Thursday, November 4, 2010

يرجى النشر والتعميم


يرجى النشر والتعميم


يصل بريدي الإلكتروني يومياً عشرات الرسائل حاملة هذه العناوين: تصريح مهم للنشر، خبر هام للنشر والتعميم، تقرير هام للصحفيين، بيان هام لوسائل الإعلام، هام للصحفيين ووسائل الإعلام، عاجل وهام وخاص وحصري وللجميع، هام جداً جداً جداً، هام جداً جداً، هام جداً (واحدة فقط)، وآخر هذه الرسائل حمل عنوان: "انشر تؤجر"، ليوائم زمناً ألبسنا فيه كل شيء عباءة الدين، بعد أن اكتشف بعضنا فجأة أننا كنا مرتدين.


الغريب أن معظم هذه الرسائل تسبقها أخرى قبل يوم أو يومين تدعو الصحفيين للحضور، ليتركوا لك مساحة للتساؤل عن الداعي من الدعوة مادام أن الخبر جاهز في أدراج المؤسسة، وكأن الشك ينتابهم من احتمال عدم قيام الصحفي بعمله حتى وإن حضر لحماً وشحماً!


ورغم أني كنت في السابق أتوجس خيفة من كل ما هو مكتوب عليه "هام" وأتفحصه بعناية فائقة، إلا أني الآن أجد نفسي مجبراً على خوض تمرين يومي روتيني فى مسح عشرات الرسائل من هذا النوع تحديداً. وهنا سأنقل بعضاً منها وأترك لك عزيزي القاري الحكم على مدى أهميتها.


جمعية الوئام الخيرية بشمال القطاع تفتتح محطة تحلية للمياه، حماس في جباليا تنظم مخيماً تربوياً بمشاركة سياسيين وأكاديميين وعلماء ومؤسسين، وهو الأول من نوعة على مستوى محافظة شمال غزة، (فيخال إليك أن الشمال إمبراطورية)، بلدية غزة تستقبل وفداً من شرطة الشجاعية لبحث آفاق التعاون المشترك (مرفق صورة للوفد الزائر) (ألا ترون أن كلمتي التعاون المشترك كبيرة نوعاً ما على خبر من هذا القبيل).


ثم، مركز شؤون المرأة ينظم يوماً سينمائياً في محافظة الوسطى‏ (مرفق صور للحضور) وقد أعطوا جميعاً ظهورهم للكاميرا. محاضرة حول إنتاج زيت الزيتون بمواصفات جيدة في بيت فوريك وجماعين (ويبدأ الخبر بـ"أفاد مدير زراعة محافظة نابلس.. وينتهي ممهوراً بتوقيعه ونسر السلطة وكأنه وثيقة رسمية!). مركز التنمية يفتتح عدداً من الدورات بخان يونس (وفي التفاصيل لا تفهم إن كان هذا خبراً أو إعلاناً).


تالياً، تجمّع الشخصيات المستقلة يبدأ بتوزيع مساعدات صحية عاجلة، (وقد نفت أول كلمة في مقدمة الخبر ما جاء في العنوان حين استهل بـ"يستعد").. لجنة التربية والقضايا الاجتماعية تلتقي وزير الحكم المحلي بهدف وضع الحلول لمعالجة مشكلة وادي غزة البيئية (وهي مشكلة أسمع عنها مذ كنت أتلمس الكون من حولي في غزة). هيئة المعابر والحدود: حركة المعابر ليوم السبت 09-10-2010 (رسالة أجهد نفسي منذ وقت لأعرف ما جدواها فلم أتمكن! ويواظب صاحبها على إرسالها يومياً منذ سنوات دون ملل). تربية شمال غزة تفتتح دورة في "الإطفاء والإخلاء" بالتعاون مع الدفاع المدني (وامتدت تفاصيل هذا الخبر إلى 523 كلمة، رغم أن كل تفاصيله يكفيها العنوان).


كما وصلني من وكالاتنا التي تقاول في الأخبار العناوين "المهمة" التالية: نقل طفل إلى مستشفى بعد أن لدغته حية في إحدى بيارات عصيرة الشمالية في نابلس. وفاة طفلة إثر حادث سير في الخليل، الشرطة تلقي القبض على تاجر مواد أثرية في جنين. نقابة المهن الطبية الفنية تثمن دور وزارة الصحة بعقد امتحانات مزاولة المهنة لعدد من التخصصات. وفد من تجمع الشخصيات المستقلة يزور جامعة غزة ويتفقد مرافقها. "التشريعي" يختتم دورة تدريبية في الإخراج الصحفي. مشروع بناء يختتم دورة تدريبية بعنوان حقوق المرأة.


وأكثر ما لفت انتباهي أخيراً واحدة من الرسائل التي تصلني على الدوام من مكتب أحد نوابنا في البرلمان "المعطل" تقول: النائب أبو زنيد: مصادقة حكومة الاحتلال على قانون الجنسية إعلان حرب على شعبنا في القدس والداخل وحرمانه من حقوقه المشروعة.


وهذا البيان "المفترض" صِيغ على شكل خبر، وكأنه يقول للصحفي: لا تتعب ولا تحتار، ما عليك سوى النسخ واللصق ومن ثم النشر. لكن عزاءنا أن نوابنا احترفوا الكتابة الصحفية في ظل تعطل مشروعهم البرلماني المنضوي برمته تحت مشاريع خلق فرص العمل التي يشرف عليها الأوروبيون، وهذا شيء جميل.


ويمضي البيان "الخبري" ليوضح أن النائب قال هذا الكلام في تصريح صحفي، ولم نعرف ما الجهة التي صرح لها؟ أهي تلفزيون أم صحيفة أم إذاعة أم (أمّ صالح!). والحقيقة أنه لم يصرح بذلك سوى للوحة مفاتيح حاسوبه، حينما جلس ليخط لنا بأنامله الجميلة ما جادت به مخيلته من الكلمات الكبيرة. وفعلاً، هو كلام كبير لا معنى له سوى أنه يكفى أن نقوله.. أن نقوله فقط!


ومن بين ما تساءل عنه النائب في بيانه الطويل تعقيباً على الفعل الإسرائيلي: أين الديمقراطية التي تمارسها حكومة الاحتلال بإجبار أبناء شعبنا بإعلان الولاء لمن يشن حرباً إجرامية بحقه في القدس والداخل الفلسطيني؟ ولأن نائبنا اختار لنفسه سقطوطاً حراً في فخ استخدام الكلمات والتعابير، لرغبته في أن يحظى بقصب السبق في التعقيب على موضوع ينتظره أقرانه - وهم كثر - للإدلاء بدلوهم؛ فقد استهجن "عدم ديمقراطية حكومة الاحتلال"، تاركاً لنا مساحة للتساؤل: هل يمكن لحكومة احتلال أن تمارس ديمقراطية؟! ثم هل يكفي أن يكف الاحتلال يده عنا ليكون ديمقراطياً؟ وهل يمكن أن تجتمع أصلاً كلمتا ديمقراطية واحتلال في جملة مفيدة؟!


أرى أن هناك استسهالاً غريباً عجيباً لدينا في استخدم الكلمة لدرجة الابتذال والحط من المعاني، ونستحث كل ما تحويه قواميسنا لاختيار أقواها شعاراً وأطربها سماعاً وأكثرها راوجاً وللإطراء جذباً، ولا نزنها إلا بمقاييس الغلاء والرخص في سوق اللغة، في طريق بحثنا عن مخرج نقنع من خلاله الزبون لابتلاعها.


ولأن اسم "مكتب إعلامي" بات مستمرءاً لدرجة الابتذال من كثيرين وملازماً لمكاتب أحزابنا المجهرية منها والديناصورية المنتشرة في كل زقاق، ولأن أبواب مؤسساتنا الإعلامية أصبحت مفتوحة على مصراعيها لكل من هبّ ودبّ؛ فقد دخل منها مع من دخل "صحفيون حزبيون" لا عمل لهم سوى تغطية فعاليات أحزابهم وإتخامنا يومياً بعشرات البيانات والأخبار والتقارير عن كل حركة وسكنة، أو حتى "ململة" لأي من عناصره.


تخيلو لو أن وسائل الإعلام بقيت إلى الآن مقتصرة على الصحف، ولم نعرف مذياعاً أو تلفزيوناً ولا حتى صحافة إلكترونية، لملأت تلال مثل هذه العناوين الكون ورقاً، ولكُنّا ابتدعنا حينها طرقاً للاقتصاد في إنتاج الأخبار قبل أن تغمرنا الأوراق وما تحمله من مضامين لتنوء به عقولنا على الفهم. وحلاً لهذا المشكلة، فلو كان لي وسيلة إعلام فسأختار أن تكون صحيفة، ولو سُئلت عن تسميتها فسيكون "صحيفة تصدر عند اللزوم".


موسى محمود الجمل

دبي

4 نوفمبر 2010

No comments:

Post a Comment