Tuesday, August 23, 2011

اللهم إني صائم


اللهم إني صائم

يحدث في كل رمضان أن تتكرر أمام أعيننا مشاهد لا تتغير، تحديداً خلال صلاة التراويح، وعلى ما يبدو لا نريد لها أن تتغير، وهي دلالة على أن دواخلنا لم تتغير، لذا نراها ماثلة أمامنا ويضاف إليها جديد في كل سنة. وهنا بعض هذه المشاهد.

(1)
في كل رمضان يُنبه الإمام إلى أن يلزم من يأكل ثوماً أو بصلاً البيت ولا يأتي للمسجد، عملاً بالحديث الشريف "من أكل ثوماً أو بصلاً فلا يقرب مصلانا"، لكن لا حياة لمن تنادي، إذ إن الكثير من الناس -على ما يبدو- لا يأكلون ثوماً أو بصلاً إلا في رمضان دون غيره من أيام السنة. ثم ركّبت بقية المشهد من خيالي لشخص حديث العهد بالصيام قد سمع لتوه بحديث البصل والثوم، فدأب على أكلهما طيلة شهر رمضان ليستخدم رخصة نادرة ويريح نفسه من عناء صلاة التراويح.

(2)
اشتكت النساء من إزعاج الأطفال لهن خلال الصلاة، وعلى الإثر طلب الإمام من الأمهات عدم اصطحاب أطفالهن إلى مصلاهن. يبدو أنهن فهمن الرسالة خطأ. ففي اليوم التالي انتقل الأطفال من مصلى النساء إلى مصلانا، وحرنا ماذا نفعل بهم.

(3)
قِصر الرسائل المكتوبة في فيسبوك وتوتير، يبدو أنه قد أصاب أيضاً سراويل بعض المصلين. يركع أحدهم، فتظهر ربع خلفيته. وما أن يسجد حتى تظهر نصفها. وفي كل ركعة وسجدة يتسحسس خلفيته طوال الصلاة، حتى أنه يخال لك أن هذه الحركة اللازمة هي جزء من هيئات الصلاة. البعض اشتكى من هذا المشهد، واعتبروه مفسداً لصلاة الغير وفاعله، فرفعوه للإمام الذي بدوره ذكر بالآية "يا أيها الذين آمنوا خذوا زينتكم عند كل مسجد.."، لكن الأرباع والأنصاف مازالت تظهر كل يوم.

(4)
في اليوم الأول من رمضان أكد الإمام -كما في رمضان الماضي والذي قبله والذي من قبله- أن من يأتي للصلاة ويجد المصلين قد فرغوا من الجماعة الأولى لصلاة العشاء فلا يقيم جماعة ثانية، بل يدخل في صلاة التراويح بنية العشاء ويكمل صلاته. لكن -على مدار الشهر وكل يوم- ما أن ننتهي من صلاة العشاء، ونبدأ بالتسبيح والتهلييل حتى يفاجئك جمع خلفي بكلمة "آميـــــن". نصلي السنة، ثم ننتظر حتى ينتهوا من صلاتهم. خلال هذه الفترة تدور همهمات بين المصلين عن هذا السلوك المتكرر.

(5)
تقام الصلاة، نحاول أن نصطف فلا نتفق. السجاد مخطط بخطين متوازيين، يفصل بينهما مسافة تتسع لقدم الرجل إن هي وضعت بينهما. البعض يختار هذه الوقفة، آخرون يصطفون على السطر العلوي، وفريق ثالث ينظمه السطر السفلي. ثم ندخل في "لخبطة" على أي الصراط نهتدي. غالباً ما يكون الإمام قد أنهى تلاوة الفاتحة قبل أن نتفق.

(6)
سادن المسجد لا يتوقف يومياً عن ضبط صوت الميكروفونات الداخلية والخارجية. يقف متأهباً في السطر الأول، وبمجرد أن يكبر الإمام تكبيرة الإحرام ويبدأ صوت الترتيل يرتفع، حتى يفتح صندوقاً أسفل المنبر حيث يوجد ميكسر الصوت، قاطعاً السطر الأول طبعاً، وتأخذه غفوة طويلة في تقليب المفاتيح وتحركيها. يكرر هذا التمرين عند بداية القيام لكل ركعتين، وفي كل مرة لا نشعر بتغير في الصوت، ولا أرى داع لهذه الحركة التي تلهيه ومن بجواره وخلفه عن الخشوع.

(7)
في دعاء التهجد تحدث لخبطة يومية، حين يُأمم المصلون على دعاء الإمام. يقول الداعي: إنك تقضي بالحق ولا يقضى عليك. يردد المصلون كل على حدة: حق، آمين، يا رب، يا الله. الإمام: اللهم إنه لا يعز من عاديت، ولا يذل من واليت. المصلون: أشهد، آمين، يا رب، يا الله. الإمام: تباركت ربنا وتعاليت. المصلون: يا الله، آمين، يا رب. الإمام: لك الحمد على ما أعطيك. المصلون: الحمد لله، آمين، يا رب. الإمام: لك الشكر على ما أنعمت به وأوليت. المصلون: الشكر لله، آمين، يا رب. الإمام: اللهم إنا نستغفرك من جميع الذنوب والخطايا ونتوب إليك. المصلون: أستغفر الله، آمين، يا رب، يا الله. الإمام لاحظ هذا الخلط منذ اليوم الأول من رمضان، فأبلغ المصلين إلى الاكتفاء بكلمة أمين. لكن، هيهات هيهات.

(8)
ليس غريباً هنا أن ترى مصلياً يتقلد سلسلة في عنقه، أو يضع أسورة حول معصمه، ولم يفتينا أحد إن كانت الصلاة تجوز بهما أم لا. وإن كانت هذه أو تلك من ذهب أو فضة ندخل في حكم فقهي آخر. حليقو الرؤوس بالشفرة على الصفر يملؤون المسجد، البعض يحزم رأسه بقماط أحمر طبعت عليه جماجم، آخرون يعصبون أدمغتهم بقطع قماش رسم عليها أشكال كرتونية.

(9)
يحدث أن يُخطئ الإمام أثناء التلاوة في الصلاة، فيأتيه التصحيح من كل مكان، وبالتالي يزداد التشويش عليه. طلب الإمام من المصلين أن يتركوا مهمة تذكيره إن هو نسي إلى الحفظة في السطر الأول، وقال إنهم كُثر. اليوم، ونحن في الثاني والعشرين من رمضان، أخطأ الإمام في القراءة، فرده تقريباً نصف المصلين.

(10)
الهواتف النقالة لا تتوقف عن الرنين طيلة الصلاة، رغم التكرار المتكرر لدرجة الملل من قبل الإمام بضروة غلقها قبل الدخول إلى المسجد. لكن، ما أن ندخل في الصلاة حتى تغني فيروز، ويصدح صوت نانسي، وتشدو نجوى كرم، وتتصاعد أنغام أغنية من فيلم هندي. بعض المصلين يرى في مد يده إلى هاتفه وإغلاقه حين يرن قطعاً لخشوعه، فيُبقى على الرنين حتى يكتمل.

(11)
بعيداً عن صلاة التراويح، أمام الكاشير في السوبر ماركت، وقفت أمامي فتاة تبدو في العشرينات من عمرها. ترفع أكياساً من سلتها وتضعها على السير المتحرك. كيس طماطم، كيس بطاطس، كيس خيار، كيس بقدونس، مصحف، كيس تفاح، كيس خوخ، عبوات جبن، لبن، عصائر وحليب. غاص كتاب القرآن بين الأكياس والعبوات. يا إلهي، استهجنت هذا التعامل الفج؟! تساءلت: هل تدرك هذه الفتاة ما تفعل؟! بدت لي غير متدينة من طريقة لباسها للعباية ووضعها غطاء الرأس، والواضح أنها لبستهما على عجل من تهدلهما على جسدها، وبدت وكأنها ترتديهما للمرة الأولى في حياتها.

ومن خيالي، وضعت في عنق البنت العاملة على الكاشير سلسلة تنتهي بصليب، ثم تذكرت الآية "لا يمسه إلا المطهرون". أمسكت العاملة بالمصحف بنفس طريقة إمساكها بالأكياس. مررته مثل غيره من البضائع على جهاز التسعير. تركته في الجنب الآخر ليأخذ مكانه وسط الأكياس في عربة التسوق.
ولكي لا يفهم أحد أن هذا المقال ينطوي على غيبة أو نميمة -لا قدر الله- فإني أعلن: اللهم إني صائم.

استقيموا يرحمكم الله..

موسى محمود الجمل
دبي
23 أغسطس 2011

No comments:

Post a Comment