Thursday, July 21, 2011

في رثاء ساستنا



في رثاء ساستنا
رثاؤكم.. الجدار الأخير المتبقي لنا كي نسند إليه ظهورنا مرتاحي البال لنقول فيكم ما نريد، بعدها افعلوا بنا ما شئتم طالما أنكم أجبرتمونا على الالتصاق به، حشرتمونا في آخر زوايا بيت وعودكم المعسولة، أفرغتم عقولنا من صوابها، أفكارنا من حكمتها، قلوبنا من ألفتها، ثم أطبقتم بجثثكم الهامدة على صدورنا التي قذفتكم منذ زمن، فلم يعد لدينا ما نخسره في بورصة متاجرتكم بنا ومقامرتكم بالوطن.
استأثرتم بشمس الوطنية وحاولتم حجبها عن غيركم بغرابيل أحاديثكم المخرمة بكلام صدِئ، ارتديتم أسمال الدولة بشخوصكم المرقعة، فبدا الوطن على أجسادكم التي بلا روح خِرقاً بالية. جعلتم آبار محبتنا للوطن مُعطلة، ألقيتم في مياهها الطاهرة أحجار مصالحكم النجسة بعد أن استعذبتم الشرب ملء بطونكم من عشق للوطن كان يملؤها، وقصورٌ شيدناها في أحلامنا عن الدولة أحلتموها خراباً، وسفناً لنا كانت مشرعة أغرقتموها.
أضحيتم تعشقون النوم الثمل في حضن الوطن بعد أن أتعبكم ليل طويل شربتم فيه النُخب، تطبعون قبلات الخيانة على خده الناصع الممتلئ إذا ما أخلدتم إلى النوم. ولا عيب فينا إن قلنا إن العيب فيكم، إذ لا يحلو لكم أن تريحوا وجوهكم ورؤوسكم إلا على أثدائه. سرى فيكم خَدَر من أفيون المفاوضات مع المحتل، ومع كل تعاط من هذا القبيل، تنخلع لكم أرجل من أرض جديدة لتنزرع أحذية في صدورنا، أضعتم في صحرائها أحلاماً نسجناها في نومنا ويقظتنا عن وطن موعود، وكلما تفاوضتم نقص الوطن أرضاً وشعباً وبعض كرامة.
أما أسماؤكم فلا نصيب لكم منها إلا عكس معانيها، فلا عباسٌ أسدٌ تهابهُ الأسود فيتحلى بشجاعة الدفاع عن الوطن، أو يرفع قبضة يد في وجه المحتل، ولا هنية أدخل إلى أساريرنا بهجة مبتغاة، ومِشعلٌ انكفأ على حين غفلة فوق ما تبقى من بيوت الناس المسقوفة بالفقر فأحرقها ببنزين سياسة المقاومة. كل ذلك يتم بينما تتبادلون الأحاديث على ظهر الوطن الذي تقوس فصار لكم طاولة تريحون عليها أثقال الكلام الفاخر الفارغ، عن مفاوضات لم تتفقوا أتكون على كل الوطن أو بعضه؟، وكفاح اختلفتم على أدواته، أيكون مسلحاً أم شعبياً؟.
ومنذ زمن، تجرون بنا بأحصنة الكلام في كل مضمار، تطوفون بنا بسفن الثرثرة في كل البحار، عجنتم لنا من الكلام أرغفة لا طعم لها، صغتم لنا منها عناوين باتت على اختلافها باهتة، سواء أكانت أشخاصاً أو أفكاراً، ومعها أبهتم القضية، فلم نعد نُقرأ، ولم نعد كما كنا عناوين. فأنّي لنا أن نُرجع تلك المشاهد البهية عنا، حين رسموا لنا الصور، ضربوا فينا الأمثال، وكنا آية للناس.
لِمَ جعلتم الأسئلة تتزاحم في دواخلنا حتى بتنا لا نعرف، أنرثيكم؟ أنبكيكم؟ أنستصرخكم؟ أنستعيذ بالله منكم؟ أنستقوي به من ضعفنا على جبروتكم؟ أنستعديه عليكم من ظلمكم؟ أنستعجله أن يخلصنا منكم، من أفعالكم، ريائكم، نفاقكم، كذبكم، وبدع أحدثتموها في السياسية وأوهام اختلقتموها للناس ما جاء بها أحد من العالمين؟.
آخر ثرثراتكم وعد لنا بدولة في سبتمبر، تحدثتم عن أيلول أكثر مما تحدثتم عن فلسطين، فخُيل لنا أن اسم الوطن استحال "دولة سبتمبر" لا "فلسطين". تتعاملون مع الوطن مثل سلعة لها تاريخ تصنيع، مدته شهر، ففتحتم شهيتنا على سؤال عريض ساخر: هل يعني أن صلاحية الدولة ستنتهي في الأول من أكتوبر؟.
ومعروفٌ أن الدول لا تاريخ ولادة لها، إذ تنبت في وجدان الإنسان دون ميعاد، هي الناس حيث يتحابون فينتجون، تخضر وتزدهر حيث في أرضها ينزرعون، الشعب فيها مثل الطوب في مداميكها يُبنون، ينامون، يحلمون فيعملون بما يحلمون، يطمحون فيجتهدون وينجزون.. يا ساستنا، إنها حقيقة بسيطة ليتكم بها تعلمون فتعملون.. أفلا تتفكرون؟!.
تحدثتم بما يملأ كتب العالم كلاماً عن إصلاح ذات البين، حنثتم بيمين مغلظة لقادتكم أمام أسوار الكعبة بنبذ الاقتتال، فمن ذا الذي يحنث بيمين مثل هذا إلا ناكص على عقبيه؟ وحالنا ألماً يقول: أتقتلون بعضكم بعضا وأنتم فوق سفينة تبحث عن مرفأ منذ 60 عاماً أو يزيد، يقودها محتل؟!.
أوقفتم نبض حياة الناس، أفقدتموهم الأمل بالغد، سرقتم ابتساماتهم، حتى قيل إن الناس في غزة لا يضحكون، ولا يعلو محياهم غير العبوس والتكشير، تُرى أنسي الناس الضحك في خضم موجات الحرب التي لا تتوقف؟ أم أنسيتموهم إياه من إدمانكم للخصام؟ وهل ينسى الناس الضحك؟ نعم، جعلتم بانشقاقكم الأمر ممكناً، فما أجرأكم على قتل الحياة.
اغتصبتم الضحكات البريئة المرتسمة على شفاه الأطفال وأفقدتموها عذريتها، أشختم أطفالنا في خريف سياستكم الجدب الطويل، استكثرتم عليهم التنعم بربيع الطفولة، فغزت مخيلاتهم الغضة مشاهد عبثكم بالسلاح. تفاصيل مشاحناتكم هي الرسمة الوحيدة التي يجيدون خط تفاصيلها بلون واحد هو الأحمر، هو ذاته الذي يصبغ المشاهد التي تصنعونها لهم ولنا يومياً منذ زمن.
وبعد أن أقحلت أراضيكم، سبحتم على سماوات تفكيرهم الغارق بالبياض، لتملؤها سواداً معبأ برائحة البارود، وبشاعات اقترفتموها في ظلمات الليل البهيم أدميتم بها مقلتي القمر الساهر على حراستهم. حتى أنكم لم تستحوا من حقيقة الشمس فتختبئوا من نثر ضوئها الطاهر على فضائحكم، فلوثتم أشعتها الذهبية.
طمستم ألوان علم الوطن، وفرقتم أطيافه وتقاسمتموها بقدر قسمتكم للوطن، تظللون رؤوسكم ومؤيديكم في المظاهرات بلون واحد، فهذا أخصر، وذاك أحمر، وثالث أسود، وابتدعتم أصفر لشبيبته، ثم تركتم أبيضه مستسلماً للقدر، فهو أنقى من أن تلوثوه بتعصبكم الحزبي المقيت. خنقتم أجساد الشهداء الزكية براياتكم الفصائلية الصماء التي لا تحمل سوى معنى واحداً: "إهانة مُهذّبة" لأرواحهم الطاهرة.
يا ساستنا.. وبعد أن أصبحت أحلامنا بالوطن مهترئة، مكررة، ممجوجة، تأتينا مثل الكوابيس لتؤرقنا؛ نستأذنكم أن امنحونا أملاً، انثروا لنا على طريق الوطن الموعود وروداً ولو كانت مصطنعة، دعونا ولو للحظات نخطأ الظن بكم بأن تصدقونا الوعد، توفوا لنا بالعهد، تشعرونا بأنكم منا، تريدون مصلحتنا، تعيشون لأجلنا، تضحون لطموحاتنا، أو نتعثر ولو صدفة بصدق ما في زحمة كذبكم علينا...
موسى محمود الجمل
دبي
20 يوليو 2011

3 comments:

  1. نصوصك القديمة أجمل ،هي ترمي بالقارئ في أحضان الأمل أما هذه النصوص السياسية فتبعث على اليأس
    انت يا موسى لا مفاوضات أراحتك و لا مقاومة أعجبتك ؟؟؟؟و الله أشفق عليكم و على ساستكم

    ReplyDelete
  2. صدقت واصبت كبد الحقيقة

    ReplyDelete
  3. صدقت وأصبت كبد الحقيقة

    ReplyDelete