Wednesday, June 21, 2017

!هكذا نصنع المفتين


!هكذا نصنع المفتين

           نتساءل دائماً لماذا كثرت الفتاوى وانتشر المفتون؟ ببساطة، من كثرة أسئلتنا (وغلبتنا) على الفاضي وعلى المليان. نستفسر عن أبسط الأشياء، بل وأتفهها، زهداً بعقولنا التي نحملها في رؤوسنا أو قلوبنا التي في صدورنا. يحدث ذلك في ظل مأسسة الدين وتضخم هذه المؤسسة في مجتمعاتنا، مما جعل الناس يقدسونها ورجالها من دون لله.

وفي ظل هذه المأسسة، تحول المفتي إلى شخص صاحب مهنة، مثله مثل النجار أو الحداد أو السباك. فالنجار لن يصنع لك طاولة إلا إن سألته، والحداد لن يصنع لك باباً إلا إن طلبت منه. وكذلك المفتي يقترض ألا يجب عن شيء إلا إن سألته. المسألة إذن لا تتعلق بالصانع، بل في ما يطلبه "الزبون".

يسأل أحد الزبائن المفتي بكل جدية: هل يجوز يا شيخ أن أتمضمض بعصير مانجا في نهار رمضان؟ يأخذ المفتي السؤال على محمل الجد اتقاء على الأقل، فيجيب السائل، وإن كان السؤال بلا شك مستفزاً. النجار كذلك، لن يستغرب إن طلبت منه أن يصنع لك فرناً من خشب طالما أنك ستدفع له أجرته. في أسوأ السيناريوهات، سيعتبر النجار طلبك فرنا خشبيا بغرض الزينة وينفذ طلبك.

يسال أحدهم: ماذا يا شيخ لو بان جزء من مؤخرتي وأنا أصلي؟ اسأل نفسك بدل أن تسأل الشيخ. ما رأيك أنت؟ هل تسأل الشيخ فيجيبك فيرد عليه شيخ آخر ثم يدخل على الخط شيخ ثالث، وتلوك ألسنة العامة المسألة حتى تصبح قضية رأي عام، أم تلبس سروالا مناسباً يستر "تيتك" وتريحنا بذلك من فتنة محتملة! ولأن الفتنة أشد من القتل، فإن سروالك سيكون "فكة" في هذ المعركة!

لم تكن الفتوى يوما مهنة، ولكن من جعلها تتحول إلى صنعة ارتفاع الطلب عليها، لا سيما في سوق باتت تحكمها سياسة العرض والطلب في كل شيء، نعم في كل شيء، ثم نتساءل: كيف يتحول الدين إلى تجارة؟ ولا ندرك أن هذه العلاقة المعلولة بين السائل والمفتي على هذه الشاكلة هي إحدى هذه الطرق. يحدث ذلك حين ننسى أن الصمت في كثير من الأحيان أفضل من الكلام، أو حين نرفض إعمال عقولنا ولو قليلا في ما نقدم عليه من جرائم كلامية ونرتكب بحق ألسنتنا من انتهاكات فادحة.

يكون إعمال العقل حين يخطر على بالك السؤال التالي: هل يجوز أن أدخل المرحاض بالهاتف وعليه تطبيق قرآن؟ شغل مخك شوية واسأل نفسك: ماذا يفعل من يحمل اسم عبد الله أو عبد الرحمن، هل يجوز له أن يدخل الحمام وهو يحمل اسما من أسماء الله؟ حينها ستعرف كم أن عدم طرح السؤال على المفتي قد أراحك من عناء الوسوسة وقد وضعك عقلك في منطقة يرتاح لها ضميرك كثيرا. 

لن يتطور مفهومنا للدين -الذي لا بد أن ينعكس لاحقا على سلوكنا- ولا قيد أنملة طالما أن أسئلتنا في الدين لا تزال بهذا المستوى. وستبقى عقولنا مقفلة أمام الدين طالما أن مثل هذه الأسئلة تنتج كل يوم مفتين جددا، لا يدركون بإجابتهم الاضطرارية عليها كم أن هذا يساهم بإغراق الدين في الوحل أكثر فأكثر.

Wednesday, June 14, 2017

لماذا يريد حسن الهجرة من غزة؟

لماذا يريد حسن الهجرة من غزة؟

لو أجرينا استطلاعاً في صفوف الشباب الغزيين وسألناهم: لو أتيحت لك الهجرة فهل تهاجر؟ ولو هذه لن تفتح هنا عمل الشيطان، بل ستفتح شهية معظم الشباب، إن لم يكن كلهم، للإجابة بـ"نعم"؟ نتساءل هنا: ما الذي جعل غزة بيئة طاردة لشبابها لافظة لأهلها على هذا النحو؟ وقد بات شعار المرحلة: يا معشر الشباب، من استطاع منكم الباءة فليهاجر!

تحاول هذه القصة الحقيقية -التي استبدلنا فيها اسم صاحبها باسم مستعار لحفظ الخصوصية- أن تجيب عن هذا الاستفهام الكبير.

يعض صديقي حسن أصابعه العشرة وهو يكتب لي ملؤه الألم: أنا نادم على كل دقيقة بقيت فيها بعدك في غزة، وأبحث هذه الأيام عن فرصة للهجرة! ويضيف: يا ليتني سمعت كلامك وتركت غزة منذ تركتها أنت في 2006.

واسيته، وليس لي في مثل هذا الموقف إلا المواساة، لكني سأدرك لاحقاً أن لا جدوى من المواساة بعد أن بلغ اليأس من حسن مرحلة كسر العظم.

حصل حسن على عمل براتب ممتاز في 2004، أتاح له العيش في بحبوحة جعلت الهجرة التي يطلبها اليوم ضرباً من الخيال. لكن ما الذي تغير اليوم، ويجعله يصر كل هذا الإصرار على الهجرة؟ تجيبك عن ذلك السنوات التي تلت 2004، وتحديداً من منتصف 2007 (تاريخ الانقسام) حتى اليوم.

قلت له: إني حزين ومتفاجئ بحديثك عن الندم والرغبة في الهجرة، وهذه أشياء لا أنكرها عليك، لكن أن تأتي منك أنت بالذات فهذا مؤشر على  سوء الظروف التي أوصلت شاباً مثابراً مثلك إلى هذه الرغبة. كتبت يوماً إن غزة مدينة تقتل، وها أنت تؤكد لي هذه الفرضية!

لقد "طردت" غزة شباباً كثراً، وغادرها آخرون طوعاً وقلوبهم معلقة بالعودة إليها. لم يكن حسن من بين هؤلاء أو أولئك، فقد رفض كل الفرص التي كانت ستلقي به يوماً خارج غزة، وقاوم بكل شراسة للبقاء فيها. كان حسن يرى في ذلك ترجمة حقيقية للانتماء لا يجب أن يبخل بها على الوطن.

لكن شيئاً ما تغير في لهجة حسن وهو يقول لي: أتفق معك أن وصولي إلى هذه النتيجة متأخراً هو أمر مستغرب، لكن ويلات حرب 2014، وتراقص حماس على جراحنا وكذبها الذي لا يتوقف، جعلني متأكداً أن هذه النوعية من البشر، التي تمسكنت إلى أن تمكنت، لا تفهم لغة العقل ولا يسمعون إلا لنزواتهم والمتسلقين ممن ينافقونهم!

إلى الآن لا أصدق أن هذا هو حسن الذي أعرفه، وقضيت معه سنوات عدة على مقاعد الدرس وتصاحبنا إلى أن تآخينا. سأحاول أن أنكر أن هذا حسن. صورته المرسومة في ذهني تقول لي إن حسناً الذي أعرفه لا يعرف اليأس إليه طريقاً. إن حسن الذي أعرفه لديه طاقة تملأ المكان نشاطاً لمجرد وجوده فيه.

إن فقدت غزة حسن فهذا مؤشر خطير، بل إنه الخطر بعينه، على معركة الصمود التي كان يتصدر حسن وأمثاله خطوطها الأمامية. أتسائل بحيرة واستغراب: ما الذي ألصق ظهر حسن للحائط وجعل جداره الأخير ينهار على هذا النحو؟

ألمح هذا الانهيار من قول حسن: أفكر هذه الأيام في طريقة للسفر طلباً للهجرة واستكمال الدراسة، هذا على الصعيد الشخصي. لكن الأهم أن أنتشل  أطفالي من غزة وأؤمن لهم مستقبلاً أفضل من الويلات التي  تنتظرهم في غزة!

مرة ثانية، أحاول أن أكذب نفسي بأن هذا ليس حسناً ذاته الذي كان يعمل في مزرعة لعائلته طوال الليل، ويبدأ بتوزيع محصولها على التجار مع بزوغ الفجر، ثم يكون على مقعده في الجامعة الساعة الثامنة صباحاً، وقد غرقت عيناه في وجهه من النعاس، ونبتت على كفيه خضرة من أثر العمل بالمزرعة. وفي نهاية كل فصل دراسي كان حسن يحصل على أعلى الدرجات، ورغم أن هذا كان يضع أمامه مزيداً من الفرص للخروج من غزة، فإنه كان ينحيها جانبا وهو يبتسم.

تفرض عليّ علامات الاستفهام والتعجب نفسها مجدداً: من الذي أوصل حسن للرغبة الجامحة في الهجرة؟ بل ما الذي تغير وجعله يرى غزة مستنقعاً له ولا يلمح فيها مستقبلاً لأطفاله؟ الإجابة الآن لدى من يحكمون غزة ويتخذون من أهلها "رهائن سياسية" بحسب وصف حسن. اسأل حسن باستغراب: هل قلت "رهائن"؟ يرد: نعم، نحن رهائن، بما أننا نعيش تحت رحمة أناس يمكن أن يشعلوا الحرب في كل لحظة.

يواصل حسن كلامه الحزين قائلاً: نحن في غزة ننتظر الموت، لا يوجد حياة هنا بالمرة، انهلكنا انتصارات من وراهم (يقصد حماس)، تنظيمات مش حاسة بالناس، الفقر ينهش الناس نهشاً، حالات انتحار شبه أسبوعية، وضع غزة بات تحت الصفر، نسبة التسول أصبحت عالية، فتية وفتيات في سن الزهور يملؤون الشوارع متسولين.

يعلن حسن أخيراً: غزة مدينة منكوبة! ويفتح باب المستقبل الموحش على مصراعيه وهو يختم حديثه متسائلاً: غزة منكوبة بدون حرب، فما بالك لو كانت هناك حرب رابعة!

Sunday, June 4, 2017

رمضان في المخيم




رمضان في المخيم

عدت إلى المخيم اليوم وزرت رمضان هناك في أواخر ثمانينات القرن الماضي ومطلع التسعينات منه، وقد ملأت الحركة أزقته، ودب النشاط في بيوته، وتزينت شوارعه باليافطات والأعلام، وخطت كل الفصائل على جدرانه تهانيها بألوان زاهية. احتفلوا، ها قد جاء رمضان.

تفحصت وجوه الناس في ذلك الزمن فوجدتها منشرحة وتمارس رياضة الضحك باستمرار. يتسابقون في مد أيديهم إلى بعضهم بعضا للمصافحة، ويأخذون بعضهم بعضا بالأحضان، احتفالا واحتفاء بالزائر الجديد، فقد أعلن للتو إمام الجامع عبر مكبرات الصوت بصوت ملؤه الفرح،  بعيد الانتهاء من صلاة المغرب، أن غدا أول أيام رمضان.

وما أن يسمع الأولاد الصغار هذا الإعلان، ينتشرون بين الأزقة بحثا عن علب حليب النيدو المجفف الفاضية، وعلب حليب الكيكوز الفارغة، ومختلف علب السريلاك، التي ستصبح بعد قليل فوانيس لهم طيلة الشهر الكريمينشغل الأولاد طوال تلك الليلة بتخريم قيعان العلب بالمسامير، ويصنعون فتحات صغيرة ينفذ منها نور الشمعة إذا ما توسطتها. لا ينامون هم والكبار إلا آخر الليل، ويملؤون الجامع في أول صلاة فجر من رمضان وكأنه يوم جمعة.

قبيل أذان المغرب، يتجمع الأولاد قرب المسجد وعلى مداخل الأزقة القريبة منه، ينتظرون الأذان كما ينتظر الحبيب قدوم محبوبته. يتنحنح المؤذن في الميكروفون فيستعدون للجري كل نحو منزله. وما أن يسمعوا "الله أكبر" يطلقون سياقانهم للريح وتنطلق حناجرهم مرددة: "افطروا يا صايمين على رغيف معصمين"! ومحدش يسألني شو يعني "معصمين"!

يبدأ التحضير للإفطار مبكرا، إذ تنتشر بعد صلاة العصر مباشرة البسطات على جانبي الطريق الرئيس للمخيم. وكانت تغلق هذه البسطات الطريق بالتحديد من عند مقر الدفاع المدني نزولا إلى الموقف الغربي الخاص بسيارات تل السلطان وكندا.

تنتشر على جانبي الطريق عشرات البسطات التي تحمل الفجل والجرجير والخس والبقدونس والخروب وتبيع الفلافل والفول والحمص والقطايف والكنافة والمخللات. وكان لباعة الأخيرة جملة شهيرة ينادون بها على الزبائن "شكل بشيكل".

وكان للقطايف قصة خاصة، إذ تندلع معركته بعد الفراغ من صلاة العصر مباشرة. يتكدس الناس بالعشرات أمام محلات الخواجا، أشهر بائع قضايف على الأطراف الشمالية من سوق المخيم. وكان البعض يستقرب فيشتري من أبو البارد على مشارف المخيم الشمالية.

يستمر توافد الناس إلى السوق زرافات زرافات، وكلما اقترب موعد الأذان ازدادت الزحمة، لا سيما أمام باعة الفول والفلافل، فالكل يريد أن يحصل على حصته من هذه الوجبة اللذيذة، خاصة المحشوة منها، ساخنة، إلى آخر دقيقة قبيل غروب الشمس.

يخيم صمت رهيب على المخيم بعد الانتهاء من رفع الأذان، وتسمع جرجرة الأحذية تخف في الأزقة رويدا رويدا إلى أن تتوقف تماما. الكل يأكل ولا مجال للكلام. تسمع بين الفينة والأخرى ضربات الملاعق في الصحون مصحوبة بهمهمات غير مفهومة تطلقها أفواه مملوءة.

يخرج أول ما يخرج إلى شوارع المخيم بعد الإفطار بعض الشبان والفتية بدكاكينهم المحمولة على عجلات، اذ يبيعون للأولاد سلك الجلي الناعم القابل للاشتعال، والصواريخ والطقيع والمفرقعات والألعاب النارية والسحلب والمهلبية والشبس والبسكويت. وهكذا يعج المخيم بالحركة من جديد، وبالباعة الجائلين للترمس والفول النابت والحلويات. ولا يوقف هذا الصخب إلا أذان العشاء، حيث ستبدأ صلاة التراويح بعد قليل.

تعج المساجد بالمصلين، لا سيما الأطفال الذين لا يفوتون طقسا في رمضان إلا ويحتفلون به، والتراويح واحد منها. تتداخل أصوات مئذنة جامع المخيم مع مآذن جوامع المخيمات المجاورة وهي تصدح بتلاوة القرآن وتكبيرات الصلاة. مآذن جوامع المخيمات تعلن على طريقتها الخاصة: أهلا رمضان.

وما أن تنتهي الصلاة تبدأ الألعاب الرمضانية، والتي كان أبرزها على الإطلاق دوريات كرة القدم الرمضانية التي كانت تقام في ناديي خدمات رفح وشباب رفح. يشكل شباب كل حارة فريق لها من ستة لاعبين، وتتبارى الحارات وفق جدول زمني طيلة الشهر، على أن يتوج الفائز بكأس رمضانية مع نهاية الشهر.

كان الشباب يجمعون نقودا من جيوبهم لتشكيل هذه الفرق، وتدبير تكاليف الزي، وكانوا يتنافسون في الانضمام إليها، وكان حضور هذا النوع من المباريات دربا من دروب الترفيه خلال رمضان، حيث كانت تمتلأ الملاعب من أجل الفرجة. وكل يشجع لاعبي حارته، إذا كانت المنافسات على أشدها.

يبقى الناس سهارى إلى أن يخلد معظمهم للنوم مع انتصاف الليل، فيما يتحلق آخرون، لا سيما الشباب والفتيان، حول كوانين النار ويتسامرون حتى يحين موعد السحور، وهو الوقت الذي ينتشر فيه المسحراتية بين الأزقة إيذانا بصيام يوم جديد.

يرفع مؤذن الجامع أذان الفجر الأول، محذرا في نهايته الناس من قرب موعد رفع الأذان الأصلي، وهو الموعد الحقيقي للإمساك عن الطعام. يمازح المؤذن في بعض الأحيان جيرانه بالميكروفون: بكفيك أكل يا أبو إبراهيم، معية لهط يا أبو خالد، ارحم أبو حسن ارحم، خلي شوية لبكرة يا عّم أبو صالح!

نصف ساعة ويرفع المؤذن الأذان الثاني، فتسمع زعيق أبواب المخيم وهي تفتح، وصرير الجوارير يتردد صداها، وينطلق الناس إلى الجامع أفواجا أفواجا بخطى حثيثة. ها قد امنلأ الجامع عن آخره، وستبدأ صلاة أول فجر من أول يوم من رمضان بعد قليل.

بعد تأدية صلاة الفجر، كان الشبان والفتية يشكلون داخل المسجد دوائر تضم ١٠ أو ١٥ شخصا ويتناوبون على قراءة ما تيسر لهم من القرآن إلى أن يبزغ أول النور، الذي يعتبر بمثابة مؤشر للانطلاق إلى الشارع من أجل اللعب، إما كرة قدم أو يهود وعرب.

اليوم هو الخامس والعشرون من رمضان، وبقدرة قادر، يتحول باعة المخللات والقطايف والفلافل إلى باعة حلوى، وأغراض الكعك. فالعيد على الأبواب. وهكذا تتبدل البسطات فتصبح بسطات حلقوم ملون، وفزدق بقشره ومقشر، ومكسرات من كل نوع، وحلو أشكال وألوان، وشكولاتات بمختلف الأحجام، بالإضافة إلى التمر والعجوة والمحلب والشومر والسميد، وهي أبرز مكونات معركة الكعك.

تتجمع نسوة المخيم بعد الإفطار في بيت واحدة من بيوت الجارات لمساعدتها في عمل الكعك. ويبقى هذا الفريق يتنقل كل يوم من بيت إلى آخر حتى تنجز كل البيوت حصصها من الكعك. وكانت أهازيج النساء المنبعثة من أحد البيوت كافية للتدليل على الانهماك في صنع الكعك والمعمول.

أما صالونات الحلاقة فبالكاد تغلق أبوابها، وتصيح الحلاقة بالدور أو الحجز. وكلما انقضى يوم جديد من الأيام الأواخر من رمضان تزدحم دكاكين الحلاقة أكثر فأكثر وتبقى مشرعة الأبواب حتى مطلع الفجر. وهذا موسم تزدهر فيه جيوب الحلاقين، اللهم لا حسد.

لا أعرف ما الذي تبقى من هذه المشاهد وغيرها الكثير وما الذي اندثر؟ لكن ما أعرفه أن السعادة في المخيم كانت أكبر بكثير مما هي عليه الآن، وكانت مساحة الفرح واسعة جدا.

وإلى هنا لا تنتهي القصة، لكني سأنهيها مضطرا، لأن المقال قرب يوصل ألف كلمة، كما أن أصابعي تعبوا من الكتابة، وزهقت!

Thursday, May 25, 2017

إرهابٌ عليَّ وعلى العدو مقاومةٌ

إرهابٌ عليَّ وعلى العدو مقاومةٌ

        ضجت مواقع التواصل الاجتماعي بالتصدي لتصريحات الرئيس الأميركي دونالد ترامب التي وضع فيها داعش وحزب الله وحماس في سلة الإرهاب. وقد أبانت هذه الضجة عن ثلاثة مواقف: الأول المتشفي، والثاني الرافض، والثالث الرافض غير المتشفي المتماهي مع جلاده. في هذا المقال سنناقش الصنف الثالث.

فقد امتشق هؤلاء سيف القبيلة ورفعوا شعارها الشهير "أنا وأخوي على ابن عمي، وأنا وابن عمي على الغريب" في إطار دفع تهمة الإرهاب عن حماس، رغم إقرارهم أن الحركة إما اعتقلتهم أوعذبتهم أو قيدت حرياتهم أو كممت أفواههم أو انتهكت خصوصياتهم.

يعود بِنَا هذا التناقض في التعاطف مع حماس إلى السؤال البديهي: ما الإرهاب؟ يحسب هؤلاء المتماهين مع الجلاد أن الإرهاب هو ما اختلط بدم فقط، وينسون، أو يتناسون بإرادتهم، أن للإرهاب أصناف عدة، من بينها أيضا قمع حرياتهم والتضييق عليهم وعلى غيرهم. وإن لم يكن هذا إرهاباً، فما الإرهاب إذن؟

نقول: تبقى كلمة الإرهاب حيادية ومجردة ولا تقبل القسمة على معنيين في المستوى اللغوي. وفي هذا الإطار الدلالي للمفردة يكون رفع الصوت في وجه طفل وإخافته إرهاباً يساوى قتل مدني أعزل في حرب. أما من ناحية توظيف المفردة، فهنا تختلف الدلالات وتنبت الخلافات ويبدأ التسييس.

وعادة ما يسبح المتماهين مع الجلاد في الإطار الوظيفي للعنف الممارس عليهم، وليس المعنى المجرد للكلمة، من أجل تسجيل مواقف تختزن للمستقبل. لكن، يبقى هذا التصرف أحد وجهي العملة، التي تحمل وجهاً آخر يناقض تماماً وجهها الأول.

يقول علماء النفس إن الضحية تبدي تعاطفاً مع الجلاد في محاولة للفكاك من شره، وفي مرحلة متقدمة قد يتطور الأمر للدفاع عنه والتضامن معه. وهذا ما حدث بالضبط من قِبل من انتهكت حماس كرامتهم وأبدوا رفضهم لوصفها بأنها إرهابية.

يمكن تلخيص هذا الموقف إذن بجملة واحدة: "إرهابٌ عليَّ وعلى العدو مقاومةٌ". فبينما تقبل الضحية أن يُمارس عليها الجلاد إرهابه، فإنها ترفض أن تسمي الفعل ذاته إرهاباً إن كان موجهاً إلى العدو، وهو أمر يبدو غير عقلاني ومتناقضاً، إلى أن يُعطي لعلم النفس مثالاً واضحاً لكي يقول كلمته.

نطرح الظاهرة من هذه النافذة تحديداً، ليس من منطلق استنكار موقف الضحية تجاه الجلاد أو حتى إدانة الجلاد، بل سنحاول أن نقف في منتصف الطريق بين الاثنين وعلى مسافة متساوية منهما تمكننا من رؤية المشهد بكلية أفضل. وهذا بدوره يسمح لنا الوقوف على تناقضات المشاهد التي تمطرنا بها غزة منذ ١٠ سنين.

فالسلاح الذي استخدمته حماس للسيطرة على غزة في صيف ٢٠٠٧، هو ذاته الذي سيوجه لاحقاً ضد العدو. في المرحلة الأولى عدّه كثيرون سلاح إرهاب، وفي المرحلة الثانية سيحوله كثيرون، وربما هم ذات الأشخاص، إلى سلاح مقاومة.

الأمر نفسه ينسحب على سلاح المقاومة في الضفة الغربية، الذي كان سلاح مقاومة موجهاً ضد الاحتلال الإسرائيلي، إلى حين تم سحبه ومطاردة حامليه من قبل السلطة عقب وفاة عرفات بحجة أنهبات سلاح إرهاب.

إذن السلاح هو السلاح، أداة محايدة مجردة من أي تبجيل أو تهمة إلى حين أن يتم توظيفه بالكيفية التي يريدها حامله: مقاومة أو إرهاب. ويبقى ما يرافقه من أوصاف خاضعاً لمزاجية الضحية والجلاد: سلاح مقاومة وقتما أرادا، وسلاح إرهاب حينما يحلو لهما.

Saturday, May 20, 2017

في رَبّ المصالحة

في رَبّ المصالحة

تحسَّسَ مكتبه وسط العتمة، التقط الولاعة، وأشعل الشمعة، وبدأ يكتب:

يتلبس حسن كلما أراد الكتابة عن المصالحة، حمار! ينتبه حسن للجملة السابقة التي كتبها للتو ويقول: يا لبراءة اللغة حين ترص ما تشابه من كلماتها وراء بعضها بعضاً بدون قصد، وهذه واحدة: المصالحة رفقة الحمار.

يتخيل حسن نفسه خارج تكوينه البيولوجي كإنسان منذ ١٠ سنين. وتحديداً منذ ١٤ يونيو ٢٠٠٧. وعند هذه الحالة، حالة الحمار، يشعر بأنه مجرد من كل مكتسباته التي جناها على مدار سني عمره الذي يزحف ببطء نحو الأربعين.

فَقَدْ فَقَدَ حسن إحساسه باللغة، وأُغلقت أمامه سبل التفكير، وهاهي المفردات تتفلت منه، ودائماً ما يقف عند النهايات فما عاد يُحسن كيف يبدأ، وتراه يعود دائماً إلى الصفر، يحدث ذلك في كل مرة يحاول فيها أن يخدش حياء المصالحة بقلمه.

مكث حسن في الولايات المتحدة ١٠ سنوات، درس خلالها في جامعة جورج تاورن الشهيرة العلوم السياسية، وحاز فيها الدرجات العلمية الثلاث: البكالوريوس والماجستير والدكتوراة، وعمل سنوات عدة في مراكز بحثية عريقة هناك، لكنه -ويا للغرابة- يجد نفسه حماراً أمام تناول المصالحة.

يطل حسن برأسه من بالكون بيته في شارع الثلاثيني بغزة على سنوات الانقسام العشرة التي أقعدته في البيت وألحقته في صفوف المتبطلين، ويقارنها بالسنوات العشرة التي قضاها في أميركا. يقارن العشرة بالعشرة ويتنهد بينما يعاقر آخر نفس من سيجارته قبل أن يطفأها ويرميها ويبصق في الشارع مغمغماً: يلعن ... غزة!

لم يكن حسن ذو لسان فاحش ولا بذيء قبل أن تطأ قدمه غزة، وكانت كلمات من قبيل (نايس وغود وبيوتوفول) تملأ أحاديثه. أمّا وقد صار له في غزة اليوم ١٠ سنوات بالتمام والكمال، فإن هذه الكلمات ومترادفاتها قد غادرت قاموسه، لتحل مكانها جميع المسبات والشتائم الرذيلة، الخفيفة منها والمتوسطة والغليظة، التي تجتاح ألسنة الناس في شوارع القطاع.

يدلف حسن إلى غرفته المعتمة، التي لا تزورها الكهرباء في اليوم إلا سويعات في أحسن الأيام. يلقي ظهره على السرير ويراقب ما يمكن أن يتراءى له في السقف من خيالات وهو يُحدث نفسه: ها أنا ذا أعود حماراً، وكأن قدمي لم تطأ يوماً مدرسة، ولم أعرف قط معنى الجامعة، أما المؤسسة فهي مفردة لم أسمع بها يومياً، فكيف لي أن أدخلها وأعمل بها، والسياسة لم تجد طريقها إلى قاموسي اللغوي بعد.

يعلو صوت حسن قليلاً لكي يتأكد أنه لا يتلبسه حمار بالفعل ويردد: أنا لا أفكر، لا أتكلم، أمشي على أربع، وتثقلني الأحمال. أُضرب فأصمت، أتألم ولا أبكي، أتعب ولا أشتكي. كل ما هنالك أن لي عينان، لكني لا أرى فيهما إلا في خط مستقيم في أحسن الأحوال، وفي أسوئها الأسفلت والتراب وأنا مطأطئ الرأس.

يضع حسن، نصفه الآخر، الكائن الحمار، وجهاً لوجه أمام المصالحة، ويبحث عن كل مبررات الفشل التي تقود إنساناً مثله أن يدعي أنه حيوان وهو يتساءل: لماذا أفشل في الكتابة عن المصالحة في وقت ادعي أن لدي كل القدرات الممكنة لكي أعالج القضية بكل سهولة في مقال؟ حتى وإن فعلت، وها أنا أفعل، لماذا لا يستجيب لي قادة فتح وحماس، وقد نصّبوا أنفسهم قادة عليّ وعلى غيري؟

يسأل حسن نفسه: هل كتبت فتح وحماس؟ يعود بسرعة البرق إلى آخر سطر في الفقرة السابقة ليتأكد، فيتأوه. يغيظ حسن ترديد كلمتي فتح وحماس على لسانه، وتصيبه حساسية إن سمعهما من أحد، حتى مجرد رؤيته للكلمتين مخطوطتين على أحد الجدران في غزة تستفزه. وتراه لا إرادياً عند هذا المشهد أو ذاك، يعود إلى بذائته ويشتم الاثنتين في سره أو محدثاَ نفسه: يلعن ... حماس، على ... فتح!

تريح حسن هذه الشتيمة، فهي ملاذه الأخير لتنفيس غضبه، وبدونها لربما قد مات "فقع" منذ سنوات! يواصل حسن الكتابة ويقول: من الآخر، لماذا أشعر بأني حمار مقابل المصالحة ومن يمثلها؟ ولماذا يدنس كل هؤلاء القادة المزعومين طهرها؟ حمار مقابل مصالحة! لا، لا، سنعيد الترتيب: حمار مقابل حمار! كمان حمار بيصيروا ثلاثة وبهيك راح نلاقي الكنز! قولوا إن شاء الله! ثم يقهقه بقوة قائلاً: يا لسخرية السياسية حينما تلين أمامها اللغة وتطيعها المفردات بلا عناء.

من ذا الذي أطلق عليها "مصالحة"، يتساءل حسن؟ ورغم أنه من المعروف أن الصلح خير، فإنه إذا ما حضرت المصالحة يشمر الجميع لحفلة ارتكاب الفواحش. ولا تسمع ولا ترى في حضرتها إلا أقوال أبالسة وأفعال شياطين إن كان من حماس أو فتح. بل إن الأبالسة والشياطين تستعيذ من أفعالهما وأقوالهما وتخفض أجنحتها لهما طوعاً لا كرهاً.

يحلل حسن علاقة الحركتين بالمخلوقات الماورائية ويقول: نقول ذلك لأن الشيطان ببساطة إذا ماجاءك تطرده باستعاذة وبسملة. وإن حاول المراوغة ثانية، فعليك بقليل من الأذكار. وإن عاد للمرة الثالثة، فما له إلا القرآن. حينها يجمع جنوده ويعلن هزيمته.

إذن، طرد شيطان قد لا يستغرق من وقتك ١٠ دقائق، اليوم نحن في السنة العاشرة من الانقسام ولم تطرد الحركتين من حظيرتيهما سوى الشعب الغلبان؟ ترى أين يكمن الشيطان؟ كان يقال قديماً في التفاصيل، أما اليوم فقد عرفنا أن قادة الحزبين هم الشياطين أنفسهم، وتراهم يكمنون في التفاصيل عن سبق الإصرار والترصد.

ثم إن الشيطان يوسوس لك فقط، وأنت من تقوم بالفعل، لكن المتحدثين عن المصالحة وباسمها من قادة و"عراعير" لا يحتاجون إلى وساوس، إنهم يقومون بالفعل مباشرة. ولِمَ لا يفعلون ذلك وهم ينوبون عن الشيطان في كل أفعاله وأقواله، وحتى وساوسه؟ يتساءل حسن هو يردد: قال وساوس قال!

تأتي الكهرباء فجأة بعد انقطاع قارب ١٤ ساعة، فيطفئ حسن الشمعة. والشمعة التي اعتاد حسن أن يكتب على نورها، لا تنفك عن تغذية كل شتائمه ولعناته التي يصبها على غزة وحماس وفتح. يُسرّع حسن الكتابة على النور الذي غمر الغرفة للتو. ثلاث دقائق، وانقطعت الكهرباء ثانية. يعود حسن إلى معزوفة شتائمه: يلعن ... حماس، على ... فتح! ويقرر في تلك اللحظة المعتمة أن يكون عنوان المقال "في رب المصالحة"، بعد استبدال طفيف لأحد كلماته.


ترى كم حسناً تختزن غزة؟

Tuesday, May 16, 2017

حماس إذ تتجدد.. تشيخ وتتعثر


حماس إذ تتجدد.. تشيخ وتتعثر

نام إسماعيل هنية ملء عينيه فرحاً وخوفاً ليلة تنصيبه رئيسياً للمكتب السياسي لحركة حماس. مصدر الفرح أنه بات رئيساً للحركة وهو في ريعان شبابه (54 عاماً!). أما مصدر الخوف فهو الإرث الثقيل من المشكلات التي تنتظره، وفي مقدمتها تدبير شؤون قطاع غزة الذي لا يزال تحت إمرة حماس، وللحركة جار جنوبي خصم.

تضرب حماس في اختيار هنية على رأس هرمها السياسي، وهو يتقدم نحو الستين، نموذجاً للقيادات التقليدية في المنطقة العربية، سواء كانت على الصعيد الحزبي أو على مستوى الدولة. تأخذ حماس، إذن، من هذا المحيط، الذي هو جزء منها وهي جزء منه، وتنهل من معين السياسات الهرمة والديكتاتوريات الخربة في الجوار، أو ما بعد الجوار بقليل.

وفي التاريخ الحديث لنا عبرة: بقي حسني مبارك في رئاسة مصر 30 عاماً، خالد مشعل رئيساً لحماس 21 عاماً، على عبد الله صالح باليمن 22 عاماً (جنب مشعل)، معمر القذافي في القذافي 42 عاماً، صدام حسين بالعراق 24 عاماً، ياسر عرفات 45 عاماً على رأس حركة فتح، وحافظ الأسد 29 عاماً رئيساً لسوريا. وكأني بلسان حالهم وحال غيرهم يردد قول زهير بن أبي سلمى:

سَئِمتُ تَكاليفَ الحَياةِ وَمَن يَعِش __ ثَمانينَ حَولاً لا أَبا لَكَ يَسأَمِ

وما كان لهذه الديكتاتوريات أن يمتد عمرها إلى كل هذه العقود، لولا القبضة الأمنية التي كانت تحكم بها شعوبها. تترجم حماس اليوم هذا المفهوم الأمني بحذافيره على طول قطاع غزة وعرضه. أداتها في ذلك ما يُطلق عليه "جهاز الأمن الداخلي"، الذي يتجسس على الناس، ويحشر أفراده أنوفهم في كل تفاصيل حياة الغزيين. فلا يمكن أن تعمل في مؤسسات حماس إلا بإذن منه، ولا يمكن أن تتحدث في الشأن العام إلا بعيداً عن أعين عناصره، ولا يمكن أن تعترض على سلوك أحدهم خشية أن يأخذوك وراء الشمس.

وبينما يقوم هذا الجهاز بهذا الدور، وهو جهاز حمساوي أصيل، تأخذ حماس بذلك بدون أن تدري، أو أنها تدري، من جهاز الأمن الوقائي الذي كان يعربد في غزة منذ منتصف تسعينيات القرن الماضي حتى سيطرة حماس على القطاع في صيف 2007. كان الوقائي وغيره من الأجهزة الأمنية خارج قبضة عرفات. كان دور عرفات السياسي يقتصر على الحفاظ على التوازنات بين هذه الأجهزة وخلق المواءمات لإسكات أفرادها وقادتها، لكن دون أن يوقف يوما عربدتها أو يقلل من سطوتها.

وحال العلاقة بين السياسي والأمني كذلك، يُغمض قادة حماس السياسيين أعينهم عن كثير من التجاوزات التي يرتكبها جهاز الأمن الداخلي، راضين أو مجبرين، بل ويجدون في مرات عدة ما يبررها في إطار المقاومة والحفاظ على ما يسمى "الجبهة الداخلية".

وبينما يقوم ساسة حماس بهذا الدور فإنهم يحاولون استمالة من بيده السلاح إلى جانبهم، وهم يعلمون أن الجهاز أقوى بكثير من يتم احتوائه طالما أنه يقوم بما يحلو له تحت ضغط المحافظة على أمن الساسة. تنشأ علاقة مصلحية إذن بتواطؤ بين السياسي والأمني، دائماً ما تكرس من بيده السلاح (جهاز الأمن الداخلي في هذه الحالة) باعتباره الآمر الناهي في البلاد، وتضع السياسي على الرف.

تحاول حماس أن تتحسن، وتبدو متجددة، لكن تجربة حكمها لغزة بهذه القبضة الحديدية، جعلت هذا التحرك وستجعله مشبوهاً لسنوات معتبرة. تأتيك هذه المحاولات من إرجاع حماس "الإعدادات" السياسية للحركة إلى "ضبط المصنع" (ريستارت)، من خلال وثيقة المبادئ والسياسات العامة، التي أعلنت عنها في الأول من مايو الجاري.

وبينما تعود حماس إلى نقطة الصفر، وهي تنزع جلدها الإخواني في تعريفها الجديد "حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية"، فإن عينها على مصر، التي تشكل لها البوابة الوحيدة للعالم، وحاكمها الحالي الخصم اللدود للإخوان. حماس إذن في مهمة صعبة ستستغرق سنوات وسنوات لإقناع الجوار وما وراء الجوار بأنها تخلصت بالفعل من أفكارها الإخوانية القديمة.

تحتاج حماس إذن للتخفف من أثقال سياسية زنتها 30 عاماً (1987-2017)، دمغت خلالها مواقفها بألوان ليس من السهل تغييرها. وفي سبيل ذلك، ستجد الحركة نفسها أمام طريق يفرض عليها التقرب من هذه الأنظمة مجدداً. لكن كيف سيصدقها حاكم مصر اليوم وهو ندٌ لجماعة تعتبر حماس نفسها أحد أجنحتها في ميثاقها القديم؟ وكيف لحماس أن تعيد تعبيد الطرق السياسية الواصلة بينها وبين طهران ودمشق والضاحية الجنوبية في لبنان؟

وعلى طريقة فيصل القاسم: أسئلة نطرحها على الهواء مباشرة على ضيْفيْنا، من غزة إسماعيل هنية ومن استديوهاتنا في الدوحة خالد مشعل؟ نبدأ النقاش بعد الفاصل. وفجأة تقطع الكهرباء على غزة! ويستيقظ أهلها من هذا الكابوس الجماعي ويقومون بثورة، وأتوقف أنا عن الكتاب لأني زهقت!

Tuesday, May 9, 2017

اللغة في خدمة إذابة المبادئ السياسية..

اللغة في خدمة إذابة المبادئ السياسية..
وثيقة حماس نموذجاً

1828 كلمة من أجل 4 كلمات

عَصَرَ صاغة حماس اللغة عصراً، وهم يكتبون وثيقة المبادئ والسياسات العامة الجديدة للحركة، وجاءوا بألف و828 كلمة، من أجل إذابة موقف سياسي "متردد وغامض" محمول على 4 كلمات، الأمر الذي يفتح الشهية على علامات التنصيص "بلا حدود". وقد تجلى إغراق المعنى السياسي في بحر المفردات في أكثر من موضع من "الوثيقة"، نتناول هنا بقليل من التفصيل أبرزها، وهي: الدولة والمقاومة والإخوان المسلمون وجغرافيا الصراع وبعض "الديكور".

"تعتبر" حماس في الوثيقة الجديدة، إقامة دولة فلسطينية على خطوط الرابع من حزيران "صيغة توافقية وطنية مشتركة". وإذ تضع الحركة هذا الموقف في نطاق "الاعتبار"، فإنها تحافظ على أدنى مستوى من مستويات التنظير اللغوي للمبدأ السياسي. وبذلك يبدو الانخراط بالفعل محكوماً عليه بالفشل من حيث المبدأ، وسبب فشله هم "الخصوم" دائماً، لكونه مرهون بـ"توافق وطني مشترك" هو أقرب للمستحيل.

وبينما تتملص حماس من الآن من تحمل تبعات الفشل المحتمل في حدوث مثل هذا التوافق مستقبلاً، فقد تفشله هي بنفسها، إذ إنها لم "تؤكد" أو "تشدد"، وهي تطرح هذا الموقف السياسي، على الالتزام به، وأبقت في يدها "مبرراً دبلوماسياً لغوياً" يضمن لها خط الرجعة إن حُشرت في زاوية الوفاق. وبذلك، يخدم استبعاد الكلمتين الأخيرتين عملية التذويب "المقصودة" للموقف الجديد في "أسيد" اللغة.

يستمر "الإغراق الإنشائي"، أو إن شئت "الإنشاء الإغراقي" لهذا الموقف غير المسبوق تحديداً لحماس، حين تتحدث الوثيقة بتناقض واضح -لم تخفه اللغة المترددة التي تعكس مواءمات كبيرة حصلت من أجل إرضاء الجميع عند صياغة الوثيقة- عن "إقامة الدولة الفلسطينية كاملة السيادة على كل التراب الوطني الفلسطيني، وعاصمتها القدس"، في ما لا يمنع "مرحلياً" القبول بتوافق وطني مشترك على إقامتها على "خطوط" الرابع من حزيران.

هذا في موضوع الدولة، أما في مسألة "المقاومة"، فقد تخففت "الوثيقة" الجديدة مما جاء في "ميثاق" 1987 -(5 آلاف و535 كلمة، وبين الوثيقة والميثاق فرق كبير)- من كلمات باتت اليوم توصف بها جماعات متطرفة مثل داعش، وتضع حماس وداعش في نفس السلة. من بين هذه الكلمات كلمة "الجهاد" الواردة مرة واحدة في الوثيقة الجديدة، رفقة كلمة المقاومة أيضاً، بينما كان منصوصاً على الكلمة ذاتها في ميثاق حماس القديم، 20 مرة، بمشتقات لغوية عدة. (ترد كلمة مقاومة بالوثيقة الجديدة 15 مرة، وبالميثاق القديم 48 مرة).

وإن كانت حماس قد تخففت من صِيغ الجهاد "المشبوهة" في الإطار الدلالي للكلمة في الظروف الحالية، فقد تخلت عن جماعة الإخوان المسلمين تماماً، إذ لم تأتِ على ذكر اللفظة إطلاقاً، في حين ينزع ميثاق حماس القديم إلى ربط الحركة بالجماعة في 6 مواضع، بل ذهب الميثاق القديم إلى أبعد من ذلك، حين خصص مادة كاملة بعنوان "صلة حركة المقاومة الإسلامية بجماعة الإخوان المسلمين".

وبينما كان الميثاق القديم "إخواني الدسم"، إلى درجة أن دبجته الحركة بمقولة لمؤسس الجماعة حسن البنا، فها هي حماس تضع وثيقة "منزوعة الإخوان" تماماً. يتبدى المعنى السياسي لهذا "الطلاق الاضطراري" بين الحركة والجماعة في إعادة تعريف نفسها من جديد. ففي الوثيقة الجديدة أصبحت حماس "حركة تحرّر ومقاومة وطنية فلسطينية إسلامية"، بعد أن كانت في الميثاق القديم "جناحا من أجنحة الإخوان المسلمين بفلسطين". تبدو حماس هنا حركة "كوول" و"كاجيوال" أكثر! وهكذا تستمر "دبلوماسية الإغراق اللغوي" ليس في ما هو منصوص عليه في الوثيقة الجديدة فقط، بل في ما هو محذوف منها أيضا.

إذن، حماس بدت في الوثيقة الجديدة وكأنها تتأقلم مع الواقع، وبدت أكثر نضحاً، وأعمق فهما للعبة السياسية في المحيط الإقليمي والدولي، وهي تسير على خط سياسي رفيع، معبد بلغة تتيح لها عبوره مرحلياً وإن كانت لا تزال تتأرجح عليه. وقد ترجمت الوثيقة ذلك بإعادة تموقع الحركة من الصراع، إذ تقول بالنص: "تؤكد حماس أنَّ الصراع مع المشروع الصهيوني ليس صراعاً مع اليهود بسبب ديانتهم؛ وحماس لا تخوض صراعاً ضد اليهود لكونهم يهوداً، وإنَّما تخوض صراعاً ضد الصهاينة المحتلين المعتدين". بينما يشير الميثاق القديم في أكثر من موضع إلى أن المعركة "مع اليهود جد كبيرة وخطيرة، وتحتاج إلى جميع الجهود المخلصة". وتؤكد أنه "في مواجهة اغتصاب اليهود لفلسطين لا بد من رفع راية الجهاد"، وتدعم ذلك بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية الشريفة.

ثم يأتيك إعادة تعريف جغرافيا الصراع في وثيقة حماس الجديدة من خلال حصر المقاومة نصاً في "المشروع الصهيوني... والكيان الصهيوني.. والاحتلال الصهيوني.. والحركة الصهيونية التي تمكنت من احتلال فلسطين" (وردت هذه العبارات ومشتقاتها 16 مرة)، بعد أن كان هذا الصراع مفتوحاً على مصراعيه، وجغرافيته تمتد حيثما وجد اليهود، كما يُفهم من ثنايا الميثاق القديم، الذي يتحدث في أكثر من موقع عن "الصراع مع الصهيونية... والمعركة مع اليهود.. والغزوة الصهيونية".

إذن، العداء "لليهود كيهود" في الوثيقة الجديدة جاء مخففاً، وفي أحسن أحواله يوحي بوعي متقدم لكنه "متأخر"، للمفاهيم السياسية والدينية الكبرى التي رافقت الصراع منذ احتلال فلسطين عام 1948. وها هي حماس تعيد خطوط الصراع إلى وضعها الحقيقي، وتصنع لها اللغة مجدداً سلماً كي تنزل عن الشجرة التي ركبتها منذ العام 1987. يتجلى ذلك في ورود كلمة اليهود ومشتقاتها 13 مرة بالميثاق القديم، و7 مرات فقط بالوثيقة الجديد.

والجديد في الوثيقة الجديدة، هو حصر حماس للصراع في "...الحركة الصهيونية التي أقامت المشروع/الكيان الصهيوني على أرض فلسطين"، بعد أن كان الميثاق القديم يضع الحركة ندا لـ"الصهيونية" العالمية، بل وما انبثق عنها من "منظمات سرية كالماسونية، ونوادي الروتاري والليونز"، وكثير من الإنشاء في هذا الصدد.

ولم ينسَ صاغة حماس "تزيين" الوثيقة الجديدة بمفردات سياسية، بات وجودها في أي طرح سياسي جديد جزءا من "ديكور" المشروع. فلا مانع هنا من التأكيد على أن "دور المرأة الفلسطينية أساس في بناء الحاضر والمستقبل، كما كان دائماً في صناعة التاريخ الفلسطيني، وهو دور محوري في مشروع المقاومة والتحرير وبناء النظام السياسي". ولا مانع أيضا من إشراك، أو "إقحام" الشباب، وإن بصيغة تأطيرية تجمعهم نقابياً مع غيرهم من النقابات: "... والتجمّعات الشبابية والطلابية والنقابية والنسائية، العاملة من أجل تحقيق الأهداف الوطنية، هي روافد مهمّة لعملية البناء المجتمعي ولمشروع المقاومة والتحرير".

ولا تخلو الوثيقة الجديدة من الهفوات اللغوية، التي قد يكون لها أكلاف باهظة في ما يخص المواطنة. يتضح ذلك من تعريف حماس لـ"الفلسطينيين" حين تقول: "هم المواطنون العرب الذين كانوا يقيمون في فلسطين حتّى سنة 1947, سواء من أُخرج منها أم من بقي فيها؛ وكلّ مَنْ ولد من أب عربي فلسطيني بعد هذا التاريخ، داخل فلسطين أو خارجها، هو فلسطيني". نضع هنا خطين تحت عبارة "أب عربي فلسطيني"، ونتساءل: ماذا عن النساء الفلسطينيات اللائي تزوجن مثلاً من رجال فرنسيين أو أميركيين؟ وإن كانت الأم الفلسطينية لا تمنح ابنها الجنسية الفلسطينية، فإن وصف "ديكور" الذي أطلقناه على الفقرة التي تتحدث عن دور المرأة في الوثيقة، صحيحاً.

وبينما لم تلغِ "الوثيقة" الجديدة "الميثاق" القديم للحركة، لا تلميحاً ولا تصريحاً، فإن هذا ببساطة يعني الإبقاء على الأخذ من مصدرين لكل من يريد أن يفهم الحركة بالطريقة التي تحلو له. ووجود هذين الفهمين للحركة في حيز دلالي واحد، ربما ينقل الصراع بينهما من مرحلة التنظير إلى الميدان. هذا في صفوف أبناء الحركة. أما في الفضاء السياسي العام، فإن وجود "الوثيقة" والميثاق" سيبقى يقدم للعالم "حماسين"، في ظل عدم تعامل الدول مع كيانات تقبل القسمة على اثنين.

ختاماً نقول، لقد غاص كتبة وثيقة المبادئ الجديدة عميقاً في بحور الإنشاء، وأجهدوا أنفسهم لدرجة الإنهاك لإخفاء مواقف الحركة المتناقضة الواردة فيها في ضباب المفردات، وقد تجلي ذلك في الجُمل المُقطعة، التي ملأت الوثيقة بعلامات ترقيم، ليست لغايات لغوية فقط، بل لغايات سياسية، ليس أقلها عمليات "الترضية" التي سرت شفهيا فوق النص، وأخرجته على هذه الشاكلة، وجعلته في أكثر من موضع يبدو على طريقة: "واحد بيضرب والتاني بيلقى"، بدءاً من البسملة إلى آخر سطر في الوثيقة.