Wednesday, October 26, 2011

في حضرة "الكتاب الزئبق".. (2-2)


في حضرة "الكتاب الزئبق".. (2-2)
في عمق الرحلة..
يقول د. ثابت إن "أفضل ما في التنقل هو أن نبقى خفيفين، نحتفظ بالقليل.. ونمضي. أسوأ ما في التنقل، هو أن جزءاً من روحنا ومشاعرنا وذكرياتنا، يفلت منا وينام في حضن المكان الذي نغادره.. وهكذا ينتهي بنا الأمر: كثير من الذكريات.. قليل من البراءة". إذ إن "الأماكن ليست جغرافيا.. الأماكن تاريخ". فـ"في الشوارع الضيقة، حيث تنحني الحارات على الحارات، نقتل الحكايات التي تطاردنا، فإن لم نفعل فإنها تقتلنا".
ولهذا ما يبرره طالما أن "ميزة الصعلوك أنه يعزف على أكثر من آلة، ويجرح الغيم بأسفاره الكثيرة". وفي رميته الأخيرة للنرد، تبدو "الشوارع التي تشبه صحراء مقصية عن ذاكرة النهار، تهزأ من الأسى الذي ينتظر الأحبة". أما "المدينة سَطح، والنهار غيب، وواجهات المباني تحمل بقع رطوبة عالية كأنها جراح ساكنيها".
وفي ترحاله يرى أن "لقاء إنسان والوقوع في غرامه حينما نبلغ شاطئاً لا نعرفه؛ هو رحلة داخل الرحلة". ثم يحسد سارق الرحالة قائلاً: "يا لحظ النشال الذي يسرق محفظة يختبئ فيها العالم". وفي واحدة من سفراته يعرض المشهد التالي: "في الطابق الخامس والعشرين من البرج المُطل على سماء واطئة، يشمُ رائحة زهر النارنج.. يسأله كريم: إن كانت الشقةُ قد أعجبته، فيقولُ له: أريد ان أشتري الشرفة فقط".
وتهمس الشمس في أذني المغترب مع كل إشراقة لتنبهه أن الصبح "مجرد نهار أحمق جديد، يحاول الاتكاء على الشمس، فتخدعه لحظة الغروب". "والسائر دوماً في الشوارع الغامضة تكنس الريح سؤاله: لماذا يسيء الظن دوماً بالنهار حين يقفز من النوافذ؟".
وعندما تتسلسل خيوط الظلام لتمحي ضوء النهار المتعب، يتراءى له الليل وكأنه مَلِك ذو هيبة "يبسط نفسه فوق عرش المدينة". "وفي بعض المدن "تبدوا المقابر أجمل من البيوت". ولما سألته إحداهن عما يعنيه له السفر قال: "أبحث عن شاطئ.. ردت قائلة: الشواطئ مفهوم نسبي للنجاة، فهي تحمل الموت للحيتان مثلما تعني النجاة للبشر".
على كل الأحوال، للغربة ثمن، مفادها: "إذا كنت في غير بلدك فلا تنس نصيبك من الذل". فـ"بعد البحث سدى عن بلد تنتمي إليه، ترتد إلى الموت، حتى تتمكن في هذا المنفى الجديد، من الإقامة كمواطن". "وفي المنافي نجر وراءنا مقبرة من أصدقاء وأعداء". "والغريب عن وطنه كالنبات الذي زايل أرضه، وفقد شربه، فهو ذاوٍ لا يثمر، وذابل لا ينضر". فـ"السفر ليس انتقالاً إلى مكان آخر أو زمان جديد، إنه ببساطة، هروب"، بعد أن "كَفنَ الغياب" الأيام، "حتى صارت مثل أوركسترا خفيفة تُعزَف في دار أوبرا لجمهور أصم".
حياة.. موت.. فبعث
يقول د. ثابت: "في حضرة الموت نصبح خارقين كأنبياء، وشفافين كملائكة". هذا الشعور ينتابنا حين ننظر إلى التلفاز مثلاً، فـ"على الشاشة، يتقاتلُ الجميع من أجل لا شيء. يحرسون الوهم ويموتون في معارك خاسرة. والقاتلُ ينحني للسكين لا السكينة، ويمتدحُ البنادق المعطوبة لا الزنابقَ العطرة". ويضع الكاتب نفسه في خدمة مشهد غريب: "أتعرى لأغطي أشجار الطريق حتى لا تصير يوماً خشباً للنعوش". ثم يناجي الموت: "أيها الموت، اقترب.. كي نبتعد معاً".
والبعض أدمن مشاهد الموت لدرجة أن رؤوس الضحايا بدت له "مثل قباب الصالحين، مليئة بالأضرحة". كما أن "البعض يخشى أن تعطل العصافير نزهة الطائرات الحربية إلى القصف". هناك استثناء وحيد فقط: "في الحرب يكون الموت ضرورياً كي نستحق الحياة"، فـ"الموت صنو الروح".
وعن أمه يقول: "بعد رحيلها اعتزل صياد الموت مطاردة باقي أفراد العائلة، فبعد الصقر لا تصاد عصافير!" تلك التي "كانت تنظر إلى أحفادها بما يشبه فرح الفلاح بنماء غرسه وسط الجفاف.. ترويهم بالحنان، مثلما تسقي الشجرة المثمرة على أعتاب البيت بماء الوضوء، حتى تؤتي أكلاً مباركاً". "حكمتها تحرث الحقول البكر في أدغال الروح".
وهي "العجوز التي تملك قدماً زلت فانكسرت إلى الأبد، تتوزع التجاعيد على وجهها وجبينها بذكاء وأناقة لوحة فنية". "تحدث نفسها قائلة: الآخرون يسقطون في الزمن، أما أنا فقد سقطت من الزمن".
و"في لحظة ما قبل الدفن، ندرك كم تعبنا لندرك الموت.. وحينها ندرك "أن الموت مبراة بكف الدهر والأعمار أقلام". وأن "الموت الحقيقي يسحقنا.. وحده الموت المؤجل يبكينا"، فـ"في الأفراح والأتراح لا يمطر سوى البكاء"، خصوصاً أن "أمطار الحزن لا تتخير الأرصفة". ولهذا كله يقول: "سأطلب في وصيتي أن يكون موتي لائقاً بقصائدي غير المنشورة وأفكاري المعلنة". "ميتة سريعة وحاسمة تشبه النقطة، لا الفاصلة".
ألم .. حزن.. ووحدة
يقول د. ثابت: "يحدث أحياناً أن يغلبنا الشعور بالحزن حين ننشد البهجة". وفي هذه الحظة "نكون محاطين بأجواء أفراح الآخرين، فتستعيد الذاكرة والمشاعر رغبة شديدة في البكاء، أو نعلق الحسرة بمشبك على فستان السهرة". وترى الناظر للباكي يقول: "دمعته واحدة وحيدة، فلماذا في يده ألف منديل؟".
تشبه الدمعة القطرة: "كم هي وحيدة.. صرخة الماء". يلعو "صوت المؤذن" لـ"يلقي يد السكينة على جبهة المدينة التي تنشر دمعها". فجأة يتذكرها: "اسمها مريم، لكن لا عيسى في رحمها.. يدرك حينها أنه ليس نبياً، لكنه يحمل روح الله".
كل هذا يحدث عندما ينفرد الإنسان بنفسه، فـ"الوحدة قد تكون أحياناً منتهى الرومانسية". إلا أنه يجد نفسه وسط حشد من الأفكار، فـ"عندما يكون المرء وحده، حتى وإن لم يفعل شيئاً، فإنه لا يحس بأنه يبدد وقته. إنه لا يبدده إلا إذا كان في رفقة شخص قرر سلفاً أن يطفئ شمعة المودة بعدم اكتراث". ثم لا ينفك عن التساؤل: "ما الجدوى من آلامي؟ لست شاعراً حتى أستثمرها أو أفخر بها"، متأوهاً: "القلق شوكة في عنق الوقت". لكن "الوقت خبز الأمل.. الوقت ترياق السأم".
يغلبه النعاس. و"النعاس مغامرة كئيبة لكل المساءات". "يهرب إلى سريره ليحتضن جسده وينام"، ويردد في نفسه: "هكذا أبدو جسداً غالباً ما يرحل عنه صاحبه". "والبشر ينامون يومياً بجرأة نتيجة الجهل الذي ينتظرهم حين يستيقظون". في تلك الليلة "حاول أن يقرأ لينام، لكنه ازاد يقظة".
موسى محمود الجمل
دبي
26 أكتوبر 2011

1 comment: