Sunday, May 13, 2012

يلا نلعب مصالحة

يلا نلعب مصالحة
برشلونة وريال مدريد، ثم حماس وفتح، فالمصالحة.. هذا هو ترتيب جماهيرية "الأحزاب السياسية" في غزة والضفة الغربية اليوم، بعد أن أضحت المصالحة عنواناً باهتاً في أوساط الفلسطينيين، ويتذيل قائمة اهتمامات الناس، إن لم يكن أسقط منها أصلاً، وأصبحت أسماء الفرق الإسبانية تسيطر على الملعب السياسي الفلسطيني بامتياز.

وتكفي أي مراقب نظرة واحدة على مقاهي شطري الوطن حين تمتلئ عن آخرها، ويتسمر المشجعون فيها أمام الشاشات العملاقة لمشاهدة مباراة لبرشلونة أو ريال مدريد، ثم انظر إلى لامبالاة الجماهير تجاه أخبار المصالحة، وخطابات قيادات الفصيلين حولها.

وبلمحة سريعة، انطلقت سلسلة المصالحات في القاهرة 2005، برعاية المخابرات المصرية، وفشلت. ثم في مكة 2007 برعاية العاهل السعودي الملك عبد الله بن عبد العزيز، حين أقسم الطرفان على عدم العودة إلى الاقتتال عند أسوار الكعبة، وفشلت. ثم جاءت المبادرة اليمنية في 2008 برعاية الرئيس السابق علي عبد الله صالح، وفشلت. ثم دخلت سوريا مع اليمن على خط المصالحة في مبادرة جديدة عام 2009، وفشلت.

عاد الطرفان مجدداً إلى القاهرة في 2011 ليوقعا اتفاقاً آخر، وفشل. وصولاً إلى إعلان الدوحة الذي وقعه عباس ومشعل برعاية أمير قطر في فبراير الماضي، ولم ينجح. وبلغة كرة القدم، فمازال عباس ومشعل يلعبان في الجولة الأولى من دوري المصالحة، الذي بدأ قبل أكثر من خمس سنوات، ولم يتأهل أي منهما للجولة التالية بعد.

وفي كل مرة يَجبُ الاتفاق الجديد ما قبله، رغم أنه يكرره، وتندلع الخطابات الصورية الرنانة، ويمتشق الطرفان عذب الكلام عن ضرورة الوحدة، ويراكم كل اتفاق انقساماً جديداً، يعمق الهوة أكثر. ولو جمعنا عدد لقاءات "المفاوضات" بين حماس وفتح من أجل المصالحة، لفاقت تلك التي جمعت الإسرائيليين بالسلطة من أجل السلام خلال الفترة نفسها، من 2005 إلى الآن.

فلم تعد مسألة المصالحة، هي التي تجبر الطرفين على الجلوس إلى طاولة الحوار، بل باتت مجرد ورقة يستخدمها الطرفان في اللعبة السياسية. فعندما عقد اتفاق القاهرة قبل عام، بدا مفاجئاً للجميع، وكان لهذه المفاجأة ما يبررها في حينه من سعي الطرفين إلى جلب ساسة الحكم الجدد في مصر - ممثلين في المجلس العسكري - إلى طرفه.

وبعد فوز الإخوان بالأغلبية في البرلمان في يناير الماضي، فطنت حماس، ذات الامتداد الإخواني، إلى أن أصحاب الحكم الجدد - ممثلين في الإخوان - لن يقفوا أبداً في صف عباس، على الأقل لوحدة الأيديولوجيا بخصوص الاحتلال الإسرائيلي لفلسطين، وهذا كان يكفي حماس كي تضع في بطنها بطيخة صيفي، وتلقي المصالحة وراء ظهرها.

حماس التي أمّنت حدود غزة مع مصر لحظة انهيار نظام مبارك، ومنعت المواطنين من الاقتراب منها، كانت تدرك أن في ذلك مكسباً سياسياً سيعزز علاقاتها مع أي نظام قادم لاحقاً، خصوصاً أن مؤشرات التقارب بين جماعة الإخوان المسلمين والمجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر باتت تلوح في الأفق في حينه.

أرادت حماس أيضاً أن تبدو كمن يمنح المجلس الأعلى للقوات المسلحة في مصر شرفاً كانت تحجبه عن نظام مبارك الخصم، وتبارك من خلاله نجاح ثورة الشعب المصري، وتهنئ مجلس الحكم الجديد على طريقتها الخاصة، في خطوة لم تخلُ من الغزل السياسي.

أما السلطة فلم تتأخر كثيراً هي الأخرى في تأكيد انسلاخها عن نظام الرئيس المخلوع الذي سلّمته مفاتيح القرارات الفلسطينية كلها، وكان أحد حلفائها الذين لا يمسّ لهم طرف، إذ كانت قرارات السلطة لا تحلق إلا بأجنحته.
طار أبو مازن إلى القاهرة، والتقى بالمشير محمد حسين طنطاوي لتأكيد إعلان الطلاق مع النظام السابق، وبداخله خوف من تبدل حال كان يخدمه ورحيل رجل كان دائماً يعضده.

خشية أبو مازن من أن تحظى حماس لدى المجلس بقدر أكبر مما يمكن أن تناله السلطة الفلسطينية دفعه للتحرك لكسب مساحة سياسية جديدة، لا سيما في ظل بحبوحة بات يعيشها الإخوان حالياً في مصر، وهو ما أعطى حماس - بلا شك – دفئاً أكثر في شتاء يناير.

أما على الصعيد الداخلي، فإن الشيطان يكمن في تفاصيل المصالحة لدرجة يجعل تنفيذها مستحيلاً. فحماس تُشغل اليوم نحو ٣٥ ألف موظف في مؤسساتها، أضف إلى ذلك نحو 77 ألف موظف في السلطة الفلسطينية من المستنكفين عن العمل بقرار من عباس. هب أن المصالحة نجحت، وبدأت عودة الموظفين القدامى إلى أماكن عملهم، فأين ستذهب حماس بأفرادها؟

ولو أخذنا هذا العامل، لكان كافياً للحكم على استحالة تنفيذ المصالحة، ناهيك عن المعتقلين السياسيين من الطرفين لدى الآخر، فضلاً عن الهاربين من حماس خارج غزة، ومعضلة إدارة المعابر، ومشكلة تقاسم السلطة، وكلها أشياء تجعل من الاصطدام بصفر كبير أمراً لا مفر منه.

لست متفائلاً بأي اجتماع سيحدث مستقبلاً بين حماس وفتح عنوانه المصالحة، طالما أن الشك في الآخر هو ما يحكم العلاقة بين الطرفين، وأن كل منهما مكتفياً بمكتسباته، وإن كان على جزر متباعدة من وطن يُقسمه الاحتلال.

وفي كل مرة تفشل فيها المفاوضات، يلوح عباس للإسرائيليين والمجتمع الدولي بورقة المصالحة مع حماس. أما حماس فقد استعذبت اللعبة، خصوصاً مع كل مرة يتعزز فيها موقع الإخوان في بلد من بلدان الربيع العربي، لدرجة أصبحت معها الحالة الفلسطينية تشي بقول عباس لمشعل، أو مشعل لعباس: "يلا نلعب مصالحة!".


موسى محمود الجمل
دبي
12 مايو 2012

No comments:

Post a Comment