Sunday, July 31, 2011

"العصر الخنفري" وتماثيل الشمع (3-3)


الجزيرة بعيون لينا زهر الدين..

"العصر الخنفري" وتماثيل الشمع (3-3)

مشكلة الملابس

تتحدث لينا زهر الدين في كتابها "الجزيرة ليست نهاية المشوار" عما أثير حول قضية لباس المذيعات، والتي تناولها الإعلام بإسهاب باعتبارها السبب الرئيس وراء استقالاتهن؛ وتقول أنه في إحدى المرات، وبينما كانت تستعد لتقديم نشرة "الجريرة هذا الصباح"، اعتبر جاب الله لباسها "غير مناسب"، ودخلت في مشادة كلامية معه، وتقدم نحوها قبل النشرة بدقائق وسلمها إنذاراً مكتوباً يُحذرها فيه من تكرار هذه "الفعلة".

وتضيف أن الحادثة لم تمر مرور الكرام، حيث عُوقبت على إثرها من قبل المدير خنفر، بأن تم إيقافها عن الظهور على الهواء، وتم رفع اسمها من جدول المذيعين تمهيداً لإقالتها، إلا أنها استدعيت إلى مكتب خنفر، وتحدث لها بما يشبه الاعتذار عما حدث، وأن الهدف من الملاحظات كان لتحسين الأداء ليس أكثر.

وتكشف زهر الدين أنها في ذلك الوقت تلقت اتصالاً من قناة "العربية" للانضمام إليها، لكن تدخل البعض لإثنائها عن الخطوة حال دون اكتمال الانتقال، وتلقت وعوداً بتصحيح وضعها داخل الجزيرة، إلى أن أي من هذه الوعود لم يتحقق وبقي الأمر على ما هو عليه، حسب قولها.

وتمضي تقول: "استمر تعمد إزعاج المذيعات قبل الظهور على الهواء بدقائق، وأيضاً على الهواء، كأن تُبلغ المذيعة وهي على الهواء بتصحيح وضع خصلة شعرها، أو أن يعترض أحد المخرجين أو المنتجين على قلادة أو سوار أو خاتم أو ساعة أو حتى أزرار بعض الجاكيتات وألوانها، بحجة أنها "لا تتناسب مع لوك الجزيرة ومضمون المادة التي نقدمها"، رغم "أننا كنا شديدات الحرص على انتقاء الملابس وألوانها ومويلاتها بعناية فائقة ومن أرقى المحلات وعلى نفقتنا الخاصة"، حسب روايتها.

وتتابع: أنه لحل هذه المشكلة، طلبنا من الإدارة أكثر من مرة التعاقد مع محلات معينة، أو تخصيص خياط لنا بإشراف شخص مختص في هذا المجال. بعد عملية شد وجذب استمرت سنوات، تم التعاقد مع مختصة في الأزياء من أصل أمريكي مقابل مبلغ مالي ضخم وذلك لأيام معدوة، لم تستطع خلالها الإتيان بأي جديد، سوى أنها طلبت من أحد الخياطين حياكة طقمين أو ثلاثة لكل مذيعة وبقماش زهيد جداً.

بعدها عُهد بقسم المكياج إلى موظفة بريطانية جيء بها من القناة الإنجليزية بعد طردها منها لعدم كفاءتها خلال فترة تدريبها هناك. وبدعم من جاب الله الذي كان معجباً بها، أزاحت رئيسة قسم المكياج السابقة وأرادت فرض ملاحظاتها على المذيعات و"التدخل الوقح" في شكلهن ولباسهن وتسريحة شعرهن وبأدق التفاصيل وبشكل "فظ ومزعج".

وتمثل هذا التدخل في عدم السماح لهن بوضع الكحل العربي، أو أقراض الأذن لمجرد أنها لا تعجبها. وكانت في كل ذلك مدفوعة من الإدارة التي منعت المذيعات من انتعال الكعب العالي، بحجة أنه ملفت للنظر ولا يليق بشاشة الجزيرة. بدا واضحاً توجه الإدارة "المتشدد" لناحية الشكل مترافقاً مع سياسة تعاطيها الانتقائية مع الموظفين.

عقدة النجومية

تقول زهر الدين إن خنفر كان موغلاً في شخصنة الأمور والتدخل في كل كبيرة وصغيرة، خصوصاً فيما يتعلق بالمذيعات، حتى وصل به الأمر إلى تشبيههن بـ"تماثيل الشمع". ويرسل إشارات كره لنجومية المذيعين، ولطالما ردد عبارة "أن المحطة أكبر من نجومها، وهي التي تصنعهم"، في حين أنه كان عاشقاً للنجومية، حيث بالغ في تنظيم المهرجانات والمنتديات والندوات الخاصة بالجزيرة، و"اختراع" المناسبات التي يكون له فيها حصة الأسد من الظهور والكلام.

وتضيف أن الفارق بين الإدارة القديمة، بقيادة محمد جاسم العلي، وخنفر، أن الأول كان يخلق الانتماء لدى الموظف أياً كانت درجته، ويشعره كأنه بين أفراد أسرته، ويُصغي للجميع، ويقدر الرأي الآخر، وكان دائم التواجد في غرفة الأخبار، ويتابع ما يجري أحياناً من غرفة التحكم، وقلما تجد كارهاً لشخصه في أوساط الموظفين.

وتنقل زهر الدين عن أحد الكتاب القطريين أن الجزيرة في "العصر الخنفري" كما سمّاها، اختلفت تماماً عما كانت عليه في عهد الإدارة السابقة، فأجواء المحبة والتعاون التي طبعت الجزيرة في بدايتها اختلفت تماماً، وبات هَم كل فرد من أفراها العمل بمعزل عن روح الفريق.

وتمضي تقول: لم يعد هناك وجود لأي رأي مخالف لرأي المدير والجميع ينشد رضاه، ويحاول التقرب منه. وتروي في هذا الصدد قصة لا تخلو من الطرافة نقلاً عن أحد زملائها، أنه وبينما كان يَهمُ أحد الموظفين بالخروج من المصلى المجاور لمبنى الجزيرة، لمح خنفر قادماً للصلاة، فما كان منه إلا أن استدار ودخل المسجد على عجل، كي يراه المدير منكباً على الصلاة.

وتتابع: أحاط خنفر نفسه بهالة اصطنعها، وبمساعدين ومستشارين لا حصر لهم، وأقام ما يشبه الجدران العازلة بينه وبين بقية الموظفين بمن فيهم المذيعين، فكان يرفض باستمرار مقابلتهم، ويشترط على السكرتيرة انتزاع فحوى أي موضوع منهم قبل أن يعرض عليه.

بداية التحرك والشكوى

وتسرد زهر الدين أنه في أواخر 2009 اكتشفت أنني لست الوحيدة التي تعاني حالة عدم الارتياح هذه، وكان يشاطرني فيها عدد كبير من الزميلات المذيعات، تدراسنا الأمر وصممنا على القيام بتحرك ما لتغيير الواقع. وتقول حاولنا إفهام الإدارة بشتى السبل القانونية للمؤسسة بأنه لم يعد مقبولاً توجيه الملاحظات لنا جزافاً دون مسؤولية أو احترام، سواء من قبل جاب الله أو رئيسة قسم المكياج والأزياء لويز أبو سِنّة.

وتستطرد: كتبنا ذلك برسالة شكوى للإدارة تضمنت توضيحاً أن ملاحظات جاب الله لبعض الزميلات تحوي كلاماً جارجاً ونظرات خادشة للحياء، وتتجاوز الخطوط الحمر المعمول بها في أي مؤسسة. على الإثر تم فتح تحقيق فوري في الشكوى بناء على طلب رئيس مجلس الإدارة، في حين توعد خنفر إحدى المذيعات أنه على استعداد لـ"طرد سبعين مذيعاً إذا ما تبين أن الصادق الأمين على حق".

وتؤكد زهر الدين وبوضوح أن موضوع التحرش الذي أتى على ذكره الإعلام لم يكن على الإطلاق محور الشكوى، فنصها طالب بوضوح بفتح تحقيق في التجاوزات المذكورة، ومنها فرض سياسة عقابية على من يستخدم ألفاظاً نابية بحق الزملاء في العمل، وتطبيق سياسة إدارية عمادها الشفافية والاحتراف والاحترام المتبادل وإشراف المسؤولين عن الصورة على قسم المكياج.

بعدها تم تعيين لجنة للتحقيق في مضمون الشكوى، مُؤلّفة من مقربين من خنفر. بدأت استجواب المذيعات، واعترضنا على تسجيل إفاداتنا لما ستحويه من معلومات شخصية حساسة قد يتم تسريبها. الخوف اعترى بعضهن وبقيت ثماني مذيعات من أصل إحدى عشرة مُصرّات على مواقفهن، واضعات الاستقالة احتمالاً أخيراً وليس تهديداً، أو لي ذراع. مضى خمسة شهور دون إصدار نتائج التحقيق.

وتشدد زهر الدين في كتابها على أنه "لم نشأ الاعتراض على نهج الجزيرة السياسي، أو خطها التحريري الذي ينظر إليه على أنه مُسيس بشكل واضح، ومتشدد، وله أجندة وأهداف محدودة، وأنها مشروع سياسي قائم بحد ذاته، وسلاح فعال في يد الحكومة القطرية، تشهره متى تشاء، وبوجه من تشاء. وعلى الرغم من معرفتنا للكثير مما كان يجري في كواليس الجزيرة، حول كيفية صناعة الخبر، وصولاً إلى بثه، مروراً بالبرامج الحوارية، وكيفية إدارتها، واختيار موضوعاتها، إلا أننا غضضنا الطرف عن ذلك".

وتضيف: "كل تركيزنا كان على ضرورة إرساء قواعد مهنية وأخلاقية وإنسانية طبيعية بين الإدارة وموظفيها، قائمة على الاحترام المتبادل، وإعطاء كل ذي حق حقه لا أكثر".

تقديم الاستقالة

تقول زهر الدين كان واضحاً أن الإدارة ولجنة التحقيق تمارسان عملية تقطيع للوقت، عندها قررنا المضي في قرار الاستقالة. فجأة بدأت حالة من التململ والتردد تسود بعض الزميلات المشتكيات لعدم وجود البديل. تراجع بعضهن عن الاستقالة وبقي أربع أخريات مُصممات على الاستقالة. واعتبرت الإدارة خيار الاستقالة ليس إلا معركة لَيّ ذراع للحصول على مكتسبات، فأساءت التقدير، والكلام للمؤلفة.

صبيحة الخامس والعشرين من مايو/أيار 2010 كانت أربع نسخ من استقالات الزميلات جمانة نمور، لونا الشبل، نوفر عفلي ولينا على مكتب المدير العام، الذي قِيل إنه لم يتردد للحظة في الموفقة عليها، وهو ما تمت محاسبته عليه لاحقاً. بعد يومين قررت زميلة خامسة حسم أمرها بالاستقالة فأصبحنا خمساً، رغم أن الخامسة استمرت في مزاولة عملها وهو ما أثار استغرابنا، كما تشير زهر الدين.

في اليوم التالي ارتأت لجنة التحقيق إصدار توصياتها، التي رفضت فيها شكوى المذيعات، واعتبرتها مخالفة للإجراءات المتبعة داخل الشبكة، وبَرّأت أيمن جاب الله ورئيسة قسم المكياج من التهم المنسوبة إليهما.

في الثلاين من الشهر ذاته، كانت صحيفة "الحياة" اللندنية أول من نشر خبر الاستقالة: "خمس مذيعات من قناة الجزيرة يقدمن استقالتهن". المفاجأة الأكبر، كما تقول زهر الدين، أن بعض قصاصات نتائج التحقيق سُرّبت إلى وسائل الإعلام، علماً أنه تحقيق داخلي.

وتسرد زهر الدين أنه جرت تدخلات على أرفع المستويات لثنينا عن الاستقالة، ومنها تدخل شخصية ذات وجه بارز، لطالما ظهر على شاشة الجزيرة، وقد تكثف ظهوره بشكل ملحوظ مع اندلاع الثورات العربية في إطار تحليله لها. ولو علم خنفر بسيل الشتائم التي كالتها تلك الشخصية "المهمة" له، أثناء اجتماعها به في إحدى المرات، لتمنى أن تنشق الأرض وتبتلعه.

قامت الإدارة بالعديد من التغييرات للإيحاء برغبتها في تصحيح الأوضاع، فنقلت الشيخ من رئاسة التحرير إلى منصب مستشار رئيس مجلس الإدارة، وعينت مكانة الدكتور الجزائري مصطفى سواق، وتمت تنحية جاب الله، وعُهد إليه بالمسؤولية عن قناة الجزيرة مباشر، وهي خدمة "هامشية"، وفق زهر الدين.

وتتابع: بعدها تم استحداث مناصب جديدة في غرفة الأخبار، وكانت كلها شكلية، وخرج خنفر ليقول إن خطة جديدة بدأ العمل فيها من خلال هيكل جديد للجزيرة العربية والإنجليزية، تقضي بالانتقال من أسلوب العمل الحالي إلى غرفة الأخبار متعددة الوظائف والوسائط، بإدارة مدير جديد وأربعة معاونين له، دون أن يعترف تلميحاً أو تصريحاً بأن أخطاء قد ارتكبت، وأدت إلى ما أدت إليه. ووصفت زهر الدين ما جرى بأنه "انقلاب".

في تلك الأثناء، اعترضت إسرائيل أسطول الحرية في الواحد والثلاثين من الشهر ذاته، ما أدى إلى انحسار الاهتمام بقضية المذيعات المستقيلات، وهو ما دفع البعض داخل القناة إلى القول: "والله إن المشايخ محظوظون، والأكثر من ذلك أن الله معهم، ويهيئ لهم الأسباب للخروج من أزماتهم"، ورأى آخرون أن حادثة الحادثة ذاتها "وقعت برداً وسلاماً على المسؤولين في القناة".

وتقول زهر الدين أنهن تلقين عروضاً برواتب وصفتها بـ"الخيالية"، عقب الاستقالة مباشرة. إلى هنا، غادرت لينا الدوحة في الخامس عشر من يونيو/حزيران 2010. وتضيف: "عندما أعود إلى ذاتي لاسترجع ما احتفظت به من ذكريات، أراني متصالحة معها تماماً، ثابتة على قناعاتي، وغير نادمة على أي قرار مهم اتخذته في حياتي".

وتختم كتبها بالقول: "وأنا أكتب هذه السطور أشاهد قناة الجزيرة، وأتابع تغطيتها للثورات، حيث نجحت في الثورة المصرية، وكانت جزءاً في نجاحها، ولعبت فيها دوراً تعبوياً بامتياز، في حين لم توفق في أحداث البحرين وسوريا".

عرض وتقديم: موسى محمود الجمل

دبي

31 يوليو 2011

No comments:

Post a Comment