Wednesday, April 25, 2012

ما وراء المكياج


ما وراء المكياج

لي صديق نديم ممتع، ما أن يقابلي حتى ينهال عليّ بأسئلة حِداد عن سر جمال المذيعات، وخبايا رقتهن، وكيف يصنعن ابتساماتهن العراض، وكم ينفقن على أناقتهن الدائمة، وكنه محافظتهن على رشاقتهن مع مرور الزمن. ولعه هذا ينسيه بالكامل السؤال عن المذيعين. أجيبه عن أسئلته كلها وبسرعة كمدخل للتوقف به كثيراً عند ما هو أهم - من وجهة نظري -، وهو ثقافة المذيعين والمذيعات، الحلوين منهم والحلوات. 

وأبدأ سرد الحكاية مذ كنا صغاراً، حين كانت تغمرُ أعيننا نضارة وجه المذيع رغم أن التلفزيون كان بلونين: أبيض وأسود. تبهرنا طلته البهية مصففاً شعره بعناية على أحد جانبي رأسه، فيضفي بجماله نعومة فرائشية على الشاشة الزجاجية الصلدة. تشدنا جمله المتقنة وكأن وحياً يُقرأهُ آيات الإخبار. ربطة عنقه تتهادى على صدره تحشرها بدلته المهندمة. رابط الجأش متحمس متحفز متقمصاً جدية النبلاء. صوته الرخيم يجعل للكلمات وقع السحر على عقولنا وقلوبنا وكأنه قديس لم يُؤت أحد الحكمة والمعرفة من قبله. هذا ما رسمناه في مخليلاتنا عن المذيع لما كنا بعيدين، ولما دخلنا أرض المعركة، وتحديداً المؤسسات الصحفية التي توصف بـ"الكبيرة والمشهورة"، وجدنا الصورة مقلوبة، لكن بالألوان هذه المرة.

ثقافة الظهور
فهذه مذيعة بدأت الظهور لتوها تصف نفسها في صفحتها على الفيسبوك بـ"الإعلامية". ثانية تُسمي نفسها بـ"المذيعة السياسية"، فأتساءل: هل لا تذيع أخباراً منوعة أو خفيفة مثلاً؟ ثالثة فاقعة الجمال أصفر لونها تفاخر في إحدى مرات ظهورها مع ياسر عرفات - رحمه الله - ضمن إحدى نشرات الأخبار إبان حصاره في المقاطعة 2002-2004، بسؤالها له: "هل أنت خائف؟ فيصرخ بي قائلاً: أنتِ ما بتعرفي مع مين عم تحكي، أنا الزعيم، أنا ياسر عرفات". وفي ثنايا الحديث ذاته تضيف: "التقيت" الرئيس عرفات عندما كان محاصراً في مقره بمقاطعة رام الله، و"طلع معي" على الهواء!

المذيعة ذاتها ألّفت كتاباً عن برنامجها وصدرته بالقول، وحالتها تشي برفع سبابتها ملوحة بها للقارئ: أنا التي قال لي الرئيس عرفات يريدوني إما أسيراً وإما طريداً وإما قتيلاً. وأنا أقول لهم شهيداً شهيداً شهيداً. السؤال: ماذا لو كان غيرها على جدول الدوام في ذلك اليوم، وقام بذات الدور مذيع آخر مغمور. وهي إذ تقول ذلك تشعرك بأنها قطعت إجازتها في جزر الهاواي، وأوكل لها على عجل القيام بهذه المهمة الخطيرة.

مذيعة النسكافيه
رابعة اشتهرت بإعلان للنسكافيه على الفضائيات، تطلب من أحدهم، مستغلة جمالها وأشياء أخرى، العبور بإعلانها إلى العالم الإلكتروني، بنشر الإعلان مجاناً على أحد المواقع، مدفوعة بنهم الشهرة دون اعتبارات قانونية أو مالية لطلبها الغريب. طلب هالني أن يصدر من مذيعة خَبِرتُ لاحقاً أنها تحمل الماجستير في الإعلام من إحدى الجامعات البريطانية! 

وهذا مذيع يسأل إن كان مجلس الأمن هو ذاته التابع للأمم المتحدة أم أن هناك واحداً غيره. وذاك ثانٍ يسأل المنتج هل يقول القدس الغربية أم القدس الشرقية أم يكتفي بكلمة القدس، ولم يكلف نفسه عناء السؤال عن الفرق بين ثلاثتهم وإن كانوا وحداً أم لا! ثالث يطلي وجهه بالبودرة ويُحمّر شفتاه أكثر من المذيعات، ليخبأ ثغرات وجهه، ومعها ضحالة ثقافته وعورات فكره، وسوءات تفكيره. 

ورابع شهير يُوبخ زميلته لأنها جلست على كرسيه الأحمر الوثير الذي يعتبره جزءاً من تكوين شخصه وشخصيته، فيطلب منها التزام كرسيها الأسود عند الظهور. وخامس يوزع على قرائه النضال والمقاومة عبر موقعه الإلكتروني، في استذكار للسؤال الفلسطيني الشائع في سوق الوظائف الحزبية: شو مؤهلاتك؟. الرد: مناضل! 

كتابات خشبية وترفيهية
أما عن كتابات غالبيتهم، ففي ذلك تسيلُ أحبار وتجفُ أقلام. فهذا واحد منهم يستلذ في فرد عضلاته التعبيرية باستخدام كلمات مهجورة ولغة خشبية. وتلك ثانية تكتب في السياسية وتحلل قضاياها الجدية المعقدة كمن يتناول موضوعاً في الترفيه، فتبدو كتاباتها وكأنها إجابة عن سؤال موسمي اعتدنا عليه من معلمينا حين كنا في الصفوف الابتدائية: أكتب في ما لا يقل عن خمس صفحات عن فصل الربيع! 

وهكذا هم غالبية المذيعين والمذيعات، في عصر التلفزيون الملون، حيث أصبح المذيع يطلي رأسه الفارغ بالجل، (يعمل شعره سبايك يعني)، فلا يُنبئ لمعانه عن سطوع فكره، والمذيعة تنفخُ من أطرافها ما استطاعت نفخَهُ بالسيلكون، ومن ثم تضعهم الكاميرا الخداعة أمامنا بكامل قيافتهم كي تكون الطلة بهية، طالما ألا حظ لغالبيتهم من العمل الصحفي إلا جمال صورهم فقط، وتأنقهم. 

التفت إليّ صديقي بعد أن توقفت عن الكلام. وجدته ساهماً في الفضاء الأزرق. قرصته من يده، فتأوه. سألته: ما رأيك في ما قلت؟ أجاب وحاله يقول: ربِ لا تجعلني مذيعاً، واجعل لي نصيباً من الثقافة أركنُ إليه.   

موسى محمود الجمل
دبي
 25 أبريل 2012

6 comments:

  1. ثقافة المذيعين الأهم من وجهة نظرك, هاي مش وجهة نظر, هاي نظرية سليمة %100 لانه ما في اهم من الثقافة والمعرفة للمذيعين ولغيرهن

    ReplyDelete
    Replies
    1. نحتاج إلى وقت كي نتأكد أنها نظرها حيث لا بد من "إجماع الأمة" .. شكرًا لك على الاهتمام..تقديري

      Delete
  2. فعلا دعاء موفق
    رب لا تجعلني مذيعا
    تحياتي لك اخي موسى على المقال الرائع

    ReplyDelete
    Replies
    1. شكرًا لك عزيزي.. أنت الأروع.. تحياتي لك

      Delete
  3. جميييييل جداً هذا الكلام

    ReplyDelete
    Replies
    1. شكرًا لك عزيزي ... انت الأجمل.. تحياتي

      Delete