Saturday, September 24, 2011

عباس.. سَرَى بنا ولم يَعرُج



عباس.. سَرَى بنا ولم يَعرُج

الكل الفلسطيني والعربي والدولي، يعرف أن التوجه إلى مجلس الأمن لنيل عضوية كاملة للدولة الفلسطينية، معنوية صِرفة، يقف دونها عقبات كثيرة على الأرض، أوجدها الاحتلال الإسرائيلي، وسنوات عشرون من المفاوضات الفاشلة، وما استجد من انقسام.

وطالما أن الحدث "مهم"، والخطاب "تاريخي"، كما يحلو للبعض وصفهما، فلا بأس من تسجيل بعض النقاط حول كلمة رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس أمام الجمعية العامة للأمم المتحدة.

· قبل بدء كلمته، قدمت عَرَافة الجلسة عباس بصفته رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، ورئيس السلطة الفلسطينية، رغم أن الوفد الفلسطيني تمترس خلف لوحة كتب عليها بالخط العريض "فلسطين"، ولم يفكك أحد هذا اللغز إلى الآن.
· حدة خطاب عباس فاجأت الكثيرين، وأنا منهم، وتساءلت: هل هذا عباس الذي يبدو على الدوام ضعيفاً؟! من أين جاء بكل هذه الحنكة في الخطابة؟ الظاهر أن اللهجة ما كان لها أن تكون بهذه الصرامة لولا اتكائه على الربيع العربي الذي استشهد به ليكون للفلسطينيين ربيعهم الخاص. وقوة الخطاب ظهرت مرة ثانية حين لم يأتِ عباس على ذكر كلمة "الولايات المتحدة الأمريكية" بالاسم، حتى في أقرب تلميحاته إليها عندما قال: "لا أعتقد أن أحداً لديه ذرة ضمير ووجدان يمكن أن يرفض حصولنا على عضوية كاملة في الأمم المتحدة... بل وعلى دولة مستقلة".
· استلهم عباس بعض كلمات العقيد الليبي الهارب معمر القذافي في خطابه الشهير "دقت ساعة العمل، دقت ساعة الزحف"، فقال: "دقت ساعة الربيع الفلسطيني.. ساعة الاستقلال".
· رغم أن فترة عباس الرئاسية انتهت منذ نحو عامين، إلا أنه كرر في أكثر من موضع أنه يتحدث باسم الشعب الفلسطيني في "الداخل والشتات". ولأنه ليس لدينا غيره، في هذه المرحلة على الأقل، كما أن أمريكا وأوروبا تريدانه، وتغضان الطرف عن عدم شرعيته رئيساً، فما لنا إلا أن نبارك الديمقراطية المجتزأة، و"نعصر على نفسنا لمونة".
· استرجع عباس خطاب الرئيس الفلسطيني الشهيد ياسر عرفات أمام الأمم المتحدة عام 1974، والذي كتبه الشاعر الراحل محمود درويش، وقال حينها: جئتكم والبندقية في يد، وغصن الزيتون في يد، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي". أسقط عباس من خطابه الجزء الأول من المقولة (البندقية)، وأبقى على غصن الزيتون، وهو ما يتماشى مع هواه السياسي في رفضه الدائم للمقاومة المسلحة.
· صفق الحضور لعباس 15 مرة، كان أقواه على الإطلاق التصفيق ما قبل الأخير، والذي تلى إعلانه التقدم بطلب العضوية الكاملة إلى الأمين العامة للأمم المتحدة بان كي مون. حينها التفت رئيس الوفد الإسرائيلي، المكون من ثلاثة أشخاص، إلى الخلف، وقد أزعجته على ما يبدو حرارة التصفيق، وقيام الحضور من مقاعدهم. الوفد المصري بالغ قليلاً في ضرب الأكف. أعضاء الوفد السوري الذي كان يتقدم الفلسطيني في مقاعد الجلوس، صفقوا ببرود، وملامحهم ممتعضة. حين طال التصفيق، رفع عباس نسخة من طلب العضوية بيده فاشتعلت القاعة أكثر، حينها علت صرخات وهتافات وصفير مثل التي تصدر من مدرجات ملاعب كرة القدم. الوفدان الإسرائيلي والأمريكي هما الوحيدان تقريباً اللذان التزاما الصمت ومقاعدهم.
· وفي رحاب الخطاب، كانت القاعة ممتلئة عن آخرها بوفود الدول. وعلى غير العادة، لم تلتقط الكاميرا أي من الحضور نائماً أو متثائباً هذه المرة، رغم تجوالها المتكرر بينهم.
· ظهر حارس أمن غليظ وحيد في القاعة، يلبس زياً مميزاً، يقف متأهباً قبالة أعضاء الوفد الفلسطيني، لم يتزحزح من مكانه طيلة إلقاء عباس الكلمة، عيناه تتفحصان وجوه الجالسين بريبة. الأعضاء بدو كمن وقعوا أسرى لهذا الحارس، والأخير كمن يخشي "انتفاضة" أحدهم.
· الوفد الفلسطيني في المقصورة الرئيسية مَثّله سبعة أشخاص هم: رياض منصور، ياسر عبد ربه، حنان عشراوي، صائب عريقات، نبيل شعث، رياض المالكي قيس أبو ليلى. في المنصة العلوية ظهر محمد اشتيه وعزام الأحمد. الوفد الأمريكي مَثّله ثلاثة أشخاص، ومِثلَهُ الإسرائيلي الذي اعتمر رئيسه قلنسوة المتدينين اليهود. وعندما بدأ رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو خطابه، فرغت مقاعد الوفد الفلسطيني، إلا من شخص واحد يبدو أنه من الصف الثاني أو الثالث في البعثة الفلسطينية. ويقولون إن هذا من أدبيات السياسة عند الإحجام عن الاستماع.
· السفيرة الأمريكية كانت تتجنب النظر إلى عباس، رغم أنها تجلس في الصف الأول من القاعة، وتظاهرت أكثر من مرة بأنها تعبث بشيء ما أسفل الطاولة. فكلمة عباس بالتأكيد لا ولن ولم تعجبها!
· تكررت الكلمات التالية ومشتقاتها في خطاب عباس على النحو التالي: احتل (23 مرة)، سلام (23)، استوطن (17)، جدار (5)، فاوض (12)، القطاع وغزة (5)، دولة فلسطين والدولة (15).
· ألقى عباس خطابه المكون من 2694 كلمة في 40 دقيقة و47 ثانية، ارتشف خلالها الماء مرة واحدة في منتصفه.
· السلطة الفلسطينية في رام الله وفرت حافلات لنقل المواطنين من القرى وأطراف المدن إلى أماكن التجمعات المركزية حيث الحشود الداعمة لعضوية الدولة، وقدمت لهم وجبات ومياه وعصائر.
· ولأننا أدمنا الانقسام منذ أكثر من أربع سنوات، انقسم الفلسطينيون حول الخطوة، فبينما اعتبرتها فتح وأنصارها "استحقاقاً"، رأت فيها حماس وأتباعها "استخفافاً". أما الجزيرة، وإن غطت فعاليات التأييد للذهاب إلى الأمم المتحدة، فإنها "غطت" على منع حماس للغزيين الاحتفاء بالحدث!
· بعد انتهاء الخطاب، انتشرت صورة على "فيسبوك" يظهر فيها "المفاوض المخضرم" صائب عريقات، والعضو العربي في الكنيست أحمد الطيبي يبكيان، ولم يعرف أحد لماذا؟
· وأخيراً، تزامن خطاب عباس مع الذكرى الواحدة والثمانين لليوم الوطني في السعودية. فالأخيرة تحتضن المسجد الحرام، وفي فلسطين المسجد الأقصى. استرجعت الآية الكريمة "سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى الذي باركنا حوله لنريه من آياتنا إنه هو السميع البصير" (الإسراء 1). ورغم اختلاف الزمانين والمكانين وإن ارتبطا روحياً، سيذكر التاريخ أن عباس وإن سَرَى بنا إلى الأمم المتحدة، فإن معراجه إلى الدولة لمّا يزل بعيد المنال.
موسى محمود الجمل
دبي
24 سبتمبر 2011

2 comments:

  1. موفق أخي موسى صدقت المعراج الى الدولة لازال صعب المنال

    ReplyDelete