Wednesday, September 29, 2010

صحفيون بلا أسماء

-->
-->
-->
صحفيون بلا أسماء

إعلامنا العربي مازال يحبو في مرحلة الطفولة، ولم يتجاوز بعد طوري التجريب والنضج، والتجارب الناجحة في هذا "السوق" المكتشف لنا حديثاً، وتحديداً منذ بدء معرفتنا بالبث الفضائي قبل عشرين عاماً؛ لاتزال معدودة على أصابع اليد الواحدة.

ولأن أسواقنا العربية، بما فيها الإعلامية، لا يحكمها قانون ولا يضبط السلوك فيها حدود، خصوصاً في ظل الدهم المفاجئ للإنترنت لسوق الصحافة المطبوعة ومن ثم وضعها على الهواء مباشرة؛ فهي لا تخلو من ظواهر غريبة مبتدعة، ومن قليل هذا الغريب ظهور "صحفيين بلا أسماء".

وهؤلاء الصحفيون تظهر تقاريرهم مكررة بالحرف الواحد على أكثر من موقع إخباري إلكتروني أو صحيفة إلكترونية أو حتى مطبوعة، مع اختلاف طفيف يعتري أسماءهم في كل مرة. ولا أرى مبرراً مهنياً أو أخلاقياً لأن يُغير الصحفي اسمه، ولا أفهم تصرفاً مثل هذا إلا أنه ارتكاب لعملية تزوير متعمد من أجل أن "يبيع بضاعته" لأكثر من زبون، ولو كلفه ذلك اسمه وسمعته في السوق.

المصيبة أن هذه الظاهرة تطورت لتتجاوز التخفي وراء أسماء مستعارة لمن باعوا أسماءهم وتقاريرهم بمتاع من الدنيا قليل، ووصلت إلى حد قبول مواقع إلكترونية عدة لهذه الحالة والتعامل معها على أنها عادية عبر استسهال النشر، وبالتالي اختلط علينا الأمر من ناحيتين: الأولى معرفة من هو صاحب الامتياز الأول للنشر، والثانية مَنْ نسخ مِنْ مَنْ؟.

أعرف صحفياً غزياً واحداً على الأقل كان يكتب يومياً لأربع صحف يومية ومجلتين أسبوعيتين بمفرده دون أي مساعد. طبعاً التقارير التي تظهر منشورة هي ذاتها مع تغير طفيف قد يرتئيه المحرر في العنوان أو المقدمة.

ولم أكن أعرف أنه هو ذلك "السوبر صحفي" إلا عندما صعد في مرة على المنصة في إحدى حفلات التكريم للصحفيين، وما أكثرها، ست مرات ليتسلم جوائز عن المطبوعات التي يكتب فيها كلها دفعة واحدة، حين نودي عليه بأسماء ستة مختلفة.

وفي طريق البحث عن أبواب جديدة يعلق عليها اسمه، ولما استنفد كل القرائن الممكنة لاسمه، تملكت واحداً من هؤلاء "المقاولين الجدد" الجرأة بأن وضع اسم "المدام" على تقاريره، بالاتفاق مع مسؤولي الصحيفة التي يعمل فيها، في محاولة إثبات ذكوريته لها على مساحات جديدة في الحياة هي الورق، وأن بإمكانه العبث في كل شيء، حتى وإن كان بعقولنا والضحك علينا.

ومثل هذا التصرف يُعد بالتأكيد فتحاً جديداً في عالم الصحافة المكتوبة لم تقع عليه عيناي في أي كتاب ولا سلوك مهني من قبل. ولا نملك أمامه سوى أن نبارك لربات البيوت بأن أصبحن ينعمن بمساحات معتبرة على صفحات صحفنا العتيدة بفضل أزواجهن، فيما لا يجد شباب يملك الطموح أي باب، ولو كان موارباً، ليعبروا عن مشاريعهم المحتجزة خلف الأبواب الموصدة لأصحاب الأسماء المستعارة.

وفي سياق آخر، كما يقولون في الأخبار، جمعتني المصادفة قبل أشهر عدة بواحد من هؤلاء الصحفيين، وهو يدير موقعاً للصحفيين الهواة، ويتبع مؤسسة إعلامية هي الأشهر في عالمنا العربي، وهو أيضاً من أصحاب الحظوة لدى مديرها العام. وفي معرض تنظيره لنا عن مزايا ما أصبح يعرف بـ"الإعلام الجديد" قال: إن "الصحفي اسم". فقد كان صديقنا محقاً وهو يقصد ما يقول، بأنه في زماننا هذا بات من السهل "صناعة الاسم" أولاً، ومن ثم يتم البحث عن أي مجد من الممكن أن يحمله الاسم، وما على صاحبه إلا أن يختار لقباً جديداً: مغنياً، محللاً سياسياً، روائياً، كاتباً أو مذيعاً.. إلخ.

قديماً، كانت صناعة الاسم في عالم الإعلام تتعلق بتربع الشخص على مداميك عدة من العمل والإنتاج والجهد المضني، وبقدر ما يرتفع بناء هذه المداميك يكون اسم الصحفي أكثر بروزاً. أما اليوم، فصناعة الاسم في سوق الإعلام التجاري أصبحت تُشكل من لا شيء ولا لشيء، وباتت هذه الصنعة في أحسن معانيها مرادفة لـ"التلميع"، وهو أن تصادفت قفزة أحدهم العبثية في الهواء مع مرور الأثير ليضعه لنا على الهواء مباشرة، هكذا فجأة، فلا نرى إلا خواء يتراقص في الهواء.

سيُقال مستقبلاً إنه في السابق، أي في زماننا الحاضر، كان يعتمد الصحفي على التلميع أولاً في صناعة اسمه، ومن ثم يتلمس طريق الوصول إلى المجد الذي يريد. ولو أوغلنا قليلاً في المستقبل زمانياً متجاوزين مستقبلنا القريب، سيكون بالإمكان في مرحلة ما منه القول إن صناعة الاسم كان يكفيها أن تكون من محبي ومريدي الشخص المُلمع وتابعيه، ليكون لديك سبب وجيه لأن تصبح من أصحاب الأسماء البراقة، هذا إن لم تصبح الشهرة في الأسماء تُورث ويتخاطفها المتوارثون.
موسى محمود الجمل
دبي
29 سبتمبر 2010

1 comment: