Monday, March 19, 2012

محاولة للإمساك بالنص



محاولة للإمساك بالنص

هذا الشخص يرى الحياة مشاهد. يحمل يومياً ما تفرق منها إلى البيت، وما أن يختلي بنفسه حتى يبدأ بترتيبها من جديد على لوحة كبيرة يطل عليها في سقف الغرفة كلما أراح ظهره إلى السرير. يرمي ما في جعبته من لقطات جديدة على اللوحة، ثم يبدأ برصها، وإعادة تجميع ما تفرق منها.
 
أحياناً يُحرك ما استقر منها في اليوم السابق ويطعمها بجديد اليوم. غالباً ما يعبث ببعض المشاهد كما يوحي له خياله. وفي كل مرة يُحرك فيها الأشياء ويعبث، يقف على مشهد سريالي – غريب، متناقض، لا شعوري - تحكيه اللوحة، فتزداد صعوبة الوقوف على المشهد الأخير للحياة. كل تفاصيل لياليه تبدأ مبعثرة، عادية، وبسيطة، إلى أن تتجمع فيكتمل بناؤها الدرامي في السقف اللوحة، فترعبه. يتساءل: هل أهدم البناء لتعود إليّ سكينتي؟
 
ومع إضافة كل مشهد للوحة يومياً، يشعر أن ثقلها يزداد. هذا مشهد حب، هذا هَمٌ، هذا فرحٌ، هذا بكاءٌ، هذا تعبٌ، هذا استرخاء... تكاد اللوحة تمتلئ بالمشاهد. فجأة تضيق مساحاتها أكثر. حينها لا تتسع إلا لجمل أكثف وحروف أقل. وهذه واحدة استخلصها من لوحة الحياة الكبيرة، لكن معالمها تتشكل فقط من ألوان السطور المحشورة بين مقاطع الصور التي تحويها، ولا تخلو هي أيضاً من السريالية.

اغتيال
كانت البداية أن حاول الإمساك بالنص، إلا أنه كان دائماً يتملص من بين يديه. كان يبحث عن نص صريح. وفي لحظة انفراد مع نفسه أبلغته الصراحة أنها ستغتاله يوماً. فقال لها: ولهذا أحشوا جرابك يومياً برصاص أكثر، كي تكون الميتة حاسمة. كانت الصراحة هاجسه، وهي ما تجعل قلمه لاذعاً. وهذا ما دفع إحداهن مرة إلى سؤاله: قلمك حاد وفكرك متمرد. فقال لها: أما قلمي فأبريه مع خط كل كلمة، وفكري أصقله من شدة الملاحظة وحدة التدقيق في ما أقرأ. وأردف: إنما هو قلمي، أُسَنِّدُ به كلماتي، وأهشُ به على أفكاري، وليس لي فيه مآرب أخرى. ثم ابتسمت هي ببراءة وذكرت اسمه على عجل، وكأنها تجيب عن لغز حيرها طويلاً. 

كان يعشق أن يرى الحكمة في كل أشيائه. ولما سأله صديق: لماذا ترفق اسمك باسم والدك دائماً؟. قال: إنه استلهام لحكمة الكبار في الأشياء.

وحدة
كان مدمناً على الانفراد بذاته لدرجة الأنانية. عنده الاختلاء بالنفْس ينقيها، يطهرها، ويريحها. وفي كل يوم، بعد أن ينتهي من ضجيج الحياة، يندس في دواخله مستأثراً بها. تأخذه غفوة بعينين مفتوحتين بينما هو على هيئته على كرسي يُأرجحه وسط الغرفة، وكأنه في اجتماع سريع مع النوم. يغزوه ضجيج الخلوة بأفكار غزيرة ومرتبة، على عكس ضجيج الناس، إذ يربك أي أفكار كان يحاول ترتيبها. 

يشعر قليلاً بالتيه، فيسأل أنفاسه التي تتناغم مع دقات عقارب ساعة الحائط: هل جرّب أحدكم أن يجلس مع نفسه فلم يجدها؟! فجأة يندفع إلى الشارع باحثاً عن أي تجمع يحتويه. تقابله إحداهن هناك، فتسأله: لماذا تهوى الجلوس إلى الناس. فيرد: البقاء مع الجماعة يبدد الفزع، ولا شيء يثير الخوف مثل الانفراد .

هجرة
يهاجر قليلاً، فينتابه خوف من الغربة مع أنه استعذبها. يتوغل أكثر في زمنها فيدمنها. يدرك بعدها أن المرء حين يغترب يكون أجرأ على المغامرة. بعد حين، يمل من تكرار تفاصيل التجربة، ليكتشف أن الناس في بلدانهم يكونوا أحراراً فتأسرهم الغربة. يستسلم لها ليخلص إلى أن الناس لا تحب أوطانها إلا حين تهجرها. يصل أخيراً إلى حكمة تقول: امكث أكثر تكون معرفتك أعمق، حينها تكون ثقافتك رأسية. سافر أكثر، تتوسع معرفتك بلا عمق، فتكون ثقافتك أفقية.

أحلام
هو شخص كثير الحُلم. وكثيراً ما يعيشها يقظاً. فحين تهترئ الأحلام، وتغمرها تفاصيل الواقع، لا داعي للنوم. وأكثر ما يحبب إليه الأحلام، خلوها من المنطق. فعنده الحُلم كتابة على الماء، وهو وعي النائم، وأبجدية الروح. لذلك، إن راوده حلم، يزرعه في أرض خياله، يسيجه بجميل أفكاره، ثم يدعه يكبر حقيقة من ماء صبره. ومن تجاربه في الحُلم لمحت منه إحداهن الحِلم، فكان الحب. 

حُبٌ
ولما رأت الحِلم منه قالت: إنك اليوم في قلبي في قرار مكين. كان قبلها بيوم قد بدرها بقوله: إذا دق حُبٌ بابك، ادعوه للمبيت. في اليوم التالي تلقى عشر رسائل حرب، ورسالة حب واحدة. ورغم أن الحرب كانت شرسة، إلا أن رسالة الحب كانت أقوى، فانتصرت. ثم تأوه قائلاً: بنو البشر ضِعاف، ولا قوة لهم إلا بالحب. وهكذا بدا له الكون وإنجازاته على النحو التالي: من يحب يُنتج، ومن لا يحب يدمن التدمير. وجعل شعاره في الحياة: ازرع حُباً، اروه أملاً وفرحاً، واترك للقلب رعايته.

بُكاءٌ
وله مع البكاء قصص كثيرة. تعلم من الأولى أن البكاء نقطة ضعف... قوية. ومن الثانية عرف أنه حين يبكي المرء، يُطل على طفل بريء يُبهج دواخله. ومن الثالثة أدرك أنه حين كان يبكي ممن ظلمه، يرتاح قليلاً. وحين يبكي عليه يرتاح أكثر. ومن الرابعة خلص إلى أن من يبكِ ولم يرتح، فليبكِ ثانية. وإن لم يرتح، فليبكِ في الثالثة قلبه.

سياسة
يعشق السياسية، ويحاول أن يفهمهما بتحليل بسيط يستند فيه إلى خلفيته ومعايشته للأحداث. ففي ذات مرة رأى أحدهم يعتمر كوفية فلسطينية، وفي حضنه تستريح إحدى الحسناوات. لم يرتح لهذا التناقض، فسأل أحدهم فك لغزه، فأجابه: هذا ابن السفير. فهتف: عاشت فلسطين.! بعدها علّق قائلاً: كانت السياسة الفلسطينية تمارس في السابق "عالمكشوف"، أما الآن فقد أصبحت "إباحية"!

وشى به صديق سمع هتافه وتحليله للحادثة، فأرسل له الأمن تبليغاً بالحضور للتحقيق، ذهب به لدولة أوروبية باعتباره مهدد بالاعتقال، فحصل على جوازها. ثم لمعت في ذهنه عبارة: شكراً لكم ابعثوا لبقية أسرتي تبليغاً فوراً.

ولأن همه في الحياة الإعلام، فقد وضعته الأقدار وجهاً لوجه مع ما تعج به مؤسساته من فساد. بدا فهمه لها أكثر وضوحاً، خاصة في عصر الثورات، فأدرك أن الشعوب وقود الإعلام، وأن المؤسسات الإعلامية وقود السياسية. وفي حقل الإعلام، رأى الناس سكارى، وما هم بسكارى، لكن عذاب السياسة شديد. وعنده الإعلام خمس: مجامل، منافق، مبالغ، كاذب، وقليل منه صادق.

نبض
وكان على الدوام مقتنعاً أن معاناة الناس أكبر بكثير مما تصفها كلمات أو تصوره كاميرا. فالمعاناة دائماً شخصية، شخصية بامتياز، ولا يمكن نقلها عبر نص أو بضع لقطات. حتى أن تجارب الآخرين الناجحة والفاشلة كانت لا تقنعه كثيراً. لذلك، كان دائما يردد: مهما تحدثوا لك عن الأشياء لا تصدق.. جَرّبْ. فلو جرّب كل واحد منا فشل الآخر أو نجاحه أو معاناته، لما انتهينا من تقبيل أيدي بعضنا .

كما أنه ليس من أنصار نظرية "الحجر والبئر". فقد قالت له إحداهن ذات مرة: لا تلقي حجراً في بئر شربت منه. فرد عليها: حتى وإن نضبت ماؤه؟! قالت بإصرار أكثر: لماذا لا تنظر إلى الجزء الملآن من الكأس. فرد: أخشى على نفسي الغرق فيه. أمعنت في إصرارها مكررة ذات العبارة: لم لا تنظر للجزء الملآن من الكأس. فقال: ماذا لو كان ماءً عكراً. صمتت للحظات، ثم سبحت تمتع ناظريها في الجزء الفارغ منه. أرادت حرف الحوار فقالت: إذن كيف تصنع لك مكاناً بين الناس؟. قلت: أريهم آياتي، إن لم يكن بالليل فبالنهار. بعدها أحدّق في عيونهم لعلى أراني هناك. 

عالمه
يعشق الكتابة ويحث الناس عليها في كل مجالسه، لدرجة أنه أعلن يوماً أنه لو أعدم الوسائل، فسيجعل من زجاج سيارته المتواضعة صفحة، ومن الغبار العالق عليه حبراً، ثم ينادي بكل أحرار العالم لأن يجعلوا من أصابعهم أقلاماً لنثر أفكارهم عليه. كان في كل ما يكتب يتذكر أمه بقوة، وكانت تتملكه رغبه جامحة بأن لو بقيت على قيد الحياة لترى نجاحاته، وتقرأ إنجازاته، لولا أن القدر كان أسبق. وكان في كل مرة يكتب مقالاً يردد: كنت أود أن تراني في هذه اللحظات، لولا أنه قيل لي: إن نوم أهل الجنة عميق. عزاؤه الوحيد أنها قالت له يوماً: سيكون لك شأن. وكان يكتفي بأصداء ذلك بداخله: إن الأمهات لا يكذبن .

حوارات
حواراته مع الآخرين كثيرة ولا تكاد تنتهي. كان منها أن سأل حلاقه يوماً: ما هذا القلم؟ قال: لرسم السكسوكة. فرد عليه: مثل الذي ترسم به النساء حواجبهن؟ قال الحلاق: نعم. فأجاب بصمت: معرفة جديدة ستجعلني أدقق من الآن فصاعداً في وجوه الرجال. كان لا يهوى الحفلات الكبرى. وحين سأله أحد الأصدقاء، كيف تعرف أنك مدعو إلى "حفل نفاق"؟. فأجاب: من ضخامته.. ألا يكتبون عنه "حفل كبير"؟!

هروب
كان لا ينام كثيراً، وكان حين يغفو لا يهدأ عقله عن التفكير والكتابة معاً. كان يستسلم للنوم بعد هجمات كر وفر متكررة بينهما. وكان حين يطلبه لا يجده، فيحدثه: لو كنت أعرف أين يختبئ النوم حين يتسلل هارباً من بين جفوني، لدمرت عليه مخبأه  .

كان على الدوام يحاول أن يهرب من النص. إلا أن الأخير كان يمسك بتلابيبه، زاعقاً فيه في محاولة للوقوف على نهاية له، إلا أنه في كل مرة كان يقدم على محاولة من هذا القبيل، يزداد تأكداً أنه عند تعاظم الشعور بتساوي الاختلافات بين الأشياء، تكون الرغبة في الوقوف على المشهد الأخير للأحداث أسرع، فلا يكون له ما يريد.

موسى محمود الجمل
دبي
19 مارس 2012

15 comments:

  1. السلام عليكم
    أحببت التوقيع بإعجابي
    وفقك الله
    صديقك من ألمانيا
    يوسف

    ReplyDelete
  2. ثلاث قراءات ونتيجة واحدة انت ثم انت ثم انت

    ReplyDelete
    Replies
    1. شكرا لك صديقي.. وإن كنت لا أعرف اسمك، فأنا أنا وأنت أنت.. أنا أنت وأنت أنا... تحياتي لك

      Delete
    2. This comment has been removed by the author.

      Delete
  3. وعليكم السلام صديقي العزيز يوسف.. أشكرك على القراءة والاهتمام فهذا من ذوك الأصيل.. سعدت بتعليقك..

    ReplyDelete
  4. أنا لست صديقة ولا أعرفك بشكل شخصي ولكنني ما زلت أذكر ذلك الاسم جيدا منذ دراستي الجامعية , وللأمانة فإني لم أقصد مدونتك تلك بل وصلتهاخطأ باستخدام نظرية اللينك من -إلى, مع أسفي الشديد لاكتشافي المتأخر لها ولكن هكذا تكون النفائس كلما مر عليها الزمن علت قيمة وازدادت جمالا, لم أقرا سوى ثلاثة عناوين على عجل واستوقفني "المشهد الأخير" هذا فوجدتني أقرأه غير مرة وبالرغم من عدم معرفتي بك إلا أنني وجدت شخصك فيه تارة بوضوح واخرى مختبئاً بين سطوره وربما أكون مخطئة.
    أعدك بأن أقرا العناوين عن آخرها وبتمعن, ولكن وقتما امتلك وقتي
    إن قرأت كلماتي كاملة فهذا من ذوقك, وإن اطلت عليك بها فاعذرني
    وإن لم يعجبك حديثي فلا تشتمني سراً
    وشكرا لك .

    ReplyDelete
  5. This comment has been removed by a blog administrator.

    ReplyDelete
  6. شو حسابك على الفيس

    ReplyDelete
  7. ابحث عن هذا الاسم: Mousa Aljamal

    ReplyDelete
    Replies
    1. من الذي سيبحث أهي دعوة للجميع أم إلى شخص يعرف نفسه بالذات؟

      Delete
  8. أصدقك القول قرئتها مرة بعد مرة وودت اقتباس كل كلماتها ولكني أدركت أنني لو نقلتها من هنا فاني سأحرم الآخرين من متعة قراءة ما تحتويه هذه المدونة الرائعة لذا قررت نقل الرابط فقط إلى كل مكان أعرفه حتى لا تفوفتهم الروعة

    ReplyDelete
    Replies
    1. تسلم يا صديقي.. هذا من ذوقك الرفيع.. أتمنى لك ولمدونتك كل توفيق ونجاح..

      Delete
  9. نص رائع وكاتبه مبدع اتمنى ان تزول معاناتك من غربة الوطن وغربة النفس
    تقبل احترامي لشخصك الكريم ولكتابتك الراااااااااااااااائعه ....

    ReplyDelete
  10. شكرًا لك كلثوم.. هذا من ذوقك.. أنت المبدعة دوما

    ReplyDelete