Thursday, August 26, 2010

الناطقون بأسمائنا... 1-2


-->
الناطقون بأسمائنا (1-2)

ما دفعني لكتابة هذا النص هم الأغبياء. ولا أرى أوجه من الغباء وأهله ليكونا حافزين لخط بعض السطور. وللأمانة فقد عنونت النص بـ"المتحدثين بأسمائنا"، ثم استبدلت "المتحدثين" بـ"الناطقين"، حين وجدت أن اللفظ الثاني يليق أكثر بأهله.

إذ ليس كل مَنْ أو ما ينطق يتحدث بمعنى أو يقل شيئاً مفيداً، لكن كل من يتحدث بمعنى أو يقل شيئاً بعينه لا بد له أن ينطق. ولأن الحديث ينطوي على معنى وليس بالضرورة أن يحمل النطق هذا المعنى، فإن الأخير لا يتجاوز كونه صوتاً. حتى أن الكثير من مخلوقات الله تنطق، لكن قليلها ما يقول شيئاً ذو معنى. ومن هؤلاء الكثر الناطقون بأسمائنا.

يُطلِّون علينا عبر كل الشاشات والإذاعات ليلاً ونهاراً، وقد احتكروا الهواء لأنفسهم ولم يتركوا لنا منه نفساً واحداً نتنفسه، فاختنقنا. يسابق أحدهم الآخر في الظهور اليومي على قدر ما أتيح له من شاشات وإذاعات محلية وعربية وعالمية، لينشدك أبياتاً جديدة في "علم الثرثرة"، حتى يخال إليك أنه قد تتلمذ على أيدي مرتجلي الشعر في العصر الجاهلي.
تراهم ركعاً سجداً أمام مكاتب وسائل الإعلام، يبتغون ميكروفوناً أو كاميرة ويتحسسون أنفاس الصحفيين ومواقعهم. سيماهم في عيونهم من أثر السهر والتعب والنَّصب وقلة النوم. الغريب أنهم في ظروف مثل هذه أصبحوا يجيدون ربطات العنق بعد أن كانت محرمة عليهم، ويخاطبون الكاميرا باللغة التي تفهمها، ويدلون بتصريحات يعرفون أين يراد لها أن تكون "تجارية" وعلى عجل، وأين تكون متقنة مع قليل من التفاصيل والتأني.
المتغير الوحيد في هذا المشهد أو "العملية الإنتاجية" هو فقط شعار القناة الذي يمتد أمامهم ليعبر عن تعدد خطوط الإنتاج كي لا تبور البضاعة كلها في حال فسد أحد الخطوط، أما المُنتج فهو ذاته، تصريحات رديئة ومكررة ومعلبة تضخها الكاميرا بعد أن تمتلئ بمواد أسلنتهم الخام، لتخرج لنا تكراراً لنفس المنتج، مع أن الأسواق قد طفحت به.
قبل عشرة أعوام، مررت بصبية مخيمنا بينما كانوا يستظلون بحائط إحدى بيوته المتهالكة، كانوا يتعاطون السياسة في مجلسهم كما العادة، وقد حولوا تصريحات أحدهم إلى أنشودة يتغنون بها في معرض مناقشتهم لوضعنا الداخلي. إذ اقتبس أحدهم مقتطفاً لأحد الناطقين، الذي علّم الملل عينه كيف يمل من ذاته ويكرهها، وهو يقول: "نطالب المجتمع الدولي والإدارة الأمريكية بالعمل على تطبيق رؤية بوش لحل الدولتين وإقامة الدولة الفلسطينية على حدود 67 وعاصمتها القدس الشرقية وحل قضية القدس واللاجئين والمياه والحدود والاستيطان".
رد عليه آخر: وهل لـ"صائح" من كلمات غيرها، إنه مضطر لأن يرددها، فما للقضية من كبير إلا هو.
تدخل ثالث: هذه الجملة باتت أشهر بصمة صوتية في تاريخ الإعلام والسياسة، حتى أن العبارة طغت على اسم صاحبها. ورغم تكرار العصفور للزقزقات فإنه إذا ما أنشد ولساعات طويلة تستعذب صوته دون الالتفاف إلى مكان وجوده، لكن الفارق أن صائحنا هذا لا يمكنك حين سماعه إلا أن تبدل الموجة أو تصم أذنيك بأصابعك.
منذ أربع سنوات فقط تغيرهذا الجيل ليتربى آخر على موشحات جديدة للناطقين، وتحديداً بعد الانقسام بين طرفي "النزاع المحتدم في فراغ"، فأصبح رواده يرددون جملاً من قبيل: "نحن مستعدون للحوار، والذهاب إلى القاهرة، لكن الطرف الآخر هو من يعرقل الحوار ويضع شروطاً مسبقة للتوقيع على الورقة المصرية".
ثم اخترعوا لنا مصطلحات حصرية لا محل لها من الإعراب في أي قاموس سياسي، مثل "الجملة السياسية"، حين فشل الفرقاء في القاهرة على صياغة أنفسهم وأفكارهم ونظرتهم لمفهوم الدولة في جملة مفيدة يستسيغها الناس. ووجدوا أخيراً فرقاً بالصدفة بين مفهومي "حكومة وحدة وطنية" و"حكومة إجماع وطني"، فما رأينا وحدة، ولا شهدنا إجماعاً، ولا حتى قادتنا حكومة.
ثم دخلوا قواميس المصطلحات السياسية من أوسع أبوابها بجملة كبيرة من المصطلحات المتناقضة، ففرقتنا مثلاً "المقاومة المسلحة" لأن البعض يريدها "شعبية". وفي خضم الصراع على "توحيد الأجهزة الأمنية" تضاعفت "المليشيات المسلحة" و"كتائب الحواري والأزقة"، ليفوق عددها تعداد الأجهزة الأمنية نفسها.
هذا كلامهم، أما هم فإن وجوههم تبين عن أن الواحد منهم يكون مدفوعاً بإغراء الكاميرا وغواية الظهور وقوة إثبات الذات الزائفة، والفصاحة المفتعلة، والذكاء المصطنع. فهم وإن رأيتهم تعجبك ربطات عنقهم ووجوههم المكتنزة وبشرتهم البيضاء وأظافرهم اللامعة، وإن يقولوا تتوقع جملهم، فلا تخونك مخيلتك إطلاقاً في أن تسبقك إليها، كأنهم خشب مسندة، فهم أشباح بلا أرواح وأجسام بلا أحلام.


موسى محمود الجمل
دبي
26 أغسطس 2010

1 comment: