Monday, November 29, 2010

بومة بَرْبَرَة


تروي تفاصيل دقيقة للأحداث السياسية التي رافقتها

"بومة بَرْبَرَة".. رواية فلسطينية تعيد رسم خطوط النكبة بشخوص حقيقية


يعيد عبد الجبار عدوان في روايته "بومة بَرْبَرَة" رسم خطوط رحلة الشتات الفلسطينية عام 1948 وما سبقها من أحداث مهمة مثل ثورة 1936 ضد الانتداب البريطاني، وما لحقها من حروب متتالية دخلها العرب مع إسرائيل مثل حرب 1967؛ وذلك على ألسنة من عايشوا هذه الأحداث من كبار السن في قرية "بربرة"، الواقعة جنوب ساحل فلسطين، على الطريق الرئيس بيـن يافا وغزة.

ويقدم عدوان لروايته، الصادرة عن دار الفارابي البيروتية أخيراً، بالقول إنها "تُعايش سكان قرية فلسطينية جنوبية في الزمن الذي يؤرخ لنهاية العهد العثماني وبداية الانتداب البريطاني... وصراعات القبائل والاختلافات العائلية ومشاكل زواج البدل والزواج المبكر (تسع إلى 14 عاماً للفتيات و17 عاماً للشباب)... ومواسم زيارة المقامات (وأشهرها موسم النبي روبين)".

ويضيف أنها تطرح "الرؤية الفلسطينية آنذاك لمجريات السياسة اليومية، هجرة اليهود، بيع الأراضي، بناء الكبانيات، مشاريع التقسيم المتتالية والمواقف العربية والعالمية وسياسة بريطانيا، وبالطبع الصراعات بين القيادات الوطنية" الفلسطينية التي وصفها بـ"المرض المستعصي".

قصة البومة
ويستوحي المؤلف، وهو فلسطيني يحمل جوازاً بريطانياً، اسم روايته من قصة أسطورية مفادها: أن امرأة طلبت من زوجها بيع بقرة يملكها في سوق المجدل. فخرج فجراً لهذا الغرض، وقبل بلوغه السوق، استلقى تحت شجرة فرأى فوقها بومة. أخبر البومة بمقصده، فردت: كوك. ثم عرض عليها أن تشتري البقرة وتريحه من تعب بقية المشوار فقالت: كوك. قال لها: أريد أربع ليرات، فلم ترد. ولما تنازل إلى ثلاثة، قالت: كوك. ثم سألها إن كانت النقود مدفونة تحت الشجرة فأجابت: كوك. حفر وفتح الصندوق وأخذ ثلاث ليرات قبل أن يعيده إلى مكانه، وربط البقرة بالشجرة.

استغربت زوجته سرعة عودته للبيت، كما ادعت أنها لم تصدق قصة بيعه للبقرة حين قصها عليها حتى عرفت منه تفاصيل الوصول للصندوق. ولما اطمأنت أنه نام بالليل، عجنت وصنعت زلابية (خبز مقلي محلى بالسكر) ونثرت الأقراص في ساحة البيت وعلى السطح، ثم نادت: قوم يا زلمة (رجل)، الدنيا أمطرت زلابية. فأفاق غير مصدق الحدث.

بعد أيام ذهب لزيارة البومة، فلم يجد البقرة ولا الصندق ولا البومة. حينها تأكد أن زوجته خانته، فواصل سيره للمجدل واشتكى عليها عند المأمور .ولما سألوا الزوجة أنكرت واصفة زوجها بأنه مجنون. فرد عليها: أنا مجنون؟ أنتِ من سرق البومة يوم أن أمطرت الدنيا زلابية. كانت تعرف أنه سيتذكر ذلك الحدث. وعندما سمع الجنود هذا الاستشهاد ضربوه "فلقة" على قدميه، وانتشرت القصة في القرى.

ويقول عدوان لـ"العربية.نت"، "إن لهذه القصة مدلولاً سياسياً منذ القدم وحتى الآن، وهي توضح أن الرجال أمناء جداً والنساء ذكيات وحكيمات، وأن الأتراك ومن بعدهم الإنجليز المستعمرين، لصوص وطغاة إلى درجة تصديقهم قصة وجود كنز لبومة، وقد جاءوا للاستيلاء عليه. وما عنيته هو أن فلسطين بلد كنوز وخيرات وناسها طيبون وحكماء".

بيع الأراضي بـ"الجملة"
ويروي عدوان على لسان والده المختار حسين، الذي كان يعمل في رصف الطرق في يافا، حواراً مع مُشغله الإنجليزي روبن، الذي عاش في حقبة الحكم العثماني لفلسطين؛ قصة ابتياع اليهود مرج بن عامر بتواطؤ مع الإنجليز.

ويقول روبن: في 1872 اشترى المصرفي "سركيس" المنطقة من الدولة العثمانية، وتعهد بجمع الضرائب من الفلاحين وتوفير الأعداد الكافية منهم للتجنيد. وفي 1921 باع آل سركيس جزءاً كبيراً من الأرض لليهود، واشترط الصهاينة عليهم أن يطردوا أهالي 21 قرية فلسطينية كانوا يفلحونها. وحضر السادة الجدد بالجرافات تحرسهم المصفحات الإنجليزية لطرد الفلاحين الذين رمى بعضهم بنفسه تحتها، وتحول المرج بعدها إلى أهم معقل صهيوني في الشمال.

ويضيف روبن أن فرماماً صدر عن الحاكم العثماني يقضي بتسجيل الأراضي التي توارث الفلسطينيون العمل فيها، لكن خوف الناس من التجنيد وجمع الضرائب حال دون ذلك، كما استدعي الكثير منهم للتجنيد. فيرد عليه المختار حسين بشيء من التاريخ: الإنجليز أوقفوا التسجيل لعامين وعندما فتحت الدوائر من جديد في سبتمبر/ أيلول 1920 أصبحت أملاك اليهود "بقدرة قادر" أضعاف ما كانت عليه 1918.

وفي هذا السياق تشير الرواية إلى زيارة بلفور إلى فلسطين ربيع 1925، وافتتح الجامعة العبرية هناك، في حين نظم المسلمون والمسيحون إضراباً بسبب الزيارة.

الغريب أن المد الصهيوني جغرافياً كان حديثاً يومياً للناس في مجالسهم دون أن يحرك الفلسطينيون والعرب ساكناً، إلا من بعض التظاهرات في حيفا ويافا والقدس للتنديد بسياسة بريطانيا ونكوصها عن وعود الاستقلال، واحتجاجاً على فتح باب هجرة اليهود إلى فلسطين على مصراعيه، ونصبها المشانق للمناضلين، وملاحقة كل من يشتبه حيازته سلاحاً وإعدام من يثبت فعلاً اقتنائه للسلاح في كثير من الأحيان.

وتسرد الرواية تفاصيل الحياة الاجتماعية التي كانت تعج بها القرى الفلسطينية متخذة من قرية "بربرة" التي كانت تشتهر بزراعة العنب وتورده لبقية القرى والمدن، مثالاً، ومنها زواج البدل "بدون مهر". حيث كان يكفي كل عريس تجهيز أخته ويشاركها الفرح في منزلهم لبعض الوقت ثم ينطلق كل فريق إلى الطرف الآخر ويتبادلان العروسين في منتصف الطريق، ويعود كل منهما أدراجه لاستكمال الفرح مع زوجته وعائلته.

وكانت بربرة كغيرها من القرى مليئة بزيجات البدل، وكان هذا الطقس روتيناً ومألوفاً آنذاك.

فظائع وطرائف
وتمضي الرواية في التقدم زمنياً بعرض فظائع العصابات الصهيونية حين كثفت هجومها على القرى عام 1948، ومنها قيامها بصف 160 رجلاً من قرية الصفاف التابعة لحيفا في طابور وأطلقت عليهم النار، واغتصب أفرادها الإناث وأجبروهن على الرحيل، وقطعوا أصابع النساء بالسكاكين لانتزاع الخواتم الذهبية.

وفي قرية كفر برعم انتزعت أقراط النساء من آذانهن بالقوة، وخرجت معها قطع من الشحم، ومثل ذلك حدث في قريتي سعسع والصالحية، حيث تم قتل 94 رجلاً بعد أن حشروا في بيت واحد. وتكرر الشيء ذاته في قرى أخرى. ويُقال إن معظم من قاموا بذلك كانوا من الذين نجوا من معسكرات الاعتقال النازية وهاجروا إلى فلسطين.

وتسرد الرواية بعض نوادر الجيوش العربية في أحد المعارك مع العصابات الصهيونية في حرب 1948، ومنها واحدة تقول أن قوات سودانية أرادت تحرير قرية بيت داراس من اليهود، وقبل دخولهم اتفق اللواء المصري السابع معهم أن يهجموا في الليل، وإذا انتصروا وطردوا اليهود فعليهم إطلاق إشارات ضوئية باللون الأخضر، حينها يتقدم الجيش المصري ليعزز الوضع.

أما إذا فشلوا في الهجوم فعليهم إطلاق رصاص إشارات حمراء، لأن المدفعية المصرية ستقصف حينها بيت داراس بمن فيها. ولما طرد السودانيون اليهود، أطلق المسؤول عن الإشارات رصاصاً أحمر، فأخذت المدفعية المصرية تدك المنطقة، فهرب السودانيون منها، ثم أخذها اليهود في النهار بدون قتال، وفق ما روى أحد الجنود السودانيين الجرحى الذي وصل إلى مستشفى غزة.

تجذر الانقسامات
وتبين الرواية أن الانقسامات العربية والفلسطينية بشأن إدارة الصراع مع الاحتلال ليست جديدة، ففي الأول من أكتوبر/ تشرين الأول 1948 انعقد في غزة مؤتمر برئاسة الحاج أمين الحسيني وضم جمهرة من الشخصيات الفلسطينية، حيث رفض المجتمعون قرار التقسيم، وأعلنوا الدستور وإقامة دولة ذات سيادة ضمن الحدود الدولية مع سوريا ولبنان شمالاً، ونهر الأردن شرقاً، والبحر المتوسط غرباً ومصر جنوباً.

وتمضي الرواية تقول: قبل أن ينتهي اليوم الأول على مؤتمر غزة انتشرت الأخبار بأن ملك الأردن عبدالله المكلف رسمياً من الجامعة العربية بقيادة الجيوش العربية لتحرير فلسطين قد عقد في عمان مؤتمراً آخر برئاسة الشيخ سليمان التاجي الفاروقي، أنكر المجتمعون فيه على المؤتمرين في غزة تمثيلهم للشعب الفلسطيني، وأعلنوا "حكومة عموم فلسطين" وتوالت اعترافات الدول العربية بها.

هذه الانقسامات تواصلت فيما بعد تهجير الفلسطينين وبعد أن حط والد المؤلف بعائلته الكبيرة في مدينة رفح أقصى جنوب القطاع، وأصبحت الفصائل تتسابق في إعلان مسؤوليتها عن تبني التفجيرات التي تطال جنود الاحتلال خصوصاً بعد احتلال غزة في 1967، وهو الشيء نفسه الذي ما زال يتكرر إلى الآن.

وتسرد الرواية تفاصيل كثيرة من الحياة في مخيمات اللجوء التي انتشرت على مساحة جغرافية واسعة في القطاع، وما تبع ذلك من إنشاء لوكالة غوث وتشغيل اللاجئين وبناء المدارس والعيادات الصحية والطرق، وازدياد النشاط التجاري بين مصر والقطاع، وفتح الجامعات المصرية أبوابها أمام الطلبة الفلسطينيين بالمجان.

ضياع الأثر
وفي الفصل الأخير للرواية الذي يحمل عنوان "ضياع الأثر" يتحدث المؤلف عن عودته من ألمانيا لزيارة قطاع غزة مطلع السبعينات، فوجد أن الناس قد ملوا الانتظار في المخيمات، حيث غالبية السكان لا يكتفون بعدم المقاومة، بل إنهم يتعايشون معه ويخدمون اقتصاده عن سابق علم.

ويقول إن الإغداق المالي عبر الشغل كان له أثره على التعليم، ولم يعد أحد يلتزم بسنوات التعليم الإجباري حتى نهاية المرحلة الإعدادية طلباً للعمل داخل الأراضي المحتلة في الزراعة الخياطة والبناء ونقل العمال، وبات الاعتراف بقوة إسرائيل أمراً مقبولاً، وتعبر عنه مظاهر كثيرة من حياة الفلسطينيين والعرب.

وحول ما إذا كان يعني بـ"ضياع الأثر"، فقدان الأمل في حق العودة للاجئين، أوضح عدوان لـ"العربية.نت" أن مقصده لم يكن يتجاوز ما تعرضت له القرية من إزالة ومعها 400 أخرى بالجرافات، ولا علاقة للأمر بالأمل. وأضاف "رسمت في الرواية تفاصيل الحياة والجغرافيا لتعرف الأجيال كيف كان الوضع الذي لم يعد قائماً جغرافياً، وبالطبع لم يعد قائماً اجتماعياً، لأن أهل بربرة تشتتوا الآن في بقاع الدنيا".

ويقول المؤلف لـ"العربية.نت" "إن السبب الذي دفعه ليكون سرد هذا الجانب التاريخي من حياة الفلسطينيين في عمل روائي دون غيره هو أن الرواية التاريخية تدخل عقول الناس بشكل أفضل، كونها ليست مادة يومية مستهلكة وجديدها يطرد قديمها". وأضاف "سردت هذا التاريخ بشكل روائي ليسهل على الجميع استيعابه، ولو كتبته بأسلوب سياسي لما طالعه عشرة أشخاص".

تجدر الإشارة إلى أن هذه الرواية هي الثالثة لعدوان، بعد "راوي قرطبة" والتي تناول فيها الحياة في بلاد الأندلس في القرن الرابع للهجرة، حيث تسترجع تاريخ الفتوحات الإسلامية، بالإضافة إلى روايته الأولى "سياسة في الجنة" والتي منعت من التوزيع في عدد من البلدان العربية.


موسى محمود الجمل
دبي

25 نوفمبر 2010

No comments:

Post a Comment