Monday, April 26, 2010

هــذا أنـا


هــذا أنــا...


بعد طول فراق سألتني إحدى الصديقات المقربات جدا إلى قلبي، هل تغيرت؟ شعرت بجدية السؤال وسائلته. تحينت الفرصة وبإلحاح للإجابة عن سؤال اخترق سمعي لمرة واحدة وبسرعة حتى تملكني، رغم غوغائية النقاش الذي اندلع لتوه في موضوع آخر. أخذت بأذنها جانبا وقلت لها وهل خلقنا إلا لنتغير ونغير. كان من الممكن أن أجيبها بذات السؤال. ولكن بسؤالها هذا أجابتني هي عن تغيرها أو قل تبدلها.


بدا السؤال لي مفاجئا، وعلى الفور خطر لي أن أقول لها: نحن نتغير كل لحظة ولكن تراكمات التغيير قد تبدو للشخص بعد طول غياب بأنها جذرية، فتبدوا حينئذ هذه التغيرات للآخر جلية، أو صادمة، وكأنها قد حدثت لتوها؛ لكني تمنعت. المشكلة ليست في التغير يا صديقتي. الأهم هي الظروف التي نختارها أو تختارنا فتشكلنا كيف ما تشاء.


مقاييس...

الأكثر أهمية هو أن تلحظ التغير الذي اعتراك. فذهول أو إعجاب من هم حولك تعليقا على ما يطرح للنقاش كفيلان لأن تقيس مقدار التغيير الذي طرأ على أفكارك، على أن الذهول مؤشر الثبات في مواجهة التغير الحاصل، والإعجاب يكون بداية لتقبل الآخر للجديد واستيعابه ومن ثم التماهي معه. وإذ بك تبدي استعدادا للتغير، عليك تقبل قوانين الولوج لهذا المعترك. كأن تصبح أكثر جرأة على الطرح، وثقة بما تقول، والثبات على تحمل تبعاته.


برلماني الخاص...

تغيرت، فأصبحت أكثر احتكاكا بالناس وأكثر شكا بهم. كنت معتادا أن أهدي الناس أشياء، وإذ بي فجأة اكتشفت أن أجمل ما يمكن أن تهديه لإنسان هو كلمات أو بضع سطور مدببة كالسهم تخترق الذاكرة الصلدة وبسرعة، وتستقر داخلها للأبد. في بعض الأحيان لا أرى في الكلمات إلا تعبيرا عن تحقيري للآخر، بما تحمله من رزانة وفلسفة وعمق لا يقوى الآخر على فهمه. نتيجة حتمية تدفعه لاحقا للبصق على نفسه أن أغضب كاتبها.


وجدت الأمر تشوبه الفوضى، فأنشأت في عقلي برلمانا افتراضيا للناس برئاستي. افتتح الجلسة، ثم أراقب صراعهم من على منصتي. ألمس إصرارهم المتفاني على إثبات الذات. أتدخل في بعض الأحيان لفض خلاف أدلل من خلاله على حكمتي. أبدوا جديا في طرح أفكار غير مقتنع بها إطلاقا، للمجاملة. يهتف أحدهم بعبقريتي الزائفة، نفاقا. يبادلني آخر بنقد يتباهي به لاحقا. ثم أترك المكان منسحبا منتشيا بحكمتي، تاركا ورائي ضحالة أفكار الآخرين.


صراع العقل والمشاعر...

تغيرت، فأصبحت أكثر تفردا بقراراتي. ففي اليوم الواحد اتخذ آلاف القرارت بدءا من الأكل حتى المشاريع الكبيرة التي أحلم بها. لم أكن يوما متأكد من صحة قرار أو عدمه. أقلب تفاصيل الأشياء كثيرا. أصنع منها فيلما سينمائيا تطالعه عيناي بدقة وبسرعة، فيلهيني النظر إليه عن النوم حتى مطلع الفجر. أعصر أفكاري عن آخرها، حتى المهترئة والقديمة والمخبئة أفتش عنها بلهفة واستدعيها من أرشيف الذاكرة الخارب. جميع الخيارات، الممكن منها والمستحيل حتى الخيالي واللاوقعي استدعيه. أزنها بميزان تفكيري الحساس والجاد. مشاعري التي تمثل الريح المنبعث من الخارج غالبا ما تعبث بالميزان فتفسده. يُبقى الميزان على اهتزازاته دون توقف. يؤرجح الأفكار، تارة يعلي قيمتها وفي أخرى يحقرها. تغفو عيناي تعبا، أتنهد طويلا مسترجعا ذات الشريط بإغماضة عين، ثم أحفر بئرا في الضحك وأنام.


تناقض المركب والمفكك..

تغيرت، فأصبحت أكثر قناعة بأن ما يحويه الكون من تناقض هو أكبر بكثير مما هو عليه بني البشر من تساوق ظاهري. أشعر بأني جزءا من هذا التناقض. لا بل إني أصبحت أكثر تناقضا وبوضوح. نعم، أنا شخصية متناقضة، ولا أستطيع الانفكاك عن هذا الظل الذي إن لم يسعدني فهو يكبلني. حتى أني لا أعرف كيف يمكن لإنسان أن يتعايش مع كل ما حوله من متناقضات. كالأشياء المتناقضة التي تحيطنا نحن. عبثا، نركب الأشياء المتناقضة لنفهمها، وحينما تقترب جوار بعضها يتضح تنافرها أكثر في حال هي تفرقت وباعدت بينها المسافات. وفي ذلك أن تقريب الأشياء المتناقضة من بعضها يجلي الفوارق أكثر. ثم نعود من جديد لنفكك المركب حلا للغز تناقضه، على أن التفكيك يساعد على فهم أفضل للتفاصيل، فلا نجد إلى ذلك سبيلا. وهكذا نحن مخلوقات "مركبة" و"مفككة" وبالتالي متناقضة.


تقمص افتراضي...

تغيرت أو غيرت ثقافتي وفهمي لكثير من الأشياء وجددت كثيرا من آرائي الفاسدة، نعم الفاسدة، خاصة تلك التي كانت تنطوي على رؤية الأشياء من منظور واحد دون دراسة ظروف تشكلها ومبررات وجودها أو حتى واقعيتها. وفي ذلك أني لا أحب التصنيفات الفكرية التي يرددها كثيرون من قبيل محافظ ومتحرر، إسلامي وعلماني، ماركسي ورأسمالي. فأنا خليط من كل هؤلاء وأولئك. ولدي قدرة خارقة على تقمص كل هذه الادوار دون عناء أو شعور بضيق. وأرى أن هذه الأوصاف تنطبق على كل إنسان. وطالما أنها بالأصل أفكار فمن الصعب على العقل تصنيفها بالطريقة السهلة التي ينطق بها بني البشر. ثم لا أدري كيف لإنسان أن يجرؤ على اختيار واحد منها ومن ثم التعايش مع الأخريات في افتراض ثقافي واحد يبدو كله متناقضا.


عالمي الجديد...

تغيرت بأن أصبحت أكثر حبا للقراءة وشغفا بالمطالعة، وأكثر دقة في اختيار ما يجب أن يُقرأ ولمن. وندمت على تأخر اكتشافي لعالم الرواية. فهذه الحكايى والقصص تتربع على قمة ما أبدعه الإنسان. أخذت أنهل منها ما استطعت. فاكتشف أناسا دونما احتكاك، وعاشرت أمما دون زيارة، واختبرت بقراءتها مواقف لم أشهدها قط. فيما بعد، كنت أختار من شخوصها ما يروق لي عندما أشهدها واقعا. وأجلت الغموض عن كثير مما كان يحيرني من أسئلة دونما سؤال. ورسمت أمامي خريطة دقيقة للبشر منذ الأزل إلى الآن، بيئاتهم، حياتهم، صراعاتهم، أحلامهم، أهدافهم، ذكرياتهم- في لوحة توحدث فيها أنماط الحياة لديهم رغم اختلاف تفاصيلها. وإذا ما توفر لي أن أقرأ على أنغام الموسيقى، فللرواية طعم آخر. تناغم رائع ذلك الذي يجمع قراءة رواية بموسيقى هادئة.


وحين تغيرت، أصبحت أكثر حبا للموسيقى، وأكثر تقديرا لمكانتها، فقد أخذت مركزها في حياتي والأشياء الأخرى في فلكها المترامي تدور. فلا أجيد الكتابة إلا على أنغامها. وعندما تنجلي الأفكار وتصبح أكثر تدفقا أرفع الصوت قليلا، وكأنها الريح يهب على المنقل ليزيل الرماد الذي تراكم لتوه على جمر الأفكار، فتتقد جذوة التفكير من جديد، وترتفع ألسنته، فتنصهر الكلمات أسرع، وتصبح أكثر ليونة. يتولى العقل عبر القلم سكبها بعناية في قوالبها المنثورة على السطور فتشكل معالم الحياة التي أرى.


وأتسمع إلى كل ما تطرب إليه أذناي من موسيقى، وأطرب لما أراه متماهيا معي كإنسان عادي، ولا أهتم كثيرا للأسماء بقدر ما تعنيه الكلمات وتلامسه الألحان ما بداخلي من فرح، حزن، أمل، حنين، شجن، حب، حِلم وحُلم. أدقق جيدا عند الاختيار، فتعجنبي نعومة اليسا وهدوء كلماتها في "أواخر الشتا"، ورجولة عاصي في "يمكن" و"الهوارة" وحزنه على أمه في "باب عم يبكي"، وشجن الكفوري في "خدني ليك"، وملائكية فيروز في كل ما غنته أو روته علينا من قصص لـ "شادي" "يا طير" "ليل بترجع يا ليل" "عتم اليل" " "أسامينا". أما الليل فلا يحلو إلا بالسمر مع الست أم كلثوم في "سيرة الحب"، و"الأطلال"، و"ألف ليلة وليلة".


ولا أكون مهموما بمشاهدة الفيديو كليب لأي أغنية، بل إني أصنع في ذهني مئات الفيديو كليبات للأغنية الواحدة، وأتخيل أوصافا وأحداثا مطابقة لكلمات الأغنية التي أتسمعها بما يتناسب مع حياتي. فحياة كل منا مليئة بالفيديو كليبات لدرجة أن كل أغاني الدنيا قد لا تتسع لتصويرها. وفي كل مرة أستمع فيها إلى نفس الأغنية تشكل مخيلتي فيديو كليب مختلف. وبذلك أكون قد تفوقت على مخرجي الفيديو كليب الذين يجبرونا على رؤية أوصاف كلمات الأغنية كما تحلو لهم رؤيتها، ولكن أكثرهم لا يرون. ولا أحب الموسيقى الصاخبة وأكره الغناء الشعبي الذي يصرخ صاحبه أكثر مما يغني وبكلمات مبتذلة. وتراني دائما أتساوق مع كل ما هو هادئ ورزين وجميل وبسيط إن كان بالكلمات أو الطلة.


خطوط حمر...

ثمة أشياء لم يعتريها التغيير، فأنا كما أنا أقرأ القرآن كثيرا برواية حفص عن عاصم وبشكل أظنه ممتاز، وأحاول أن أفسر وأفهم معانيه بإعمال عقلي عميق، دون اللجوء لأي تفسير مكتوب، إلا قليلا. ومن الناس من يظن أنه قديم إلا أن آياته لا تستعصي على الفهم لمن يريد أن يتدبر. وأحب الاستماع إلى كبار المقرئين من الشيوخ بصوتهم الطبيعي دون مؤثرات صوتية كصدى الصوت مثلا. وأطرب لصوت الشيخ الطبلاوي وهو يرتل متقنا مخارج الحروف وتهتز أركان بنائي الداخلي لكل حرف ينطق به عبد الباسط مجودا. ولا أحب النفس السعودي السريع في قراءة القرآن، وأحس أنهم يريدون حشر سور القرآن كلها في شريط واحد لأسباب تجارية. فلا أنت تستمتع بجودة التلاوة، ولا حتى تمنح الفرصة للتفكير في المعاني.



وأروع ما أعجبني من قرآت للقرآن تلك التي تصدح بها مآذن القاهرة قبيل صلاة الجمعة بدقائق. فمقرئي ما قبل الصلاة في الحسين والسيدة زينب مدرسة متكاملة. قراءة متأنية، صوت عذب جدا، تجسيم وتصوير صوتي للآيات القصصية قل نظيره، أحكام ومخارج متقنة تماما، وتشعر أن كل آية تخرج كلماتها حرفا حرفا، فتستمتع بالتلاوة، وتتعلم كيفية أدائها، وتتدبر المعاني وتستقرئ الدلالات بالراحة، ويغذي ذلك كله جمل الإطراء التي تنهمر على المقرىء ما ان ينتهي من آية، فتكتمل عندئذ نشوة الخشوع وإلى أقصى قمتها، وتشعر بأن أركان المسجد تشاطرك ذات الخشوع.

على أيّ، فلا شيخا صرت، ولا شهوة أغوتني. ولم يزعجني يوما ألا فكرت بأن أرخي لحيتي فأتموض دينيا. ولا أنا منفلت، فلا ارتاد الملاهي الليلية، ولم أعاكس بنتا قط، حتى أنني لم أهتدي إلى طريق "الحب"، رغم رغبتي الشديدة فيه. واستهجن صديق لي عاقل، بالغ ورشيد، ويكبرني بخمسة عشر سنة كيف أني لم "أُعلق" أي من بنات الجامعة إلى الآن. فبادلته، بأن لو بلغت من الانفلات عتيا لن أقدر على أن أشق إلى ذلك سبيلا.


الحكمة، إن لم تتغير بإرادتك تغيرك الظروف، حينها تصبح ناتجا عنها، وقد لا تعجبك النتيجة، غالبا. لذا، بادر بتغيير الظروف، وطوعها بقدر الإمكان باتجاه هدفك، حينها تكون النتيجة مثمرة، إلا قليلا. وبقدر ما تتغير تكن قادرا على التغيير.



بدأت كتابة هذا النص في مصر في يناير 2009، واستمر التعديل فيه على مدار عام وانتهيت منه في 1/1/2010 في دبي، لكن معظمه تم انجازه خلال الإقامة في القاهرة.



موسى الجمل

دبي

1/1/2010

5 comments:

  1. تحليل ذاتي ورسم صورة شخصية في محاولة لوضع النقاط على الحروف. ليس لأحد آخر أكثر من نفسك.
    شكرا لمشاركتك لنا هذه الصورة الخاصة جدا

    ماهر حمود

    ReplyDelete
  2. ماذا تركت لي حتى أحدث به الآخرين عن نفسي؟
    استأثرت بكل شيء أ هذا عدل؟

    ReplyDelete
  3. بل لم أقل شيئا، وتركت للآخرين أكثر بكثير مما قلت، وأتمنى أن يكونوا أعدل مني.. شكرا لصاحب هذه الكلمات الرقيقة. وودت لو تعرفت إليه.. فهل بالإمكان تحقيق رغبتي؟

    ReplyDelete
  4. سيكونون أعدل منك فلا أحد يمتلك لغتك و لا أحد يستطيع توظيف الكلمات ببراعة مثلك أما عن رغبتك في معرفة صاحب الكلمات فإني أراهن على ذكائك

    ReplyDelete
  5. صورة جميلة و ان كانت بحاجة الى مزيد من الالوان

    ReplyDelete