Sunday, August 29, 2010

الناطقون بأسمائنا... 2-2

-->
الناطقون بأسمائنا (2-2) 

الناطقون بأسمائنا لا يقولون لأي وسيلة إعلامية لا، فلديهم من الحياء والخجل ما يمنعهم من عدم الإجابة عن أسئلة الصحفيين، وهم يفهمون في كل شيء، ولديهم إجابات جاهزة عن كل سؤال في أي موضوع كان، ولو منح بعضهم الفرصة لأعطاك وصفة شهية لطبق اليوم. فالناطقون بأسمائنا "في كل خيل مغيرة"، كما كانت تردد جدتي ومن بعدها أمي رحمهما الله.

ويومياً يتحفوننا بتصريحات بات القاموس السياسي عصياً على إيجاد مرادفات لها، ويغمروننا بكلمات جديدة لذات المفاهيم من جواريرهم العامرة بمصطلحات خاربة، وفي كل مرة يبدو ناطقونا كمن يفرغ جرابه من رصاصته الأخيرة. ثم يتجملون علينا حين ترتفع حواجبهم وابتساماتهم الزائفة لأن نفخ الله في سرهم لتركيب كلمتين على بعض ليجعلوا منهما اختراعاً جديداً يضاف إلى قاموس بات ينوء بالاتساع لكل هذه الكلمات المبهمة.

ومن جمل التأكيد على المؤكد، التي يرددونها عند كل ظهور لهم، واحدة شهيرة: "نطالب المجتمع الدولي والمنظمات الإنسانية والحقوقية وكل الأحرار في العالم بالضغط من أجل (في بعض الأحيان بالعمل على) رفع الحصار عن شعبنا (بعضهم يضيف فوراً)، على اعتبار أن المجتمع الدولي رهن إشارته، وينتظر منه أن يقول الشيء فيكون.

أما المقاومة فمستمرئو مصطلحاتها كثر "فهي حق مشروع كفلته الشرائع السماوية والدولية لأي شعب يقع تحت الاحتلال". بعضهم يضيف "إن صمود شعبنا أمام الحصار هو تجسيد لهذه المقاومة، أو هو جزء لا يتجزأ منها".

ثم تخيلت نفسي وزيراً للحظات وفي حضرتي الناطق الرسمي، أو الإعلامي باسم وزارتي الرشيدة، كما يحلو للبعض تسميته:

- ماذا فعلت اليوم؟
- سيدي، لقد أصدرت بيان شجب ضد قرار المحكمة الدولية في إدانة البشير وإضافة تهم جديدة لملفه بالإبادة الجماعية في دارفور، وثانٍ استنكرت فيه الزج بأحد حلفائنا في قضية "دعم لوجستي للمقاومة"، وثالث عبرت فيه عن رفضنا للمفاوضات غير المباشرة مع الاحتلال، ورابع اعتبرت فيه الانتقال للمفاوضات المباشرة معه ضرباً من العبث.

- جميل، ولكن هل هذا كل ما فعلته اليوم؟
- لا يا سيدي، فقد ناشدت في لقاءات مع عشرات الفضائيات التي أعرفها ولا أعرفها والتي أتذكر بعضها ولا أذكر معظمها؛ حركات التحرر في العالم بمساندة موقفنا في مواجهة الاحتلال، ودعوتها للوقوف معنا ضد الاحتلال وحصاره الظالم لنا.
- ومن هذه حركات التحرر؟ وأين توجد؟
- أنت أدرى سيدي، فهي كثيرة ومنتشرة في كل بقاع الأرض ولا يتسع المقام لذكرها أو حتى تحديد مسمياتها.

ثم حدث الناطق نفسه:
- ما هذا السؤال المحرج، فهي موجودة فقط في افتراضنا السياسي، ونكمل بها جملنا حين تخوننا التعابير وتضيع منا الكلمات، كي تبدو مفيدة ويمكن تجرعها.

- وماذا عن الحكومة غير الشرعية؟ (والاثنتان ينطبق عليهما المسمى من وجهة نظر الآخر).
- كنت في مناظرة عبر إحدى الفضائيات مع أحدهم، وعلى الرغم من التهم العديدة التي كالها لي الخصم، فقد ملأت بدوري أذنه والفضاء أيضاً بما يكفي من السباب والشتائم، ورددت له الصاع صاعين، وعلمته درساً في الندية السياسية.

- جميل، جميل ما تقوم به، ابق على هذا الدور ولا مانع لو رفعت نبرة تعبيرك في كل هذه المواقف وبحدة أكبر.
- أمرك سيدي
ينتهي الاجتماع، فيخرجوا من عهدة الوزير، ليتسلموا بدورهم عهدة جديدة، هي القارئ أو المشاهد "المسكين"، فما من خيار أمامه إلا أن يسمع لقولهم بإنصات له صدى صاخب يتردد داخله. أما المحللون السياسيون، وما أكثرهم في هذا الزمان، فيلتقطون كلماتهم ولا يتوانون للحظة عن تحليلها، واستشراف دلالاتها، واستجلاء مكنوناتها، ومن ثم إعادة صياغتها و"شقلبتها" يمنة ويسرة، وهكذا، وكأن الناطق بها لم يؤت الحكمة أحد سواه.

ولما وجد بعضهم الأمر مرهقاً، احترف صياغة "البيانات الصحفية"، وبالطريقة التي يفضلها بعض الصحفيين. فيكتب ما يحلو له من مواقف ويرسلها بالفاكس، ومن جديد باتوا يستخدموا الإيميل في التعبير عن مواقفهم وبسرعة البرق. البعض منهم أضاف لنفسه مهمة تطوعية فأصبح مقاول مقالات، وما مقالاته إلا تجميع للبيانات التي أصدرها على مدار أيام.

ولأنها تكون من الرداءة بمكان حيث يجمعها على عجل، يكون مضطراً إلى تصديرها بعناوين تحمل أكبر من مضمونها بكثير، كأن يكتب مثلاً "قراءة متأنية في المشهد الفلاني"، "المشهد العلاني استشراف للدلالات"، "سيناريوهات ما بعد المشهد الفلاني"، "أبعاد واستراتيجيات المشهد العلاني".

وحين يبدو على هذا النحو من الانفصام بين بيانات سياسية ومقالات صحفية، من خلال وضع رجل في السياسة وأخرى في الإعلام، تتراءى له أعماله كرماد اشتد فيه الريح في يوم عاصف إذا ما فطن لازدواجية صورته وممارسته لدورين متناقضين.

ولما كان في بلادنا كل شيء يسير وفق قانون العجائب والغرائب، فقد جعلنا للمعبر ناطقاً، وللحدود ناطقاً، وللإسعاف ناطقاً، وللكهرباء ناطقاً، ولكل مستشفى وبلدية وحارة، ناطقاً، ناطقاً،.ناطقاً. فهل نحن فعلاً بحاجة إلى كل هذا الكم والعبء من الناطقين بأسمائنا، وحال موضوعنا الفلسطيني على هذا النحو من الفشل، في أقله، على الصعيد الإعلامي؟!
موسى محمود الجمل
دبي
29 أغسطس 2010

3 comments:

  1. كلام صحيح ومضحك

    ReplyDelete
  2. هههههههههههههههههههههههههههههههه تمام

    ReplyDelete
  3. ههههههههههههههههههه هدا المقال حلو كتير بيجنن وواقعي جدا

    ReplyDelete