Monday, May 23, 2011

قفشات من منتدى الإعلام العربي



قفشات من منتدى الإعلام العربي

ضحكات بلاستيكية، ابتسامات جامدة، حركات جسد مصطنعة، قهقهات مفتعلة.. الكل يكذب على الجميع، والجميع يعرف أن الكل ينافقه.. وللخروج من التعميم نقول أن ذلك لا يحدث دائما.

ولأن عالمنا العربي تضرب أطنابه الثورات هذه الأيام، فقد فرضت نفسها على الدورة العاشرة لمنتدى الإعلام العربي في دبي على مدار يومين، (17-18 مايو الجاري). أما الحضور فهم بالمئات من مذيعين وصحفيين ورؤساء تحرير ومنتجين وكتاب معروفين ومغمورين، حتى أن المغنية لطيفة كانت حاضرة، وهو ما أثار فضول كثيرين!.. مشهد يبدو وكأنه "سلطة إعلامية".

إحدى الندوات كانت ثورية بامتياز، ليس فقط في عنوانها "الإعلام المصري بعد 25 يناير"، بل والمتحدثين فيها. كلهم كانوا مصريين، أدار النقاش بينهم مذيع الجزيرة التونسي محمد كريشان، أقدمهم قليلاً في الثورة.

اعترض أحد المشاركين على كريشان في توزيع الأسئلة قائلاً: "الشعب يريد طرح السؤال"، فرد عليه كريشان بلطف: "ومدير الجلسة يريد النظام". الأمر تطلب من الجميع الضحك. كريشان كان أفضل مدير لأفضل جلسة.

وصل الميكروفون أخيراً لشاب رفع يده للسؤال طويلاً، ولما وصله قال: "لقد هرمنا من أجل هذه اللحظة التاريخية". هو نفسه أقرأنا سلاماً خاصاً: "أحييكم فرداً فرداً، بيت بيت، زنقة زنقة".

وعما عُرف بــ"الصحفيين المتحولين"، تحديدا بعد ثورة مصر، بدد أحد المشاركين مخاوف الجميع بأن تويتر وفيسبوك ويوتيوب باتت تأرشف كل المواقف، قائلاً: "من يكتب اليوم تويتة ستكشفه تويتة سابقة، ومن يقول رأيه عبر الفيديو سيكشفه فيديو يوتيوب سابق".

وفي جلسة بعنوان "العرب بين تحديات التغيير السياسي والتغيير الإعلامي" طرح أحدهم رأيه حول "أكذوبة الإعلام المستقل" مستشهداً بقناتي العربية والجزيرة اللتين لا تستطيعان انتقاد السياسات السعودية والقطرية على التوالي. فرد عليه رئيس التحرير في قناة العربية نبيل الخطيب: "يبدو الكلام رومانسياً لدى البعض عند الحديث عن علاقة السياسة بالإعلام... الناس تريد أن تتلقى رواتب في آخر الشهر". كان الرجل صريحاً لأبعد الحدود.

قابلت أحمد الشيخ، مستشار رئيس مجلس الإدارة في شبكة الجزيرة، عجوز اشتعل رأسه شيباً، لطيف جداً، يبدو حكيماً، يميل نحوك بينما تبادره السلام وملامح وجهه تتهيأ للسماع منك بأدب جم. بادرته بابتسامة: "لم نعد نراك على الشاشة منذ زمن"، فرد: "سأعود قريباً في حلقة جديدة من برنامج "الشاهد" عن ثورة مصر".

جمعتني الصدفة على طاولة الغداء مع عبدالله السعافين، تحدث لي كثيراً عن تجربته التي ضمنها مؤخراً في كتاب "كيف تصبح مراسلاً تلفزيونياً.. تحدثنا أكثر عن غزة وما فيها ومن فيها وزياراته لها.. لمست في الرجل شوقاً كبيراً للعمل في غزة لولا ندرة الفرص التي تغتال كل طموح.

أما ناصر اللحام، رئيس تحرير وكالة معاً الفلسطينية، فقد بدا لي تماماً كما يطل من على الشاشة الصغرة، مثقف جداً، وهذا دأب اليساريين، صاحب قفشات، يتكلم كثيراً، جملاً قصيرة، في موضوعات متنوعة، يجمعها خط فلسطيني. تستمع إليه وكأنك تقرأ له مقالاً، واثق من نفسه مُعتد بها، لا يدعك تتكلم، لكنك لا تمل الاستماع إليه. 

جمعنا سوياً حديث الانقسام رفقة صحفيين من غزة والضفة. حدثنا بإسهاب عن كواليس المصالحة الأخيرة في القاهرة حيث شهد توقيعها، وتطرق بتفصيل أكثر لطبائع قيادات حمساوية وفتحاوية التقاهم مراراً، وكيف أن الصورة تظلم بعضهم وتخدعنا بآخرين من الناحية الإنسانية، وفي ذلك مقال.

أكثر من ما سرني لقائي مع عباس ناصر، مراسل الجزيرة السابق، وأسعد طه مقدم برنامج "نقطة ساخنة" على شاشة الجزيرة. سجلت لكليهما تقديري لنصوص أعمالهما، وأدائهما المتميز. شكرت أسعد طه على الحلقة الأخيرة "منتهى الثورة". قلت له إن نص الحلقة لم يكن قوياً كسابقاتها، فأجابني أن موضوعاً يتناول مصر لا بد أن يكون بهذه البساطة، فسرتها أنا أن النص يجب يكون "متروشن شوية" كما يقول المصريون.. التقطت معهما صوراً وانصرفت.

في الاستراحة، تبدو وجوه الناس متعبة، خصوصاً المذيعات، رغم كثرة المكياج.. حمي "البيزنس كارد" تجتاح الأروقة. شاب ظريف أثار همهمة في القاعة عندما عَرّف عن نفسه بأنه "عالم سياسة"، وهذا شيء حصري لا يُقدم عليه إلا مصري خفيف الظل. شاب ثانٍ استحسن اقتراحاً لحمدي قنديل في دورة سابقة للمنتدى بتخصيص جائزة لأسوأ عمل صحفي، كما هو الحال مع أفضل عمل.

المصورون يتنقلون بعدساتهم بين الجمهور، أحدهم تأتيه الكاميرا منصتاً لتضعه على شاشة ضخمة في صدر القاعة، آخر تدهمه بينما يغشاه النعاس، يضحك الجمع، ثالث تلتقطه الكاميرا عابساً فيضحك فجأة، يرمقه صديق في الجوار، فيهمس له بكلمات باسماً، تسري همهمة: ماذا يا تُرى يقولون؟!

تمر بدائرة من الإعلاميين تتوسطهم مذيعة مشهورة، سمعتها تُعرّف عن نفسها بصوت عالٍ. أشفقت على زوجها، يهرول وراءها من ردهة إلى أخرى، وبينما هي تمشي بخطوات مسرعة، يستوقفها أحدهم لالتقاط صورة، فيتنحى هو جانباً مضطراً.

أبقى الكثير من النجوم الحاضرين للجلسات، وتحديداً المذيعين، على صمتهم. يحتلون الصفوف الأولى، وكأنه يراد لهم تزيين المكان. لم يشارك أي منهم في النقاش، وكأن هناك من يَرقب حضورهم وغيابهم.

سألني كثيرون عما إذا كنت مرتاحاً في عملي أم لا، وفي خاطرهم معرفة ما هو أهم: الراتب الذي أتقاضاه. البعض يحوم حول الحمى: كيف المرتبات عندكم؟ كل الناس بدو لي ممتعضين من الأماكن التي يعملون فيها، حتى أولئك الذين يعملون في مؤسسات مشهورة، مشهورة جداً.

ناقش المؤتمرون عناوين ضخمة واستراتيجيات كبيرة، ولم يأت أحد على الفساد الذي ينخر غالبية المؤسسات الإعلامية، والأولى كان مناقشة ممارسة ما يدور بداخلها. فلم نسمع شيئاً مثلاً عن النشر مجاملة أو نفاقاً، أو تعيين صحفيين بالواسطة، أو استجلاب آخرين لم يدركوا بعد أهمية وقيمة الكلمة.. فما أغنى جمال المكان من الخارج إن كان داخله آيل للسقوط.

ختاماً، منذ حضرت أول مؤتمر يضم عدداً كبيراً من الإعلاميين والسياسيين، لم ترق لي مثل هذه الجمهرات. وعندما يختلي كل منا بنفسه ويسترجع هذا الشريط، كم يا تُرى تكون مساحة الصدق التي يختارها ليمدد فيها نفسه مرتاح الضمير؟!
موسى محمود الجمل
دبي
20 مايو 2011

No comments:

Post a Comment