Saturday, July 17, 2010

غــزة... تنشد حباً فترى حرباً

-->
-->
غــزة... تنشد حباً فترى حرباً


يكفي اسمها ليكون عنواناً، فدونها تتبدد المسميات، وتنسحب من قواميس اللغات المفردات، فتحال إلى سراب. ولأيام عدة، يراود قلمي الكلمات عن نفسها وهي تتمنع. حق للكلمات أن تهرب، فما من كلمات تتجرأ أن تتمثلها. أخيرا تخيلتها جسداً وحاولت استنطاقها.

بين بحر وشريط حدودي شائك، حشرت الأقدار والجغرافيا المصطنعة والاحتلال وآخرون غزة. ولأن كل شيء له من اسمه نصيب فقد جاء في أحد معانيها أنها مرادف للقوة والمنعة والعزة والغزو أيضاً. وفي ذلك أنها غَزت أعدائها في عقر دارهم غير ما مرة، وغزّتهم في كل جنبات جسدهم المدجج دفاعاً عن نفسها.

ثم قالو لها سنمحيك من جغرافيا المكان، سنحيلك إلى رماد تذروه رياح ترسانتنا العسكرية، ثم حاصروها، ليس إلا أنها غرّدت خارج سربهم، منتشية بمعجزة البقاء في زمن تفنى فيه الأشياء سريعاً وتتبدل، رغم أن جغرافيا المكان لم تتغير.

نوم أهلها الصاخب يزعجهم، أحلامهم بالدولة تقض مضاجع عدوهم، وتزحف مع كل لحظة على شبر جديد لتجتاح رغبة المحتل في البقاء على أرض مسلوبة. ويومياً يقضمون بأناملهم العارية إلا من العزيمة قطعاً من الأرض ملء أيديهم، ثم يراكموها ليملؤا مكاناً في مخيلتهم عن دولة استكثر العالم والأعداء وبعض الأصدقاء أن تكون "قابلة للحياة"، كما تراءت لهم.

أما ناسها فكلهم عناوين، تطير تفاصيل حياتهم يومياً مع الرياح المشبع بالندى إلى موائد العالم، فتتقاسم مع الناس فطورهم اليومي عند كل صباح. أخبار أهلها وأحداثهم اليومية استأجرت الهواء حصرياً من الفضاء المصطنع منذ عقود، وقالت له: احملنا على أجنحتك برفق، وقف بنا عند رؤوس كل الأشهاد والخلائق، وسقنا إلى العالم قصصاً ودروساً وعبراً وحكماً وأشعاراً، فوالله لا قيمة لك دوننا، ولا أفضل من قصصنا كي تحملها نسائمك التائهة فتُصبغ بالحرية، ولن تجد أطهر وأنقى من تفاصيل حياتنا مرشداً لبعض غماماتك الشاردة.

يأتيك المذياع بأخبارها تقول: إن الكهرباء غير متوفرة. ترد عليهم خذوا عيناي واجعلوا منهما قناديل، ثم وزعوها على العالم لتنير ظلمة قلبه علينا. أوغلوا داخل أعماق قلبه مهما تعرجت الطرقات وأظلمت، واغرسوا أطرافه بالمصابيح ولو خبى نورها من طول المسير، ثم علقوا على جداره الأسود شموعاً تزيل كآبته وتمسح بدموعها البيضاء النقية بعضاً مما علق على جداره من حقد.

وفي الأخبار أيضاً، ملأ اسمها الدنيا ضجيجاً وصخباً، فغطى على اسم الوطن الموعود، وانحسرت تضاريسه دونها، وانسحب بعضها من جغرافيا المكان لتتسيده هي. حتى أني سُئلت ذات مرة هل هي عاصمة دولتكم؟ هي رفضت في السابق عرضاً مثل هذا، واكتفت بمجاورة الوطن، وحراسته ولملمة جراحه، مدافعة عنه من كل معتدٍ أثيم. ثم غدت أكبر من جغرافيا الوطن، وتمددت لتحتضن الجوار وما بعد الجوار، فاتسعت لمختلف تضاريس الفكر والسياسة والدين؟

حتى في العالم الافتراضي (الإنترنت) اتسعت لكل الوطن فكانت أكبر منه عداً وعدداً. ضعوها في محركات بحثكم باللغة العربية فستجدوها تعد 126 مليون اسم لها، أما الوطن فلن يعدّ اسمه سوى 109 ملايين مرة. أما باللغة الانجليزية فقد عدت غزة 49 مليوناً و700 ألف اسم لها، أما فلسطين فلم تعد سوى 41 مليوناً و100 ألف مرة. وكأن الوطن الموعود قد مل الانتظار منذ عقود في الافتراض، والواقع أيضاً، فتقلص.

ذات مرة جاءت الأخبار لتبشر أن عدوها سمح لها أخيراً الاستمتاع بالكاتشب بعد أربع سنوات من المنع. فلم تجد امرأة تسعينية من السخرية إلا ترفها وهي تقول: وما هذا "الكشتم" الذي تتحدثون عنه؟ فشلت عشرين مرة في نطق اسمه الصحيح بعد أن كرره على مسامعها فتية مروا بها يمرحون. ولما عجزت عن فهمهم، طرحت عليهم سؤالاً بسيطاً، ما لونه؟ قالوا لها: إنهم يقولون إن لونه أحمر. فبادلتهم: منذ أكثر من 62 عاماً ونحن نسقي به الأرض فتنبت أشجاراً من الرجال، تثمر بدورها شهداء مع وقف التنفيذ، ثم يعودوا إليها من جديد ولو بعد حين، ومن هذا لدينا مزيد، ولا حاجة لنا بأحمرهم. فهذا ليس أهم ما يمكن أن تساوم عليه كي تسلم لهم نفسها.

ثم قيل إن قادة أركان جيشهم اجتمعوا مرة حين تنامي إلى مسامعهم أن ثلاثة صبية تعثر أحدهم، وهم في طريق عودتهم من المدرسة، بكيس كزبرة سقط من سلة جارتنا بيما كانت عائدة من السوق، فحمله بين يديه. واصلوا المسير، وبعد قليل انزوى الثاني إلى ركن مهجور داخل كرم برتقال قريب، وجاءهم بملء قنيقة من عصيره الخاص جداً. لمعت في رأس الثالث فكرة أن يضع الكزبرة على العصير. ولما فعل أعلن عن استهدفه لزميليه الآخرين بقنبلة من نوع خاص صنعت لتوها، فانفجرت في اجتماع أركان محتلهم، لتريهم كم أن رائحة أفكارهم المطروحة لبحث أمر الصبية نتنة، فكان أن سجلوا في مرمى الاحتلال هدفاً.

يا أطفال غزة، قفوا برؤوس أصابعكم فوق رؤوسنا نواطير، لا تنظروا داخلها، فهي مليئة عن آخرها بأحلام ضحلة لا تناسب حتى مقدار سخريتكم من الأشياء. إذ لا تعدو أن تكون أحلاماً في سيارة فارهة، أو شقة واسعة، أو قطة وادعة أو كلب وفي، أو راتب ذو أصفار عدة. اجعلوا فقط من رؤوسنا منصات تشرفوا من خلالها على أحلامكم بالدولة. وما أن تملؤوا مخازن ذاكرتكم بالمشاهد والأحداث، اسمحوا لنا ولو بشيء قليل منها كي ننام ملء جفوننا حسرة ما فاتنا من التفاصيل.

لا شك أن البعض قد كره رسم اسمك، نطق حروفك، أنفاس أطفالك، صمت صمودك، ضجيج نوم ناسك، نور ظلمتك، وعلى الخريطة وجودك. لكنكِ تجاهلتي كل هذا وغيره باقتدار، واكتفيتي بمبادلتهم جملة واحدة: مالي أبحث عن الحب في كل مكان فلا أجد إلا حرباً.
موسى محمود الجمل
دبي
17 يوليو 2010

7 comments:

  1. جميلة جداً .. لقد جعلت مهمتي في اقتناص الإنتقادات صعبة المنال ... فهل أنتقد اللغة وجمالها أم أستفز الكلمات وسحرها


    إلى الأمام

    وحتى تجد غزة الحب .. سنجد نحن الحلم!! لكن السؤال هو



    متى ؟؟

    ReplyDelete
  2. أشكرك يا منار... سنجد الحلم قريبا إن شاء الله

    ReplyDelete
  3. جميل ما خطته أناملك أخي الكريم

    سعيد أني كنت هنا

    دمت بود وسعادة

    ReplyDelete
  4. تجمعني بهذا النص علاقة حميمية فقد أحببته من النظرة الأولى في وقت كنت أعتقد فيه أن الحب لا يأتي إلا بعد قراءات و قراءات.فالة

    ReplyDelete
  5. كلمات مؤثرة

    ReplyDelete
  6. كتبت فصدقت فأثرت

    ReplyDelete
  7. رائع وفقك الله لكل خير

    ReplyDelete