط. استمر الرجل على ذلك إلى أن نزل الخطيب عن المنبر. في الجمعة التالية، كرر الرجل فعلته في وجه الخطيب. وعلى مدار 30 دقيقة من زمن الخطبة لم يتوقف الرجل عن الإشاحة "ببعبوصه" في وجه الخطيب. كظم الخطيب غضبه ودعا للرجل بالهداية. في الجمعة الثالثة صعد الخطيب درجات المنبر وهو يتمتم داعياً بألا يصادف ذاك الرجل بين المصلين. لكنه ما أن بدأ بالخطبة، حتى شن الرجل هجومه الذي دأب عليه، لكن هذه المرة بيديه الاثنتين. كان الخطيب قد وصل إلى دعاء الختام في الخطبة الثانية، وقد غلا الدم في عروقه، فانتفخت أوداجه واحمر وجه وهو يتميز من الغيظ، ثم وجه كلامه للرجل بحديث نبوي "ثلاثة لا يدخلون الجنة: الديوث (الذي لا يغار على عرضه)، الرَّجُلة (المرأة المسترجلة)، ومدمن الخمر". ثم واصل: وأضيف رابعاً، هذا الرجل ابن.... الذي لم يتوقف عن البعبصة في جهي على مدار جُمع ثلاث!

كان رشيقاً نحيفاً، ذو عظم رقيق دقيق. لم يكن جسمه مترهلاً بالدهون. لم أرَ له كرشا قط. كان هذا نتاج نظام غذائي فريد لم يصفه له أي أخصائي تغذية، بل هو من وضع قائمته. كان لا يرى إلا في أكل البيت طعاماً، والفاكهة الطازجة المنتقاة بعناية لذته. كان يعشق ثمرة الصبر، ويغذي منها صبره. تحت شجرة العنب الوارفة التي تظلل ساحة البيت، وفي الزاوية المقابلة تحديداً للساحة الخارجية للمنزل حيث شجرة الزيتون، كان يقضي وقت القيلولة إما نائماً أو مستلقياً يتفحص حبات العنب الأسود الداكنة المتدلية من العناقيد التي تكسو سماء البيت. لم يأكل يوماً البيتزا أو الكنتاكي، كما يفعل الأبناء والأحفاد اليوم. ولم تعرف معدته المياه المفلترة. وهو الذي كان دائماً يستهجن كيف نشتري الماء وبيوتنا ملأى بالصنابير! لم يكن مدخناً. كان إدمانه الوحيد الشاي إما بالنعنع أو المرمرية.

حدثني كثيراً عن مسقط رأسه، يبنا (قضاء الرملة) التي كانت عامرة قبل أن تدمرها العصابات الصهيونية عام 1948. وفي هذا العام تحديدا كان شاباً يافعاً يبلغ من العمر 25 عاماً. وقد تزوج وهو في الثامنة عشرة، وأنجب أول أبنائه على أرضها. في عام 1978 عاد إلى يبنا مجدداً يتفقدها فوجدها مهجورة، لا دبيب للناس فيها، لكن كل شيء هناك كان على حاله، اللهم من بعض غبار قد اعتلى الأشياء. صومعة القمح، البَدْ (معصرة الزيت قديماً)، مقام أبو هريرة، بئر باتت معطلة، وها هي مئذنة المسجد لا تزال منتصبة، ومدرسة القرية التي تخرج في صفها السادس الابتدائي صامدة أمام التاريخ.

تمر هذه الذكريات وغيرها أما عيناي اليوم، وكل يوم، وقد تضخمت وأصبحت أدق وأكثر وضوحاً. ألمح روحه تسري في التفاصيل، النكات، المواقف، الضحكات، الآهات، الالتفاتات. تمر الذكرى تلو الأخرى من بين أهداب العينين مع كل طرفة، بسرعة. فأغلق عليها الجفنين طويلاً، ثم أدقق في معالمها، فأراها مكبرة، غزيرة بالتفاصيل، ثقيلة بالمعاني، مليئة بالحكمة. لا أحرر الذكرى إلا بعد أن أُشبع منها دواخلي حتى أنتشي. وها أنا ذا أغمض جفناي على ذكرى رحيلك الثانية. وإلى أن تحين الذكرى الثالثة، ماذا عساي يا أبتي أن أرى فيك من تفاصيل في المسافة الفاصلة بين ذكريين؟

Tuesday, December 20, 2016

في تأليف أول كتاب

في تأليف أول كتاب

حين تألف كتابا فأنت تألف كتبا عدة بدون أن تدري. هذه حقيقة أولية. وحين تبلغ منتصف الطريق بالتحديد، ستعرف كم أن العودة قد أصبحت مستحيلة. هذه حقيقة ثانية. وحين تقترب من الإنجاز ستدرك كم أن التجربة كانت مضنية ومرهقة لك ولمن حولك. هذه حقيقة ثالثة. وحين يكتمل العمل في نسخته الأولية ستشعر كم أن الانعتاق من قبضة الأفكار في ذهنك بعد أن صببتها على الورق قد حرر جانبا كبيرا من روحك التي كانت حبيسة الكلمة. هذه ليست الحقيقة الرابعة، بل الحقيقة كلها.

ولأني لا أَمَلُ الحديث عن مهنتي، وأرى في عيون الناس شغف كبير لمعرفة خباياها، فقد كانت البداية بمجرد اقتراح طرحه أصدقاء أعجبهم على مدار سنوات ما أحدثهم به عن عالم الصحافة، وتحديدا مصائب الكتابة والكُتاب، ومزالق التحرير والصحفيين في صياغة النصوص الإخبارية. كنت أتحدث في بادئ الأمر للأصدقاء عن أخطاء تحريرية يومية تقع فيها أغلبية وسائل الصحافة. وقد قادني تكرارها إلى تجميعها على مدار سنوات عدة قضيتها في غرف أخبار مؤسسات صحفية متنوعة، لتكون نماذج أزعم أنها تصلح للتدريب والتدريس في مجال صناعة الأخبار في العالم العربي.

وما أن انتهيت من النسخة الأولية يملؤني الفرح -أخيرا أصبحت "مؤلفا"- وضعتها بين يدي مرشدي في هذه الدنيا المربي سعود الحركان، وهو واحد ممن شجعوني بقوة على إعداد الكتاب. وكم كانت صدمتي كبيرة حين قال لي بعد أيام من انتظار تعقيبه: هذا كتاب لا يصلح للنشر! أجبته بتسرع وفي بالي معاناة أشهر من العمل فيه: لكن هذا نسف للمشروع بأكمله. لقد استنفدت كل ما لدي من كلام وأفكار، وما من جديد يمكن أن أضيفه للقارئ. فقال: لقد قلتها، القارئ. إن أي قارئ لن يستطيع قراءة شيء كتبه المؤلف لنفسه، وليس لغيره. قلت: ماذا تقصد؟ قال: أنت بحاجة إلى إعادة تقسيم الكتاب بطريقة تسهل عليّ كقارئ غير مختص بالصحافة أن أفهمه بدون طرح أي تساؤل.

استنفد مني هذا التعقيب القصير، ثلاثة أشهر أخرى، قضيتها في تقسيم الكتاب إلى أبواب، والأبواب إلى فصول، مع كل ما صاحب ذلك من إعادة صياغة أجزاء كبيرة منه، وتقديم وتأخير في المادة المكتوبة، وإعادة تصنيف، وحذف وتبديل، وكتابة مقدمات جديدة، واستحداث خلاصات لكل باب وكل فصل على حدة، وكتابة إحالات تمهيدية بين الفصول من جانب، والأبواب من جانب آخر. وحين انتهيت، شعرت بالفعل بتحسن كبير في طريقة عرض المادة المكتوبة، مما أدخل السرور إلى قلبي. وهكذا بددت هذه الفرحة التعب.

لكن الرحلة لم تنته بعد. إذ أوعز إليّ أكثر من صديق اطلعوا على المادة الأولية للكتاب أن اللغة المستخدمة فيه لا تصلح لكتاب هو في الأساس تدريبي. وحين راجعت المادة فطنت بالفعل إلى أن اللغة كانت "أبوية" -أب ينصح ابنه المراهق- كما لاحظت أيضا أن المادة مطعمة "عمدا" بكثير من المفردات الدافعة للتندر، التي كنت أحسب أنها مهمة في جعل المادة خفيفة الظل على القراء. وقد كان تعديل مسار لغة الكتاب أصعب من المرحلة التي سبقته في التبويب والتقسيم والتصنيف.

فقد قضيت العشرات من الساعات في إعادة صياغة نص الكتاب وتهذيب لغته وتشذيب جُمله، فحذفت كل المفردات التي قد تستفز أحدا بدون قصد، وشطبت جملا وأعدت صياغة أخرى، واستبعدت صفحات واختصرت أخرى في كلمات معدودة. وقد أتاحت لي هذه المرحلة فرصة استحداث فصول جديدة، وهي فصول مهمة لم تكن لترى النور لولا هذه المراجعة. كما أن بعضها جاء محمولا على نصيحة من بعض الأصدقاء. وكم كانت سعادتي غامرة حين انتهيت أخيرا من "ضبط" الكتاب في نسخته النهائية، متضمنا ستة أبواب تحوي بدورها عددا من الفصول.

وعلى مدار هذه الأبواب والفصول تم استحداث مفاهيم تحريرية جديدة، نذكر من بينها الإتيكيت التحريري، والذائقة التحريرية، التفقير كأساس للتحرير، واستراتيجيات التحرير، ومستويات التحرير وتقنياته، والكتابة للحواس، والصحيح المعلول، وبناء أجزاء الخبر وتطويرها، والتلوين التحريري، والكنكنة واستخداماتها، والتطويل المحمود، وتجبير المكسور، والبرمجة التحريرية، والإعراب التحريري، والمنطق التحريري، والجودة التحريرية. وفي الباب الأخير، الذي حمل عنوان "من الكلمة إلى الحرف" يستعرض الكتاب مفاهيم عصرية في التحرير الصحفي، من بينها الجمهور الوسيط، القارئ المحرر، ومستقبل شكل ومضامين الأخبار. عندها ينتهي الكتاب ليعود في آخر صفحة فيه بعنوان ليس ختاميا هو "بداية القصة".

مستقبل تحرير الأخبار

مستقبل تحرير الأخبار

لم يكن عدد كلمات الخبر قديما مثل قرينه اليوم. كان الخبر قديما يتجاوز الألف كلمة في المتوسط، والآن لا يتجاوز في أكثر حالاته 500 كلمة. ولم يكن شكل الخبر قديما مثله نظيره اليوم. كان الخبر قديما يحمل أنواعا عدة من العناوين موزعة على أكثر من سطر، فضلا عن مقدمات رطينة مختلفة. وكانت هذه العناوين وتلك المقدمات لا تحفل كثيرا بالاختصار. فضلا عن أن جسم الخبر قديما كان مترهلا بالتفاصيل. والآن تميل الأخبار إلى الاختصار في كل شيء: عنوان من سطر واحد لا تتجاوز كلماته الستة، ومقدمة مباشرة تغنيك حتى عن قراءة بقية التفاصيل، وجسم مكثف في 150 كلمة أو ضعفها.

ما نبشر به من الآن، أن ما هو عليه الخبر هذه الأيام من مضمون وشكل (عنوان واحد ومقدمة مباشرة وجسم مختصر جدا) لن يكون موجودا في المستقبل. وهذا المستقبل ليس بعيدا. فنحن نتحدث عن السنوات العشر المقبلة على أبعد تقدير، إذ سيصبح الخبر في أطول حالاته عنوان ومقدمة، وفي أقصرها عنوان فقط من 7 كلمات في المتوسط. وقد بدأت بوادر هذا التغير تظهر بالفعل في الآونة الأخيرة. وأبرز صوره ما دأبت عليه مواقع إلكترونية إخبارية عدة، من إنشاء صفحات للنقل المباشر للأخبار الضخمة ذات التداعيات التي تستمر أياماً، مثل التفجيرات التي وقعت في العاصمة الفرنسية باريس في نوفمبر 2015. (موقع فرنسا 24 مثالا).

وقد خصصت صحف إلكترونية عدة صفحة مستقلة لتغطية هذا الحدث وغيره، وذلك عبر تدوينات قصيرة بحدود 10 كلمات أو 13 كلمة للواحدة تبثها مستقلة بين اللحظة والأخرى. وبهذا الطريقة تتوالى التدوينات فوق بعضها البعض، من الأحدث في الأعلى إلى الأقدم أسفل منها مباشرة. وبذلك، ويصبح بمقدور المتلقي إذا ما دخل الصفحة أن يعرف أحدث تفاصيل القصة، ويتعرف كذلك على ردود الفعل المتعلقة بها وتفاصيلها كاملة. لكن ليس في خبر واحد، بل بطريقة "الحقن المعلوماتي". إذ يشكل كل سطر كوداً معلوماتياً مستقلاً بذاته، يقدم معلومة مجردة بدون كلمات ربط أو عبارات نقل، كما هو الحال في النص الإخباري التقليدي. وفي ذلك محاكاة لما عليه سرد المعلومات في تويتر في تدوينات متتابعة ومستقلة كل واحدة منها تحوي 140 حرفاً فقط. وبات تجميع الخبر مهمة المتلقي لا المحرر، إذ على القارئ أن يقرأ ويركب مربعات الخبر، الواحد جنب الآخر، كي يرى الصورة كاملة.

والحال كذلك، فإننا نرى أن المستقبل سيكون واعداً للمواقع الإخبارية الإلكترونية أو تطبيقات الهواتف الذكية التي تعتمد على خبر لا يزيد عن 50 كلمة (العنوان والمقدمة). وسيختلف شكل العنوان ومضمونه. فمن ناحية الشكل لن تزيد عدد كلماته عن كلمتين أو ثلاثة، وإن كانت كلمة واحدة يكون ذلك أفضل. أما من ناحية المضمون فسيكون العنوان بمثابة "براند" للقصة التي نكتب عنها، ويحمل فقط وصفاً بسيطاً لها بدون تفاصيل كثيرة. كأن نقول مثلاً: الحرب في سوريا، أو الأزمة اليمنية، أو الصراع في ليبيا. ومن الممكن الاستعاضة عن هذه العناوين الثلاثة بكلمة واحدة لكل منها يشير إلى مكان القصة، كأن نقول مثلاً، سوريا أو اليمن أو ليبيا.

وقبل أن يصبح ذلك واقعاً مفروضاً وظاهرة إخبارية في السنوات القليلة المقبلة، نحتاج إلى وقت وجيز لتقبل مواقع إلكترونية وتطبيقات يمكنك تصفح أغلبية أخبارها بينما تقف بسيارتك في الشارع أمام إشارة المرور الحمراء. ففي 90 ثانية، وبينما أنت بانتظار أن تصبح الإشارة خضراء، سيكون بمقدورك قراءة 10 أخبار على الأقل من حول العالم، من هاتفك الذكي، على اعتبار أن الخبر الواحد سيكون بحدود 40 أو 50 كلمة. وهذا العدد من الكلمات يمكن قراءته في وقت زمني متوسطه 10 ثوان.

قد يظن البعض أن هذا سيكون مقبولا في الأخبار الخفيفة والمسلية، لا سيما الرياضية منها، إلا أننا نتوقع أن ينسحب على الأخبار الجدية السياسية والاقتصادية في زمن السرعة التي هي رديف الاختصار والاختزال. كما قد يتباد إلى ذهن كثيرين أن هذا النوع من الأخبار (عنوان ذو كلمة ومقدمة من 40 كلمة)، يليق بتطبيقات الهواتف الذكية، لكن التجربة تقول أن المنافذ الإخبارية التفصيلية (الصحف والمواقع الإلكترونية) هي من تخضع في نهاية المطاف للمنافذ الإخبارية المختصرة (التطبيقات والنسخ الخفيفة للمواقع).

ختاما، صحيح أنه إلى الآن لم تظهر تطبيقات إخبارية للهواتف الذكية تستند في أخبارها إلى عنوان من كلمة ومقدمة لا تزيد عن 50 كلمة، لكن التجربة تقول أنه مع تقلص النص الإخباري، ورغبة الناس في البحث عن كل ما هو مختصر، فإن الوسيط الناقل للخبر سيتقلص أيضا، إذ ستبدو المواقع الإلكترونية فضفاضة على خبر لا تتجاوز سطوره الأسطر الخمسة.

لماذا تآكل النص الإخباري؟

لماذا تآكل النص الإخباري؟


النص الإخباري يتآكل يوما بعد يوم. كانت الصحف قديما، قبل أن يعرف العالم التلفزيون، تتبارى في التدليل على رصانتها وجدتها بمقدار ما تفرده للموضوعات من أعمدة وصفحات مليئة بالكلمات تَعدُ بالآلاف. بقدوم التلفزيون، اختزلت الصورة الكثير من نصوص الصحف، وزحفت على أرضية كلماتها. فالصورة تغني عن ألف كلمة. وفي مطلع هذه الألفية تضخمت الصورة بشكل أكبر وغطّت على النص الذي بالكاد بات يُرى. أمام كل هذا، من المنتظر أن يختفي النص الإخباري تماماً؟ وإن كان الأمر كذلك، فما مستقبل تحرير الأخبار المعتمد أساساً على النص والكلمات؟

إن ما وصلت إليه الصحافة اليوم من تطور في كل وسائلها لا بد أنه كان كامنا في التفكير الدائم لدى السابقين في كيفية توصيل المعلومات بصورة أسرع وأسهل وأوسع. وما سنتناوله في هذا المقال باعتباره استشرافا للمستقبل، يختزن بلا شك بدايات ستكون للقادمين إلى هذه المهنة بمثابة أساسات جديدة للانطلاق إلى عوالم أخرى في صياغة الأخبار لم تتكشف معالمها بعد. وفي جردة سريعة لما كانت عليه الأخبار قديما وما آلت إليه اليوم، تبرز أربعة عوامل كان لها مفاعليها في اختزال النص الإخباري من آلاف الكلمات قبل سنوات، إلى 140 حرفا في أيامنا هذه. وهذه العوامل هي: تطور صناعة الخبر والتي أدت بدورها إلى تعدد الوسائط، مما خلق منافسة بين الوسائل، وأخيرا ازدياد انشغالات العامة.

فعندما كانت الصحافة المكتوبة هي الوسيلة الأولى للمعلومات فيما سبق، بل والوحيدة أيضا، كانت تتضافر في طريقها عوامل مثل التفرد وجنوح القائمين عليها للتجريب وشغف الجمهور المتعطش للاحتفال بالصحيفة كمولود جديد، من أجل الإطالة في سرد التفاصيل التي لا يوقفها إلا قرب الوصول إلى الحافة السفلية من الصفحة. لكن هذا الاحتفاء بالصحيفة بدأ يتقلص ما أن تحولت الصحافة من "الهواية" إلى "الحرفة"، إذ بدأت تأخذ قالبها الصناعي المستند إلى كثير من الاعتبارات، وفي صدارتها "بزنسة المهنة". وقد أضفى تعدد الوسائل، وظهور الراديو ومن ثم التلفاز، على الصناعة صبغة جديدة مستمدة من خصائص هذه الوسائل، يتعلق أبرزها بسرعة توصيل الخبر إلى الجماهير الغفيرة واختصاره في كلمات معدودة. ومع احتدام المنافسة على السرعة، كان النص الإخباري إحدى ساحات معاركها، فابتدع التلفاز "الخبر العاجل". وكانت هذه الحالة بمثابة ولادة نص جديد يرحب بالمتلقي على طريقته: الخبر في 10 كلمات... أهلا وسهلا بك عزيزي المتلقي في الألفية الثالثة.

دخلت الصحافة المكتوبة الألفية الثالثة وهي تصارع ألا يزيد عدد كلمات قصصها عن 500 كلمة. وأمام سطوة المواقع الإلكترونية الإخبارية تراجعت نصوصها إلى حدود 300 كلمة، في محاكاة فرضتها عليها عوامل السوق، وفي مقدمتها المحافظة على أعداد توزيع تكفيها المسألة وتقي بها ظهرها من طعنات التكنولوجيا المتنامية بلا حدود. وهكذا غابت القصص التفصيلية والتحقيقات المطولة عن كثير من صفحات الصحف حول العالم، وانخرطت في منافسة مع النص الإلكتروني، سواء كان تلفزيونيا أو مواقع إخبارية، مع كل ما في ذلك من سلبيات على المتلقي، ومحاسن ترى فيها المؤسسة إيجابيات. إلى أن أتت الضربة القاصمة للنص الإخباري من مواقع التواصل الاجتماعي التي ذاع صيتها على مدار السنوات الإحدى عشرة الأخيرة (2005-2016)، فتأسست صفحات وحسابات مستقلة -تشبه إلى حد كبير وكالات الأنباء- في هذا الفضاء الجديد تلخص الخبر في سطر واحد لا يتجاوز عدد كلماته العشرة.

لكن، السؤال الذي قد يتبادر إلى ذهن البعض، ونحن أمام هذا التقلص المستمر في النص الإخباري: أين مصلحة المتلقي، بل حقه في معرفة التفاصيل، التي ما قامت وسائل الإعلام إلى من أجل تقديمها له على طبق من ذهب؟ جوابنا على ذلك هو في ما يعج به الفضاء العام اليوم من شذرات إخبارية على تويتر، ومعلومات متناثرة في فيسبوك، ساهم فيها المتلقي نفسه (المواطن الصحفي)، ومن ثم راهنت المؤسسة الصحفية -أي كانت ماهيتها- على دوره وقدرته -إن قُدّرَ له- في تجميع كل هذا الذي تشتت وتشظى في منافذ عدة لرسم صورة كاملة للواقع الذي يعيشه.

لقد تواطأت المؤسسة الصحفية مع المتلقي، بأن بادرته في تقديم محتوى على هواه، وكما يروق له هو فقط، وامتنعت عن القيام بواجبها الأصيل في تقدم محتوى يثبت للمتلقي تفردها في تقديم جانب معرفي ثري فريد، بل وجدها المتلقي في كل مرة تتماهى في تقديم محتواها وفق ما هو جديد من وسائل، هو نفسه يستخدمها ويمكنه من خلالها إنتاج محتوى يضاهي محتواها، بل ويتفوق عليها. بل ذهبت المؤسسة الصحفية إلى أبعد من ذلك، حين جعلت من المواطن العادي مصدرا لرسائلها الإخبارية، وناقلة لمحتوى تنتجه جماهيرها، وهذا ما أدى بدوره إلى تآكل هيبتها المحمولة بالأصل على المحتوى الذي تقدمه، وفي القلب منه النص.

يضاف إلى هذا كله استغلال -أو حتى عدم استغلال- المؤسسة الصحفية لانشغالات المتلقي، وشغفه في البحث الدائم عن متنفس ترفيهي بعد يوم عمل طويل أو ملل، وهذا المتنفس لن يجده بطبيعة الحال في نص سياسي جامد شكلا أو قوالب معرفية جافة مضمونا، بل سيكون في كل ما هو مسل، من قبيل أخبار الجنس المصاحبة للفنانين والمشاهير، وكذلك الطريف والغريب من الأخبار، بالإضافة إلى الخزعبلات الفلكية أو الفضائية التي تنفيها بشكل شبه يومي وكالة "ناسا"، فضلا عن نتائج الدراسات التي تجريها مراكز أبحاث لأغراض تجارية، من بينها واحدة تقول: إن قيادة السيارة تزيد الوزن!

خلاصة القول، إن صحافة التفاصيل والمعرفة، أي كانت الوسيلة التي تحملها، هي غائبة الآن -أو بالأحرى مغيبة بفعل فاعل- عن حاضرنا، وهو ما يفتح الباب على مصراعيه للتنظير لمذهب تسطيحي جديد في عالم الأخبار، يركن كثيرا إلى قدرة المتلقي على التركيب، بدل تقديم الصورة كاملة له. كما يستند هذا المذهب بشكل كامل إلى تقديم ما يعزز شغف المتلقي ويشبع غريزته الشرهة باتجاه ما يحبه فقط. إلى هنا، توقف دور المؤسسة الصحفية عن الإمساك بزمام المبادرة، ولم تعد سباقة إلى تقديم معرفة تفصيلية ترى أنها ضرورية للمتلقي وغائبة عن تفكيره ولا يمكن أن تخطر على باله.

أغلقوا المواقع.. التطبيقات قادمة

أغلقوا المواقع.. التطبيقات قادمة

خلال السنوات العشر المقبلة، إن لم يكن أقل، ربما يعيش المشهد الصحفي حالة جديدة، سيكون أبرز معالمه بدء إغلاق مواقع إخبارية إلكترونية معروفة، صفحاتها في الإنترنت، لصالح التطبيقات الإخبارية للهواتف الذكية والأجهزة اللوحية الآخذة في التنامي. هذا المشهد يشبه تماما تخلي صحف عتيدة، آخرها الإندبندنت البريطانية في مارس الماضي، عن نسخها الورقية ، بعد أن سحب الإنترنت البساط من تحت أقدام الورق، فجف الحبر في مطابعها وتوقفت عن العمل.

واليوم، لا أحد تقريبا في العالم العربي، يشتري صحفا ورقية، كما أن معدلات توزيع الصحف الغربية تشهد يوميا تناقصا مستمرا. ولم تعد النسخ الورقة للصحف سوى جزء من موروث تراثي لزوم التأريخ وشاهدا على التاريخ. فمثلا، وزعت الإندبندنت في أوج انتشارها عام 1989 أكثر من 420 ألف نسخة في اليوم. وقبل أن يجف حبرها بأشهر قليلة لم يتجاوز عدد النسخ التي كانت تبيعها يوميا 40 ألف نسخة. قس على ذلك ما حصل لصحف البديل والتحرير في مصر، وقورينا وأويا في ليبيا، والنسخة الإنجليزية من الإمارات اليوم. وكلها صحف اكتفت بمواقعها الإلكترونية وغادرت سوق الورق.

وتشير الأرقام هذه الأيام إلى تزايد اعتماد القراء على مواقع التواصل الاجتماعي وتطبيقات الهواتف مصدرا للأخبار. حتى أن النسبة الأكثر من المتابعين للمواقع الإخبارية الإلكترونية تأتي من تويتر وفيسبوك، وبات الدخول إلى الموقع مباشرة يتذيل قائمة "الترافيك" (زحمة المتصفحين). ذلك لأن الناس تقرأ الأخبار اليوم على النحو التالي: يفتح أحدهم موقع فيسبوك أو تويتر أو التطبيق الإخباري، ويجري بإبهامه على شاشة هاتفه الذكي، وإن استوقفه خبر يضغط على الرابط المرافق لنص التدوينة، الذي ينقله بدوره إلى الموقع الإلكتروني. وهذا ما يفسر أن النسبة الأكبر من متصفحي المواقع الإخبارية في العالم يأتون عبر "السوشيال ميديا".

ولهذا الفعل ما يبرره. فموقع مثل تويتر يلخص للمتابعين كل ما تقوله المواقع بشأن الحدث الآن، في أسطر قليلة متتابعة، ويكثف الأحداث في أصغر مساحة ممكنة لا تتجاوز الزوايا الأربع للهاتف النقال، فما الذي سيجبر القارئ إذن، ولديه هذه الميزة، الدخول إلى موقع إلكتروني إخباري بعينه ليتيه في أبوابه بحثا عن تفاصيل خبر يريد أن يعرف تفاصيله في الحال في زحمة أشغاله؟

وعلى الرغم من أن الاعتماد على التطبيقات الإخبارية الذكية في العالم العربي لا يزال في بداياته، لكنه في ازدياد معتبر، مقارنة مع اعتماد الناس على مواقع التواصل الاجتماعي، فإنه ليس من المؤمل أن تغلق المواقع الإلكترونية صفحاتها "بعد بكرة"، أو بعد شهر أو شهرين من تاريخ كتابة هذه السطور، لكن من المرجح أيضا ألا يطول انتظارنا حتى نعيش هذه اللحظة، كما انتظرت أجيال وأجيال صحيفة "لويدز لِست" -أقدم صحيفة ورقية في العالم تأسست عام 1734 في لندن- 280 عاما قبل أن تتحول من الورق إلى الفضاء الإلكتروني عام 2013.

وما يؤكد الانصراف الآخذ في التصاعد عن مواقع الأخبار الإلكترونية، بروز حسابات في تويتر وصفحات في فيسبوك، كمنافذ إخبارية مستقلة، ليست لها قواعد تقليدية مثل الصحف والقنوات التلفزيونية والإذاعات، وبدأت هذه الحسابات والصفحات تكتسي أهمية أكبر بكثير من مواقع إلكترونية إخبارية مشهورة، ويتبعها الملايين من القراء من جميع أنحاء العالم. وإنشاء مثل هذه الصفحات وفّر لأصحابها سرعة في النفاذ الجماهيري، وتوفيرا في المال، وجهدا أقل في إدارة المحتوى، على خلاف تأسيس المواقع الإخبارية المرهق ماليا وإداريا وتقنيا.

خلاصة القول، احتاجت صحيفة الإندبندنت 30 عاما، من 1986 إلى 2016، كي يقتنع طاقمها أن مقاومة الورق لزحف الإنترنت لا جدوى منها، مهما تعددت طرق الابتكار في الرسم والخط عليه. وبين إصدار أول صحيفة ورقية بالشكل المعروف حاليا للصحيفة وتحولها إلى إلكترونية، احتاج القائمون عليها 280 سنة كي يودعوها المتحف. ترى، كم سنة يحتاج الوسط الصحفي الإلكتروني اليوم من الانتظار كي يطفئ الأنوار عن صفحاته في الإنترنت وسط مد التطبيقات الذكية الإخبارية؟