Monday, January 30, 2012

كنت في ألمانيا



هذا المقال كتبته بمشاعري، والمشاعر حين تنفلت قد تحمل المبالغة، وإن لم تكن على الدوام صحيحة، فإنها صادقة.

كنت في ألمانيا
كنت: فعل ماضٍ، حيث تقبع غالبية الدول العربية. ألمانيا: اسم واعد ضارب في المستقبل. وفي المستقبل لا حاجة لمن يريد أن يكتب إلى ورق وأقلام.

المشهد الأول:

فروع الأشجار تتعالى عارية من أوراقها لتهمس في أذن السحاب أن كفاك تكثفاً كي أخضر قليلاً. تصله الرسالة. يحاول الغمام أن يغمر الشمس، فيفعل. تنتصر الشمس قليلاً لتضيء عتمة المدينة الدائمة، فتتجلي تفاصيل أجمل للمشهد. - كان ذلك في فرايبورغ، جنوب، وتعني "مدينة الحرية"، وأسست في 1120 -

للوهلة الأولى ناداني صوت داخلي: أريد أن أكتب تفاصيل هذا المشهد الآن، قبل أن تسرقها تفاصيل مشهد مقبل ربما يكون أجمل. أحتاج إلى قلم في الحال.. في الحال.

المشهد الثاني:
بيوت مرصوصة على جانبي الطريق وكأنها نقوش على سجاد خاطها حائك لتوه بالألوان التي ترتضيها الطبيعة، لتبث السكينة في النفس. ارتفاعها تقريباً واحد، وكلها مسقوفة بالطوب الأحمر على شكل هرمي، والذي إن ما أراح عليه الثلج أكفه، أراح بصر ودواخل الناظر إليه. بعض الأسقف تبدو وكأن حَبَ المطر قد دغدغها طرباً، بعد أن تعاقدت معه على غسلها يومياً لتبدو متجددة.

أكلم نفسي ثانية: من يسعفني ولو ببقايا أي شيء طباشيري لأخط هذه المشهد البهي قبل أن يُمحى. الآن مُحي هذا المشهد بعد أن وقعت عيناي على آخر يليه. مازالت بلا قلم، ولا ورق، يا لمأساتي؟!

بعد لحظات، أشفق عقلي على مشاعري، وأسدل من أعالي أسواره لفافات من ورق أبيض لا نهاية لها، وبدأت أكتب. أكتب في ذهني وعلى جدار الذاكرة. أمشي وأكتب. أشاهد المناظر وهي تتسلل خيوطها سطوراً عبر عيناي لترتسم على الذاكرة بترتيب مريح، لا شائبة تعلوها، لا شيء يشوهها، ولا أحد يعبث بأدواتها.

تنتقل المشاهد كما هي مرصوصة على جانبي الطريق لتطبع بعناية فائقة على أوراقي الداخلية بألوانها وتفاصيلها الكاملة. المشاهد كثيرة والتفاصيل التي تحويها أكثر. أمشي أكثر، فيزداد امتداد بياض الورق الذي في المخيلة أمام تسارع خطى القلم، ومداده العين.

مقارنة
أقارن أشاءهم بأشيائنا: الشمس هنا دفؤها هادئ. الشمس في بلادنا حرارتها فوضوية. المطر هنا ينساب بخطوط مائلة منتظمة كأنها سلم موسيقي، وحباته أنامل تعزف على أوتار الريح. المطر في بلادنا يهطل عشوائياً وكراته غير منتظمة، ولا يرسم شيئاً في الهواء ولا حتى في النفس. المطر هنا ينزل دون أن يصلي الناس له ركعة واحدة. في بلادنا لا نترك صلاة إلا ونستسقي فيها الله، فلا ممطر لنا. أنستسقي الله فيمطرهم؟ نحن المسلمون وهم..!!

ما زلت أمارس الكتابة الذهنية، بلا ورق ولا أقلام: المطر هنا لا يتوقف، لكنك على الدوام تستطيع أن تجوب الشوارع مشياً. المطر في بلادنا يهطل لدقائق، فتتعطل الحياة أياماً، ويخلد الجميع إلى الراحة. لم يترك الناس هنا شيئاً للصدفة. وفي بلادنا كل شيء تقريباً فيه "ضمير غائب" تقديره صدفة. الدولة هنا بمؤسساتها أشبه بشركة والكل يضارب فيها بأسهمه. الدولة عندنا شراكة بين بعض العائلات يضاربون فيها برؤوس العباد، وإن شئت العبيد.

أضيف إلى هذا كله، تجاوزهم مرحلة التفوق في الصناعة، وفي كل شيء، إلى حد الإتقان، وغوصهم في العلم حد الدقة المتناهية، وتطويرهم تكنولوجيا الميكنة حد اجتياحها للعالم. الآن لنطرح تشدقنا في امتلاك واستهلاك هذا وذلك مما أنتجوا ونفعوا به البشرية كلها، ونتساءل: تُرى أي زاوية من الصفر ستقبل بنا؟

إضافة أخرى ثم طرح: تفانيهم في العمل إلى حد الإخلاص، مراقبة الذات إلى حد تشرب الأمانة كسلوك يومي، إتباع النظام والتزامه إلى حد تصل معه نسبة الخطأ صفرا في الغالب. الكل يكد، وعلى قدره يؤتى. ويجب عليك أن تتعب كي تصل. والمسؤولية الفردية هنا تتجاوز المحافظة على البيت فقط، لتتخطاه إلى محيطك: البيئة، الشارع، الأماكن العامة.. الآن لنطرح هذا وذاك مما هو غير متوافر في ثقافتنا اليومية لا من هذا ولا من ذاك، إلا ما ندر، ونتساءل: تُرى لو كان آخر كلام هؤلاء القوم "لا إله إلا الله"، تُرانا أين سنكون نحن؟

وألمانيا تقول لك وفي كل ما تقع عليه عيناك، كم هي دولنا العربية جاهلة في التعليم، مريضة في التطبيب، مغيبة وغائبة في الإعلام، غبية في ممارسة السياسة، وراسبة في فعل الاقتصاد. لن أكون قاسياً علينا، لكن عذاب المشاهد التي تجلدنا شديد. ثم تستغرب: هل هذه حقاً البلد الذي تقول عنه كتب التاريخ إن قوات التحالف لم تبق فيه حجراً على حجر تقريبا خلال الحرب العالمية الثانية التي انتهت قبل نحو 62 عاماً؟

استحضار واستبدال
فجأة أستحضر غزة: أقطع الكهرباء عن ولاية بافاريا، جنوب غربي البلاد، ثاني إقليم اقتصادي من حيث الحجم في ألمانيا ومن ضمن العشر الأوائل في أوروبا، ثم أتخيل الخسائر التي ستتكبدها البشرية. أستبدل وجوه المارة في شوارع هانوفر، شمال البلاد وعاصمة ساكسونيا السفلى، بوجوه الناس في مخيماتنا. أضع مثلاً رأس جارتنا على جسم ألمانية شابة، ثم أضحك. أستبدل واجهة محل مضاءة في برلين بأخرى كانت لدكان رجل عجوز في حارتنا. أُلبس رجلاً رشيقاً يمشي على عجل ملابس أحد شيوخ أزقتنا، أضحك أكثر. أقلب، أستبدل، أحرك، أعبث، أمشي، وأكتب في ذهني.

أقف قليلاً، أقترب من الأماكن، تغمرني تفاصيل أكثر وتواريخ أقدم. في فرايبورغ، جنوب غرب، وغوتنغن، شمال، التقطت صورا لأحياء تضم بيوتا خشبية نجت من قنابل قوات التحالف إبان الحرب العالمية الثانية وكانت التواريخ عليها من الأقدم إلى الأحدث كالتالي: 1230، 1360، 1434، 1523. الشوارع هنا طويلة، وكلها معبأة بالتاريخ الذي تحمله البيوت العتيقة الأنيقة ذات الطبقتين. أمشي، ثم أكتب، فيطول المقال أكثر. لكن المشاهد هذه المرة ستكون متفرقة.

مفارقات متفرقة
- وهناك، إذ تأخذك الفضاءات إلى حيث يرتاح البصر، وتنعم البصيرة، كانت توقظني من النوم أجراس الكنائس. فوراً أستحضر فيروز مغنياً: الطفل في المغارة وأمه مريم وجهان يبكيان. أأدخل الكنيسة؟ سأدخل. وفعلت. وجدت لها رهبة مدهشة لم أعهدها من قبل. – كنيسة فرايبورغ اكتمل بناؤها في العصور الوسطى (1330) -
- الأطفال العرب هناك عليهم أن يتشربوا ثقافتين: ثقافة الأبوين والأقربين، وثقافة البلد الأوروبي. أما الكبار فهمهم همان: عربي وألماني. ولو كان فلسطينياً يضاف إليهما هَمٌ ثالث.
- في مطار فرانكفورت مصلى للمسلمين، معبد صغير لليهود، وكنيسة مثله للمسيحيين، لمن يريد أن يرسل رسالة لله قبل المغادرة.
المشهد الأخير:
لا يوجد مشهد أخير. فبعد رحلة طويلة تكون خلالها مغموراً بكل شيء: دفء عائلي، تاريخ حاضر، لوحات رائعة.. لا تجد من يستقبلك في المطار حين تعود، فتحتضن الهواء وتدخل باب العزلة من جديد لتغرق في فضاءاتها الفسيحة.

بقيت ليومين أو ثلاثة بعد عودتي وكأني مازالت في ألمانيا، ولم أغادرها بعد. وبينما كنت أقلب إيميلي الممتلئ، بعث لي صديق خبراً منشوراً في إحدى المواقع الإلكترونية عنوانه: فتوى تجيز للزوج مجامعة زوجته الميتة. حينها فقط تأكدت أني وصلت العالم العربي، أو بالأحرى عدت من رحلتي في المستقبل وهبطت إلى الماضي.
عظّم الله أجرنا فينا...
موسى محمود الجمل
دبي
30 يناير 2012

3 comments:

  1. يا إلهي،
    كم هي جكيلة تلك الأيام القليلة التي قضيتها في ألمانيا ممزوجة بتلك المشاعر الرائعة والمفارقة الكبيرة.
    ضحكت كثراً من ايميل صديقك، وفمت جيداً حجم الهوة بيننا وبينهم.

    فكاهة، وين أبو ارقيق من المقال؟!!

    حمد الله على سلامتك، وإنشاء الله تكون رحلتك الجاية على أمريكا (بعد زواجك طبعا)، لحظتها ستعرف واقعنا العربي المرير بصورة أجلى.

    محمد أبو عساكر

    ReplyDelete
  2. امسك الكالكوليتر , الحرب العالمية الثانية وضعت أوزارها 1945 يعني انتهت قبل 67 سنة مو 62
    الدقة يا موسى

    ReplyDelete
  3. كلمات جميله و كانني زرت المانيا
    اضحكني موضوع انقطاع الكهرباء وتشبيهك بغزة

    اتمنى لك التوفيق في تاليف كتابك
    مع احترامي

    ReplyDelete