Monday, April 26, 2010

ترفيــه

ترفيــه...


كنت في زيارة لجريح من غزة، انتهت الزيارة وتصادف خروجي من المستشفى مع رجل كان يهم هو أيضا بركوب سيارته للمغادرة.

هو: تفضل معي أوصلك

أنا: بارك الله فيك.


وحشرت نفسي بالسيارة بسرعة لسببين: اولا، المنطقة معزولة تماما عن مركز المدينة ومن الصعب العثور على سيارة أجرة خصوصا وأن خطوط الليل بدأت تغزو المكان. ثانيا، الجو كان باردا جدا. لذا فلم أبادله أي جملة مجاملة كالتي يتقول بها كثيرين تعبيرا عن التمنع قبل قبول العرض. بدأت السيارة مهمتها بالتحرك، وكذلك السائق الذي أصبح لتوه صديقي.

هو: ساكن فين في مصر

أنا: في وسط البلد، قريب من محطة مترو سعد زغلول

هو: أنا باشتغل في وزارة الإسكان قريب من المحطة دي

أنا: قصدك وزارة الصحة والسكان

هو: لأ لأ دي وزارة ودي وزارة. وزارة السكان تابعة للصحة وتختص في مسائل الاحصاء والتعداد السكاني أما وزارة الإسكان فتختص في المشاريع العمرانية للسكان.

قلت في نفسي: إجابة منطقية وأهي معلومة جديدة، لكن لا أتوقع أنها ستفيدني إطلاقا

صمتنا قليلا قبل أن يسألني هو

وحضرتك شو بتشتغل هنا

أنا: أنا ما بشتغل أنا بأدرس هنا

هو: بتدرس فين

أنا: في الجامعة الأمريكية بأعمل ماجستير في الإعلام



لحظة صمت امتدت لفترة أطول من الأولى. شعرت بأن الجملة الأخيرة كانت كفيلة بأن توقفه قليلا كي يستجمع أفكاره من جديد للهجوم علي بمجموعة أسئلة من نوع آخر. أو أن يكون حذرا أكثر في التحدث إلي، حيث أن "أمريكا" قد دخلت على الخط. فأنا حليق اللحية، وأدرس في الجامعة الأمريكية، وخطرت في بالي بسرعة فكرة أن تختلط هذه الأمور في ذهن الرجل مع أشياء أخرى لها صلة بالانحلال.


فالرجل له لحية وأظنها "إخوانية". فهي ليست رثة ومبعثرة كلحى الثوريين أو الماركسيين الذين تكاد تغطي شواربهم أيضا أفواههم، وهي علامة الكد والكدح وفي بعض الأحيان دلالة على أن مطلقها مثقف. ولا هي طويلة جدا وغير منتظمة الشكل كلحى الخشنين الذين لا يحفون الشارب حفا بل يحلقونه حلقا علامة للزهد. ولا هي ملعوب بانسيابها الطبيعي على الخدين بحيث يتساوي سمكها مع السالف أو تتعرج على الوجه كالأفعى كما يصنع كثير من الشباب اليوم وهي علامة الموضة أو قل "الصياعة". بل كانت لحية مشذبة بعناية وكأن رساما قد خطها لتوه على وجهه االممتلئ، تساوى قصر طول شعر اللحية مع الشارب، وغطى عرضها نحو ثلثي كل من خديه، ولا أشك بأن هذه علامة الجودة للتقوى والتدين والالتزام، ولا أدري لماذا أكون مرتاحا في كثير من الأحيان لأناس هم على هذه الشاكلة.


كسرت أنا الصمت: مساكين هؤلاء الجرحى يحتاجون إلى فترة نقاهة بعد الشفاء وبلدكم بها الكثير من أماكن الترفيه.

هو: ترفيه، ترفيه أيه يا أخي الكريم، دي أماكن الترفيه اللي هنا كلها أماكن فساد، مفيش حاجة في مصر اسمها أماكن ترفيه. وعلشان كده ربنا مش راح ينصرنا أبدا. ودعم قوله بآية من القرآن الكريم (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدمير).


وأكمل: المفسدون في البلد دي كتار. دول عملوا شواطئ للعراة في الساحل الشمالي، بس الأماكن دي مش للمصرين طبعا للأجانب فقط، حتى إنو غير مصرح للمصرين بدخولها. شفت إزاي بينقلوا الفساد لينا. وأكد على أن المصريين لا يرتادونها!!


وأخذ يلعن ويسب في البلد والمفسدين فيها دون ذكر أسماء، مفترضا أنني أعرفهم واحدا واحدا. وسخط على الذين يتحكمون في لقمة عيش العباد، ويذلونهم في طوابير لها بداية هي شباك منفذ التوزيع، وليس لها نهاية. وغضب على محتكري السلع الأساسية، كالحديد والاسمنت، وشرح أن قدرة هؤلاء على الاحتكار مصدرها موقعهم السياسي في الدولة. تاليا ذلك بموجه من النقمة على فكرة اشتراك المال والسياسة في خط اجتماعي واحد لأن اندماج من هذا القبيل لا يمكن إلا أن ينتج فسادا. ثم انتقل إلى التحسر على بيع أصحاب المناصب والمستثمرين لمشروعات البلد الحكومية، لاعنا فكرة الخصصة خصوصا بيع البنوك. وقال لي إن الاموال التي تُشترى بها مشاريع الدولة في إطار الخصخصة هي في نهاية المطاف أموال يهودية. وخلص إلى أن اليهود يبتاعون البلاد الآن.


كانت السيارة قد وصلت بنا لمنتصف طريق المحور وهو طريق عريض وسريع جدا ذو اتجاهين ويؤدي إلى وسط البلد. الأنوار المرصوصة بانتظام على جانبي الطريق أعاقت ظلمة الليل من الوصول إليه من مسافة ترتفع عن الأرض قرابة 5 أمتار فأحالته إلى نهار ليلي أصفر اللون. مشهد يندر رؤيته إن لم يكن غير موجود أصلا في شواع غزة، فهو بالنسبة لأي غزي مثلي مدعاة للانبهار وحافزا للتأمل.


يبدو أن الرجل قد أحس بأني أفكر في شيء غير الذي يقول، إلا أن خلفية صوته المرتفعة كانت تخترق أشعة التفكير في الأنوار المنبعثة من فوق. أسرعت السيارة أكثر وشعرت أن حديث الرجل يتناسب طرديا مع سرعتها، فكلما زادت سرعة السيارة زادت أيضا ثورته وحنقه على ما آلت إليه البلاد على أيدي الفاسدين والمفسدين من العباد، وكلما ارتفع صوت المحرك غطى بصوته على ضجيج المحرك، ومن ثم تحرك يمنة ويسرى وفرك قاعدته بالمقعد، وضرب المقود وعض عليه بأصابعه، وتكدر وجهه واحمر، وارتفع حاجباه فأبانت عيناه عن جحوظ شديد، ثم تأفف فزبّد، وحرك رأسه بشكل عشوائي لدرجة أن أفكاره قد تلخبطت، فترجمها لسانه بعبارات غير مفهومة مصحوبة برذاذ لعابه... ولأول مرة أحس أن سيارة تقل ثورة!!


كان الشارع الواسع من حولنا يتلألأ بالأضواء، وعن بعد ترى ما يشبه الأشباح تتحرك أمامك، بعضها مظلم كبني البشر والآخر مضيئ وهي السيارات. الأنوار دفعتني للحظة للتخلي عن أنواري التي دائما أهتدي بها وأن أقنع بتلك المصطنعة كي تنير لي الطريق. فأغمضت عيناي وأسندت رأسي بهدوء إلى الحافة الفوقية للمقعد، وبدأت بالتأمل.


صديقي السائق قرأ على ما يبدو هذه الفكرة أيضا وأراد أن يبعدني عنها، فهي فلسفية نوعا ما، فضرب على رجلي ليعيدني إلى دائرة حديثه الملتهب عن الترفيه أو الفساد بمفهومه.


وهو في طريق عودته من الحديث عما تعج به شرم الشيخ من فساد عرج بي على الغردقة. قال لي أنه كان في مهمة عمل بالغردقة يوما ما، وأنه ذهب إليها مضطرا، فالذهاب إلى هناك في نظره يحتاج لتبرير كي لا تفهم زيارته على نحو خاطئ. وصوّر لي ما لم أره حتى كتابة هذه السطور. نساء شبه عاريات أو يرتدين قطعتي قماش مما صغر وشف، مطاعم تقدم البيرة والخمرة، مراقص وملاهي ليلية منتشرة في كل مكان، والسفالة تشاهدها عادي في الشوارع. وكل ذلك يتم بعلم الحكومة وبحراستها.


طار بي أخيرا إلى حيث هو يسكن في مدينة الشيخ زايد في محافظة 6 أكتوبر. وحدثني عن ذهابه الأسبوعي إلى النادي في المدينة، واستجمامه في المسبح هناك في اليوم "الرجولي" لا "النسائي"، فالاختلاط هنا محرم.


قلت له: الترفيه مهم ولكن لابد أن يكون بالتزام. وأظن أني قلت ذلك في محاولة اضطرارية لإيجاد مشترك ولو وحيد بيني وبينه وهو الالتزام. أو لأنني اعتقدت بأن موافقته على هذه الفكرة أصحبت إجبارية وستكون كفيلة بإقناعه بأني قد اقتنعت بما يثرثر.


يبدو أنه اقتنع، وكان مؤشر ذلك انتقاله لمشهد آخر في ذات المسلسل. وهو كيف أن أعضاء النادي يستغربون امتناعه المتواصل عن مرافقتهم في الرحلات التي ينظمها النادي إلى شرم والغردقة والساحل الشمالي، وحدثني عن محاولات الإغراء التي ينسجونها له والمؤامرات التي يدبرونها من أجل إيقاعه في شباك "رحلة" أو"رذيلة" بمفهومه، لدرجة أنه شكل ما يشبه تنظيما للمناعة من أجل رفض الذهاب إلى هذه الأماكن الفاسدة أو المفسدة للعباد والبلاد.


بدا لي أن الرجل قد تعب أو مل من الثرثرة أو ضجر من صمتي فسكت. كنا قد قاربنا على الوصول إلى المنتهى الذي أبغي فيما أشعة الأنوار المنبعثة من الأعمدة ما زالت تساوم أنوار عيناي على الانطفاء، وبدأت أشعة ناظري تتكسر عند حواف الجفون، وتضعف قوتها أمام ضربات أخرى آتية من بعيد، وكأنها لا تنتهي أو لا تموت.


قطعت انساجامي مع الأنوار بقولي لصديقي السائق: ترى أخي هذه الأنوار وكيف حولت ظلمة ليل هذا اليوم الشاتي إلى نهار صيفي؟

قال: قصدت الفوانيس اللي منورة دي يعني.

أنا: نعم

هو: شو مالها الفوانيس دي.

أنا: هذا المنظر غير موجود البتة في أي من شوارع غزة اليوم والناس يتمنون يوما مضيئا بمثل قوة إنارة هذا الشارع. ألا ترى أن ذلك جزءا يسرا من الترفيه لغزي مثلي.

هو: يا سلام للدرجة دي الحياة صعبة هناك.

أنا: هذا كل ما قصدته بالترفيه وليس ما ذهب إليه تفكيرك.


كنت حينها أستأذنه النزول من السيارة، حاسدا له على ما هو فيه من نعمة الأنوار التي لم يتفتل عنها عقله البتة. غادرت السيارة وبادلني التحية بسرعة فائقة وانصرف. ولو أنه لم يستعجل، أو سكت قليلا ولم يثرثر وأعطاني فرصة الحديث لأطربت أذنيه بشعر منثور عما تعنيه لنا الأنوار وصلتها بالترفيه.


موسى الجمل

القاهرة

فبراير 2009

4 comments:

  1. رائعة يا أستاذ موسى
    يعجبني كثيرا فكرة تقاطع العالمين، الصامت (خاصتك)والصاخب من حولك

    ماهر حمود

    ReplyDelete
  2. انار الله الطريق لك ولكل غزاوى
    يا اخى موسى

    ReplyDelete
  3. من المفترض و أنا أقرأ سطورك هاته التي شكلت بها روضة غناء من ألوان الفنون المختلفة، من المفترض أن تشد اهتمامي أشياء كثيرة كمأساة أهلنا في غزة من حصار و حرب و ...أو على الأقل صاحبك الملتحي و مرجعية لحيته و نظرته السوداوية للواقع و من المفترض كذلك أن أخلص في النهاية ،و هذا أعتقده جوهر الموضوع ،إلى مفهوم الترفيه كما عرفته أنت في قاموسك الغزاوي،غير أن هذه المعاني باتت بالنسبة لي تحصيلا حاصلا إذ ليست المرة الأولى التي أقرأ فيها مقالك هذا.قلت، كل ما سلف ذكره كان مفترضا حصوله لكن لم يحصل منه شيء و الذي جرى أني إكثفيت بالإحساس بشيء من الاطمئنان لسبب بسيط هو أنه من المستحيل أن يتسلط علي حبر قلمك المغرور و المترف، فأنا أكيدة أني لن أكون موضوعا من موضوعاته و إني الآن لأشفق على ارتياح صاحبيك المعلقان أعلاه إذ أعتقد أن قلمك سيتصيد أي فرصة ليكونا فريسة له ،فقلمك سيدي يجعل من لا شيء فرصة عظيمة للكتابة فما بالك إذا كانت مناسبة الكتابة في أصلها عظيمة . فالة

    ReplyDelete
  4. المقال ده اي كلام "هبل"

    ReplyDelete