Sunday, April 25, 2010

الحَــذّاء

الحَــذّاء


فجأة، ظهر أمام زاوية مقهى فيينا مقابل مسرح السلام في شارع القصر العيني. كان يحمل صندوقين خشبيين مهترئين يحشران بينهما جسده النحيل وقد تدليا من حبلين رفيعين يحزان بكتفيه. كتفان يعلق بهما ما يشبه بلوزة نصف متسخة.



كل الجالسون في المقهى تقريبا لمحوه بطرف العين بنظرة كالبرق تُبين عن التجاهل لـ "متطفل". ولتبديد حالة التجاهل - وأعتقد بأنه قد أدمنها- قال للحاضرين الغائبين بأنه ليس بذلك الشخص الذي يمكن تجاهل وجوده بهذه السهولة. وبلغة خاصة جدا، طرق أحد الصندوقين برأس مال مشروعه المحمول كله على الأكتاف وهي: فرشاة غليظة ظاهرها خشب تقعر وباطنها شعر تحدب. بدا الشعر على الفرشاة مرصوصا بعناية في المقابل اشتعلت برأسه "ثورة سوداء"، فمثل هذه الثورات لا تشتعل إلا في رؤوس الفقراء!



الصندوق الواحد مستطيل الشكل، وله باب علوي لخزن النقود - وكلها فكة - وأشياء أخرى كثيرة هي من سقط متاع اليوم. أما واجهته فتتسع لأربع أو خمس علب بلاستيكية كبيرة من شامبو "هيد آند شولديرز" مملوءة بالطلاء والورنيش. الشامبو الذي تُغسل به "الرؤوس" إذا ما انفرد الناس لخلوة الاستحمام، حوّل الحذاءون علبه إلى جزء مهم من رأس مال مشاريعهم لمسح "الجزم"!



ولا أعرف السر حقيقة في اختيار معظم الحذائين لهذا النوع تحديدا من العلب. ربما لأن علبة الشامبو هي أقوى مؤشر للنظافة على الإطلاق، وبذلك يُغري الحذّاء الزبون بأنه سيحظى بخدمة "نظيفة". ويمكن أن يكون هذا الاختيار أيضا للقول للزبون بأن "النظافة وراك وراك"، من الحمام للمقهى ومن الرأس حتى فردتي الحذاء.



ألقى الحذّاء بالصندوقين عن كتفيه فشدتهما الأرض مع كتفيه بقوة، ثم أخرح من أحدهما قطعة كرتون بحجم فردتي حذاء متلاصقتين وبمقاس 45 أو أكبر قليلا. وبدأ نشاطه بالتحرك بين الجالسين في القهوة، جاعلا من الطرق الخفيف على قطعة الكرتون خلفية صوتية لعباراته المتكررة "حد يلمع، حد يلمع..". ظفر، أخيرا، بفردتي حذاء بعد عدة جولات. وعلى الفور تحول أحد الصندوقين لمقعد صغير، وباشر عمله بالمسح، ثم الطلاء، وأخيرا التلميع بالورنيش.



المهمة لم تستغرق سوى دقيقتين تقريبا. انشغل هو بعمله، وانشغلت أنا بأشياء أخرى. بدأت أقدر عمره. 14، لا، ربما أكبر. 16، لا فهو أكبر من ذلك. 20، لا لم يتجاوز العشرين بعد. ثم خطر ببالي أن أعد درجات سلم خشبي أسند إلى الحائط بالقرب منه، وعقدت مراهنة بداخلي على أن مجموع عدد درجات السلم هو الأقرب لعمر هذا الحذّاء. وفعلا بدأت أعد، وكل درجة بسنة، وأبانت عملية إصدار شهادة الميلاد الميدانية له عن 19 عاما. وأظن أن عمره في هذه الحدود. فهكذا هي السنين، تتحول إلى كم مهمل عندما لا تصمد أمام التفاصيل الثقيلة التي تحويها.



بعدئذ، بدا مستقبل هذا الحذّاء في نظري مشرقا. فالحذاء هو شغله الشاغل، والسعي وراء تلميعه هو مصدر قوته اليومي. قيل مرة: أنك إذا أعطيت طفلا شاكوشا فسيرى كل ما تقع عليه عيناه مسمارا. وكذلك هو الحذّاء، يمر بنا عارضا خدماته علينا ولا ندري كيف تنتهي صورنا في مخيلته! ومعادلة "المستقبل المشرق" خاصته تتلخص في نظري أنه لو قدر لأحد الحذّائين أن يستثمر واقعة "رجم بوش" بالحذاء لتحقيق شهرة في زمن الفضائيات لكان له ما أراد. ففي زمن يضرب فيه رئيس أمريكي – هو جورج بوش - بالحذاء، فإنه يمكن لأي حذّاء أن يصبح نجما وبامتياز. كيف؟



الحذّاء - كغيره من المتخصصين في الاقتصاد والسياسة - هو إنسان متخصص أيضا، بل وربما خبير لزم استدعاء تجربته وطرح تحليلاته فيما استجد من تطورات فيما يتعلق بعمله كحذّاء. وطوال هذه الفترة من التفكير كنت أجد في ذاك الشاب المقوس الظهر أنسب إنسان للتعليق على حادثة الرجم الشهيرة. فالحدث أبطاله اثنان تقاسما دور البطولة مناصفة بالتمام والكمال وهما: بوش والحذاء؟ سمعنا الكثير من الكلام عن الأثر السياسي لهذا الحدث النادر في عالم السياسة ولم نسمع شيئا عن فردتي الحذاء المتطاير.



وتساءلت، لماذا لم تستضف الفضائيات جزّاما أو حذّاء ليوضح لنا بعض خفايا المهنة ويفتينا - كغيره من المحليين - في أهمية الحذاء للتعبير عن الغضب وإهانة الآخر دون غيره من الأدوات؟ وسيكون التحليل أكثر مصداقية وإثارة لو كان المحلل "كبير حذّائين"، ليشرح لنا مزايا ومساوئ ما إذا كان الحذاء ملمعا أو متسخا عند الرجم؟ وكيف تؤثر درجة نظافة الحذاء أو اتساخه على مقدار إهانة الغاضب للمغضوب عليه؟ وهل يحق للمحللين السياسيين السطو على دور "نظرائهم" من الحذّائين في تحليل حدث "رجم بوش"؟ وما هي تحفظات المحللين من الحذائين على الأداء التحليلي لأقرانهم السياسيين في ذات المهنة، وهي "التحليل"؟



وبالجملة، كنا سنكون سعداء بإعطاءنا خلفية تاريخية عن صنعة الحذّاء وكيف تطورت؟ ومن هو أول حذّاء في العالم؟ وهل يمكن للحذّاء الاستفاد من التكنولوجيا في تطوير صنعته؟ وكيف؟ وإذا كان الحذاء جزءا مهما من الاناقة كغيره من الأزياء، فلماذا لا تدشن برامج تعليمة في المعاهد المتوسطة على الأقل ليدرس فيها الكيفية السليمة لمسك الفرشة وأنواع البويات والورنيش المعتبر وطرق التسويق والتعامل مع الزبائن؟



كانت هذه الأسئلة والاستفسارات تتخبط داخل رأسي، وتتصارع من شدة غرابتها وتنافرها في آن. وبعد فترة وجيزة، بدأت تنتظم وبترتيب منطقي متسق من خلال السير في دائرة أخذت تتسع حتى شملت معها الحذّاء، ودفعت جميعها بناظري وبقوة نحوه معتقدا ولو للحظة بجدارته على الإجابة عنها كلها. في هذه المرحلة من التفكير كان الحذّاء قد وصل إلى مرحلة التلميع - وهي الأخيرة – لفردتي الحذاء. لم يمهلني كثيرا كي أفرغ عبر ناظري كل أسئلتي التي أثرتها. ولا أدري لماذا أنا أصلا أرغب في التخلص منها بهذه السرعة؟ وعلى عجل جمع فراشيه، ووضعها والكرتونة والأجرة في قلب الصندوق، ونظم علب "الهيد" المعبأة بالبوية على واجهة المشروع، وبدأ صندوق يتسلق كتفه الأيمن تلاه الآخر بتسلق الأيسر، وأدار لي ظهره غير عابئ بأسئلتي وكأنه يهرب من الاجابة عنها. لا، بل ربما يهرب من تهربي أنا من حل لغزها.


موسى الجمل

القاهرة

4 يناير 2009

No comments:

Post a Comment