Tuesday, November 9, 2010

رحالة سعودي يُحرك ثوابت اللغة العربية ويبتكر أطروحة لتجديد روحها

-->
قال إن الأصول كبلتها و"التجربة الحسية" كفيلة بتطويرها

رحالة سعودي يُحرك ثوابت اللغة العربية ويبتكر أطروحة لتجديد روحها

يطرح الرحالة السعودي سعود الحركان في كتابه "الثابت المتحرك" مشروعاً متكاملاً لإعادة النظر بالطريقة التي تُدرس بها اللغة العربية في مدارسنا في عصر العولمة، مستنداً في ذلك إلى ما يسميه "التجربة الحسية" المتعلقة بالسمع، حيث لا ينظر إلى المعلومة على أنها شيء مجرد، بل ظل أو صورة معكوسة لما يحمله من تجارب حسية.

ضمن هذا المعنى، يقدم المؤلف في كتابه الذي أصدره في أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، نظيراً جديداً للأطروحة النحوية -التي أطلق عليها واضعوها قديماً اسم "الأصول"، ويطلق عليها هو "أطروحة الابن"- أطروحة جديدة سماها "الأم".

ويقول الحركان في حديث لـ"العربية.نت" إن أطروحة "الأم" تتعامل مع بناء المهارات اللغوية وليس مجرد تعلم مهارات الإعراب، وتعتبر النحو جزءاً بسيطاً من مكون ثقافي ولغوي أوسع يشمل أطروحات أخرى، مثل أطروحة الفكرة وأدواتها، والروابط، والوسائط.

ويوضح أن الهدف من أطروحة "الأم" اللغوية، التي شرحها في كتاب من 128 صفحة، هو تطوير مهارات التواصل الفكرية والتعبيرية والسمعية عند طالب اللغة في عصر ما بعد العولمة، قائلاً: "لا يهمنا كم سيعرف الطالب من القواعد بقدر اهتمامنا بقدرته على اكتساب المهارات اللغوية العملية ومستواه في كل مهارة. وتحديد هدف مثل هذا يتطلب أن يكون الإطار الفكري لواضع الأطروحة جزءاً من الإطار الفكري العولمي، إضافة إلى اطلاعه الواسع في مجال التربية والتواصل".

لماذا "الأم" بالذات؟
يتساءل الحركان ضمن أطروحته قائلاً: كيف سيكون شكل علم النحو لو وضعته امرأة، لا رجل؟ ويخلص إلى أن المدارس الوجدانية تؤمن أن الأمهات بالتحديد هن أصل اللغة، وبقدراتهن الخارقة يقوم المجتمع بتثبيت الأنماط الفكرية الثقافية التي يبني الطفل عليها قدراته على التفكير والتواصل. ثم ما إن يخرج الطفل إلى المدرسة حتى يقع تحت ضغط الإطار الثقافي الأبوي، ويبدأ رحلته مع التجريد متنكراً للمدرسة الأولى.

ويضيف أن الإناث لا يلبثن أن يعدن إلى تلك المدرسة بما تفرضه تركيبة أجساهدهن من حقائق، في حين ينطلق الذكور في رحلة تميزها البحث المتهور، ويعيبها وحدة المتجه وما يواكبه من دمار. فوحدة المنظور والشيفونية الذكورية هما الخاصتان اللتان لا يخطئهما باحث في علوم اللغة، على حد قوله.

ويعزو المؤلف، الذي يستند في كتابه إلى السرد مبنياً على صيغة السؤال والجواب وكأنه يتحدث مع شخصية ذكورية؛ السبب في اختيار هذا الأسلوب إلى إيمانه بأن الكثير من الإناث اللاتي ما زلن مرتبطات بعلوم الأمومة لسن بحاجة إلى إقناع لما هو في الأصل لهن بالفطرة. ويضيف أن حديثه موجه إلى الذكور، لأنهم في أشد الحاجة لأن يتعملوا من الإناث فن الانصات وتقويم الحس، حسب تعبيره.

ما الثابت المتحرك؟
يقول الحركان، الذي يسمي نفسه أيضاً "الشادي" وتعنى "المربي" عند الوجدانيين، إن "الثابت المتحرك" تجربة حسية قبل أن يكون فكرة، تجربة حسية عاشها قبل أن يقول عنها في كتابه أنها "مجرد تفسير مقترح لروابط منظومة موضوعية تشمل الملاحظات التي رصدها عدد من المهتمين عن مجموعة من الظواهر المحسوسة، وما ينبني على ذلك الرصد من أحكام واستنتاجات. الظواهر الحسية التي تحاول أطروحة الثابت المتحرك تفسيرها هي تلك التي لها علاقة مباشرة بالحواس نفسها، أقصد بأساليبنا في تلقي المعلومة الحسية، وما نبني على ذلك من أحكام ثقافية متوارثة".

وفي هذا الإطار، يقول إن واضعي أطروحة النحو لم يتخيلو أن ما سموه "الفصحى" لا يعدو أن يكون "ثابتاً متحركاً" ضمن نظرية لغوية أكبر وأشمل ضبطت وتضبط كل تفاعل لغوي بين أي متواصلين في اللغة العربية في الحاضر والماضي.

ويوضح أن المقصود بـ"ثباتها المتحرك" هو أن حقائقها ثابته مترابطة داخلياً (ضمن الضوابط العلمية والفلسفية التي وضعها واضعو الأطروحة)، ومتغيرة متجددة ضمن أطروحة لغوية أوسع وأشمل، تأخذ في الاعتبار الطبيعة المتجددة المتغيرة للتجربة الحسية (سمعية كانت أو مشمومة أو مرئية أو ملموة او ذوقية). وهذا ما يعتبره المؤلف تطبيقاً عملياً لأطروحة "الأم".


نقطة الانطلاق
ويوضح الحركان، الذي ارتحل إلى أكثر من 90 بلداً حول العالم، أن رحلته مع فكرة الكتاب بدأت قبل ثلاثة وعشرين عاماً عندما بدأ بالكتابة وتحرير الكتب (له 28 مؤلفاً في علوم مختلفة)، لكنها لم تأخذ شكلها الموضوعي إلا عندما بدأ قبل أربعة أعوام بمراجعة دقيقة لـ"الأصول" بحثاً عن الجذور التي تحولت مع الوقت إلى قيود كبلت الفكر بأساليب وأنماط فكرية مستنبطة.

ويضيف أن الرحلة دلته إلى نسيج دقيق خلف الظاهرة اللغوية، عرفه العرب بسجيتهم وقدراتهم السمعية المتفوقة وأنكره "النحاة"، لا لسبب إلا لأنه "جني" لا يقبل الدخول في "قارورة" التقعيد المنطقي التقليدي، كما يقول.
ويقول إنه وإلى أن وصل إلى ملتقى قوافل عصر العولمة وجد في علم الأطروحات، وفي ما قاله علماء العصر من الأنماط الفكرية تفسيراً علمياً لما كان أهل الوجدان، منذ غابر العصور، يشيرون إليه، وأهل النحو ينكرونه والعامة يتمسكون به؛ وهو ثابت متحرك يبني قرائنه العلمية على علاقات مطردة بين المثير الحسي مسموعاً كان أو مرئياً والأحكام الثقافية عليه.

ومن هذه النقطة انطلق بمراجعة ما كان واضعو النحو "الأصول" يعتبرونه ثوابت لا تتغير، وما كان الوجدانيون يعتبرونه متحركات لا تثبت، حتى وضع أطروحة سماها "أطروحة الأم"، والتي تشترط في قبول أي متحرك ضمن أي منظومة معرفية أن تكون له "مرجعية ثابته" يقاس منها. وبالطبع يمكن أن تكون المرجعية في ذاتها "متحركة" ضمن منظومة ثابتة أكبر.. وهكذا.

ولا ينكر الحركان أن واضعي أطروحة النحو عندما درسوا التراث العربي المسموع وانتقوا منه مادة محددة من مصادر محددة، اتبعوا أسلوباً علمياً موضوعياً فذاً كاد أن يصل حد الكمال، إلا أنه يعيب على النحاة "الزلة" التي وقعوا فيها حين اعتبروا كل ما سوى تلك الانتقاءات خطأ أو لحناً أو عامية لا قيمة معرفية له، فحنطوا بذلك اللغة وساهموا بدون قصد في قتل الفكر وتقييد الإبداع لقرون لاحقة.

محاولة فرز
ويقف الشادي بالقارئ عند شيء مهم ليقول إن الكتاب ليس عن النحو والصرف، إلا أنه يتكلم فيه عن أطروحة النحو الأصلية، أو ما اصطلح عليه النحاة "الأصول" ويميزها عن قواعد النحو والصرف. ويؤكد أن إضافته المهمة هو أنه غيّر تسمية أطروحة الأصول في الكتاب إلى أطروحة "الابن" مقابل أطروحة "الأم"، التي ابتكرها ولم يسبقه إليها أحد من الأكاديميين أو النحاة.

ويوضح في كتابه أن اثنا عشر قرناً واللغة العربية وعلومها في وضع "مكانك راح"، حيث لم يخرج مجدد يبدد ضباب تداخل الأصول بالمسائل، أو يحرر الأطروحة من القواعد، والقواعد من اللسانيات. ورغم محاولة الكثيرين في سبيل تلك الغاية لكن أمراً في اللغة العربية أو ما يسميه الحركان "أنماط التفكير"، وهو ذلك النسيج العنكبوتي الذي عبر عن نفسه في خليط من مشاعر الخوف من المساس بما له صلة بالمقدس، والدونية من السابقين وما بنوا؛ حال بينهم وبين مقصدهم.
ورغم أن المؤلف لم يتعلم علوم النحو والصرف، بل درس الفيزياء والرياضيات في إحدى جامعات الولايات المتحدة الأمريكية، ورغم أنه غير مهتم بعلمي النحو والصرف قدر اهتمامه بالتربية وتطوير القدرات اللغوية؛ إلا أنه لا ينفك عن السعي في فصل الأطروحة النحوية "الابن" التي تعكس البنى الفكرية للإنسان العربي في عصره الذهبي، عن قواعد النحو والصرف التي ليس لها أي علاقة بها، كما يقول.

ويضيف "أسعى إلى أن تفتح لأطروحة النحو والصرف (الابن) آفاقاً واسعة نحو الكونية، أي لكل ما هو خارج الثقافة العربية (ضيقة الأفق)"، كما يصفها.


العولمة وتفكك البنى الثقافية
ويقول الحركان إن عصر العولمة غيّر التركيبة الفكرية لبني البشر، وأحدث لهم صدمة لم يستفيقوا منها حتى اليوم. فقد أدى التطور المذهل في أدوات التواصل الحديثة إلى كسر الحواجز التي كانت تسمح سابقاً للمجتمعات الإنسانية أن تختار بين العيش في عزلة الثوابت، أو الانغماس في بحر التحركات، فكانت النتيجة تفكك البنى الفكرية الثقافية وبناء ثقافة القرية العالمية المتحركة على ركامها.

ويقر بأنه لم يكن ليكتب كتاباً في الموضوع لولا الانهيار الكامل للثوابت الثفاقية أمام إعصار العولمة الذي حرك كل شيء وسيرنا بذلك في طريق دمار ثقافي شامل، معلمه تفكك الأسرة وانتشار الحروب والمخدرات.

ويعترف أيضاًً أنه لا يحاول ابتكار علم النحو من جديد، بل دراسة تطوره من منظور معرفي يمكنا في وقت لاحق من تحريك الثابت ودراسة النتائج الفكرية المترتبة على ذلك التحريك.

ويراجع الشادي سعود الحركان في كتابه كل ما هو قديم ومتفق عليه في أصول اللغة العربية بعين جديدة تبحث خلف المعلومة، وما بُني عليها من أحكام ثقافية وأنماط فكرية، باحثاً عن أدوات جديدة تفك أسرنا من الضيق الوجودي الذي أدخلنا في حصر "الثوابت" في المدرسة التقليدية وتهافت "المتحركات" في عصر العولمة.

فهل نجح الشادي في كتابه للوصول لما يصبوا إليه؟ سؤال نتركه للقارئ يجيب عليه.


موسى محمود الجمل
دبي
9 نوفمبر 2010

No comments:

Post a Comment