Sunday, June 26, 2011

بزنس معبر رفح



بزنس معبر رفح
لكل غزي جرّب السفر بعد عام 2001 عبر معبر رفح حكاية مُرة من المعاناة على الجانب الفلسطيني، لكن المعاناة على الجانب المصري أدهى وأمر. فكل مصري يعمل في المعبر، من أصغر حمّال إلى أكبر شرطي أمن برتبة عقيد أو لواء - وتحديداً رجال أمن الدولة - كلهم ينظرون إلى الفلسطيني على أنه كيس نقود، أو بقرة حلوب تدر جنيهات وشواقل ودولارات، وأن جيوبه في شِرْعتهم مستباحة من أجل العبور.
وفي صنيع التجارة بمعاناة الفلسطيني - في هذا المعبر سيئ الصيت - قصص وعِبر ممزوجة بالإذلال لا يخطئها ذو بصر وبصيرة (ولو كانا ضعيفين)، وقد شهدت بعضاً منها. فهذا لواء في أمن الدولة - كما عرّف عن نفسه - يتقاضى غصباً من مسافر مبلغ 500 دولار مقابل السماح له بالمرور رفقة والدته المصابة بشلل نصفي وقد جاءت للتداوي، رغم أنها تحمل تحويلة مرضية ممهورة بخاتم السلطة الفلسطينية للعلاج على نفقة الهلال الأحمر الفلسطيني.
وذاك آخر، قال إنه يعمل عقيداً في أمن الدولة، يطلب من رب عائلة يعمل في الكويت مبلغ ألفي دولار مقابل المرور. ساوم العقيد الرجل على أن يتم دفع نصف المبلغ قبل القيام بأي خطوة، على أن يتسلم بقيته حين وصول الرجل وأسرته المكونة من سبعة أفراد إلى المطار. ولأن لرجال الأمن في بلادنا العربية سطوة لا تعلوها سلطة، فقد سُمح للرجل بدخول المعبر يوم جمعة، وهو يوم إجازة، وفي ساعة متأخرة من الليل، وهو وقت لا يعمل فيه المعبر أصلاً.
أمثال هؤلاء الضباط في المعبر كُثر، ولهم امتداد يسندهم من القاهرة، وهم لا يكتفون بابتزاز الناس مالياً تحت وطأة الحاجة، بل يتجاوزون كل حياء ولياقة عبر الطلب من المسافرين أن يُسوقوا لبضاعتهم هذه في صفوف مسافرين آخرين، واستجلاب زبائن جدد لهم.
أما "احترام" المسافر فهي كلمة غير موجودة البتة في قواميس كل العاملين في صالة المعبر وأروقته. فما أن تصل هناك حتى تُفاجأ بسوء المعاملة، والشتم، والزعيق، والانتظار واقفاً لساعات، والتأخير المتعمد في ختم الجوازت، والركض من باب إلى آخر وراء شرطي يحمل جوازك، يتلاعب بأعصاب الناس، يسمح بالدخول أسرع لمن يدفع أكثر، ويُؤخر مرور محدودي الدفع. الناس هنا كلهم في الدفع سواء، وإن اختلفوا في قيمة المدفوع.
المشهد لا يثير مشاعر الشرطي: طفل يبكي على كتف أمه، عجوز أجهزت عليه نوائب الدهر باحثاً عن دواء لدائه، مريض يتلوى على صفيح الانتظار داخل إسعاف، طالب لا ينشد إلا سبيلاً للعبور إلى أوروبا للتعليم، موظف يعض أصابعه ندماً إذ يكاد يفقده اشتياقه لأهله عمله.
ثم يعتلي الشرطي كرسياً خشبياً متهالكاً وهو يحتضن عشرات الجوازات، يتساقط بعضها من بين يديه، ينادي على أصحابها في صالة تموج بعشرات المسافرين، وما إن يجيبه أحدهم حتى يقذف بالجواز على طول يده وبقوة كافية توصله لصاحبه. غالباً ما يتطلب الأمر من المسافر المتعب بعض مهارات القفز، وربما الارتماء مثل حارس مرمى.
أما الاحتجاز في المطار فهو مأساة أخرى ضحاياها يُعدّون بالآلاف. إذ يحشر أمن المطار كل فلسطيني يهبط فيه من فئة الشباب تحديداً، في غرفة هي أشبه بزنزانة. أكثر نزلائها حظاً قضوا فيها نصف يوم، آخرون بقوا حبيسيها أياماً وليالي، بانتظار إشارة الترحيل.
حتى إن الكثيرين ممن يحصلون على تأشيرة دخول إلى مصر لا تنقذهم من الاحتجاز في المطار، وفي ذلك قصص كتب تفاصيلها كثيرون. إلى هنا قد تكون المعاناة متجرعة، أما وأن يُجبر المُرحّلون على دفع أجرة الحافة التي تقلهم للمعبر والشرطي المرافق لهم، فهذا بزنس أترك لكم الحكم عليه بأنفسكم.
ختاما أقول، علقنا آمالاً عراضاً على الثورة المصرية في أن يتحسن وضع معبر رفح، وتحسبنا كثيراً لأن يصيبنا من سهام الثورة سهم، لكننا على ما يبدو مازلنا بحاجة إلى ثورة في العقول قبل النزول إلى الشوارع. ولكم مني في ذلك دعاء: ربنا لا تؤاخذ المصريين بما فعل سفهاؤهم بنا.. قولوا آمين..
موسى محمود الجمل
دبي
26 يونيو 20011

No comments:

Post a Comment