Monday, May 21, 2012

كيف تعرف أنها ديمقراطية عربية؟



كيف تعرف أنها ديمقراطية عربية؟

كثُرَ الحديث مؤخراً عن الديمقراطية، لا سيما في ربيعنا العربي، الذي أظلنا بياسمين بلا رائحة، على مدار ثمانية عشر شهراً، واقتصرت ثماره، إلى الآن على الأقل، على انتخابات رئاسية وبرلمانية وتشكيل حكومات غضة من لون واحد غالباً، لم تعدو أن تكون قشرة رقيقة غَلّفتْ شجرة ضخمة من مشكلات العالم العربي، وخبأت تحتها كل قضاياه الحساسة.

وقد كان معروفاً في أمم قد خلت، أن الديمقراطية تعني ابتداءً حرية الاختيار، لا الاضطرار إليه، أو الإكراه عليه، أو شراءه بمال أو متاع من الدنيا قليل. لكن في حالتنا، سيكتب التاريخ للعرب، أنهم لم ينالوا من الديمقراطية إلا الذهاب إلى صناديق الاقتراع بكثافة، دون أن تنسحب نتائجها على اقتصاد يتطور، أو مجتمع يزدهر وعياً وفكراً، أو تعليم يتقدم، أو صحة تتعافى، أو بطالة تتقلص.

وفي ديمقراطياتنا العربية، ترى عبيد يترشح للانتخابات، فلا يصوت له أي فرد من عائلة زيد. وحين تذهب الأصوات إلى عبيد لتبارك فوزه، تُغيرُ قبيلة زيد على قبيلة عبيد بكل أنواع الأسلحة، وتعلو ديمقراطية السلاح على ديمقراطية صناديق الاقتراع وحرية ثقافة الاختيار.

أن يذهب الناس إلى صناديق الاقتراع، وكأنهم في طريقهم إلى نزهة لم يكتشفوا مغامراتها بعد، ويتسلون في الطريق بأسماء المرشحين وكأنهم معجبون بلاعبي كرة قدم. وطالما أن متعة المغامرة في عدم توقع نتائجها، يُبدع العرب في تشكيل نوع خاص من الديمقراطية، يصح أن يُطلق عليه "مغامرة الديمقراطية"، أو "ديمقراطية المغامرة".

ودأب العرب على أن يكون يوم الانتخاب إجازة، يخلد فيها غالبية الناخبين للنوم أو الراحة، وتُعطل فيه مؤسسات الدولة. وبذلك، تكون الديمقراطية قد أنتجت يوم إجازة مجاني إضافي للناخبين مدفوع الأجر.

ثم تقوم ثورة، فيتنفس الناس الصعداء بأن باتوا أخيراً أحراراً في اختيار من يحكمهم، فيعج المشهد بمرشحين كانوا ذخيرة نظام قد انحل، فيضطر الناخبون مكرهون على اختيار أفضل السيئين، معزين أنفسهم بطقوس فرحة الانتخاب عبر المشاركة للمرة الأولى منذ عقود في عرس سياسي جديد لا عهد لهم به. وتبقي نظرية "زيد وعبيد" هي المسيطرة.

أن يضحك أحد المرشحين على الدهماء من الناخبين بخطاب ناري، يَعدُ فيه مصفقيه بـ"سيارة لكل مواطن". ثانٍ يكون طموحه متواضعاً فيعدهم بـ"تكتك لكل ناخب". ثالث يخدعهم بشعار ديني، إذا لا يريد إلا إصلاحاً، وكأن الناس ستأتي به لأمر غير ذلك. وعند أول ملف يُطلبُ من أحدهم إصلاحه، يقف مثل فيل هرم، فر من الحظيرة لتوه، وتفشل كل المحاولات في إعادته إليها.

أن يشتمل برنامج أحدهم الانتخابي الشفهي على مشاريع وأفكار وطروحات ينوء بتنفيذها أدهى سياسي أو اقتصادي عرفته البشرية. الأدهى أن يصفق لها الحشود.. بقوة.

أن يُنادي المرشح بتداول سلس وسلمي للسلطة، ثم يمكث في منصبه بضع قرون، لا يزيحه في آخرها عن الكرسي إلا الموت، ثم يرثه ابنه مستنداً على نضالات الوالد.

يشتري مرشح آخر مستقل أصوات ناخبيه الفقراء ببضع قروش، أو سلة مواد غذائية، سكر، رز، وزيت، إلى حين ضمان مقعده السياسي. فجأة، ينقلب المرشح المستقل، بعد فوزه، على ناخبيه، ويُعلن في أول جلسة للبرلمان، مع جوقة من المستقلين، انضمامهم إلى الحزب الحاكم، لتمرير حكومة تم الاتفاق على تشكيلها بليل، لا تعكس في الغالب نتيجة الانتخابات.

بعد أيام قليلة، يرحل المرشح الفائز عن قريته الفقيرة، ليقطن فيلا في أرقى مناطق العاصمة، ثم يلتحق أبناءه بأرقى المدارس الخاصة، وبعد تقاعده يكون قد أمّن لهم مقاعد دراسية في أفضل الجامعات الأوربية أو الأمريكية.

أن يتحول فجأة إلى رجل يلعب بالملايين بعد أشهر من تقلده منصبه الجديد، في العام التالي ترى أحد أبنائه يُحاضر في مؤتمر دافوس الاقتصادي، بعد أصبح رجل أعمال يدير مشاريع مهمة في البلاد ويسيطر عليها، وتظهر لابن آخر له صوراً مع رؤساء دول عدة في منتجعاتهم الخاصة.

وما يلبث عاماً واحداً في البرلمان، حتى يصبح وزيراً. في العالم التالي يطرد من وزارته بعد اتهامه بالفساد، وما أن يغيب أسابيع، حتى يظهر من جديد، لكن هذه المرة مستشاراً لوزير آخر، أو مديراً عاماً في مؤسسة حكومية أخرى، دأبت الدولة على تجميع المطرودين فيها.

وعند الأحزاب، تمتلئ البرامج الانتخابية بكلام كثير عن تشكيل حكومة يتشارك فيها الجميع، وما أن يحصل أحدها على الغالبية المطلقة في البرلمان، حتى ينقلب على الكل، ويضع شروطاً للانضمام إلى حكومة قبل أن يتفرد وحده بتشكيلها، وتبدو الأحزاب الأخرى في نظر الحزب الفائز كمن يغرد خارج سربه، لتبدأ معركة الشتائم، والتخوين، والطعن بالوطنية.

وفي الديمقراطيات العربية، سيكتب التاريخ، أنها لم تحمل من الشفافية إلا ما تشي به الصناديق الزجاجية، لتحجب شفافية الصناديق حقيقة النتائج، رغم أن الشفافية واحدة لا تتجزأ.

وإن كان للعالم كله ديمقراطية واحدة معروفة، فإن لنا خاصتنا المشوهة، يصح أن نطلق عليها "ديموعربية".

http://www.skynewsarabia.com/web/blog/22139

موسى محمود الجمل
دبي
21 مايو 2012

2 comments:

  1. ما بعرف كل ما احاول اقرا مقالاتك على السكاي نيوز ما بيرضو يشتغلو بيعطيني ايرور مقالات التانيين بتشتغل عادي شو المشكلة

    ReplyDelete
  2. لما نعترف "بالآخر" بكل ما يحمل من اختلافات بنقول انه صار عندنا او فهمنا معنى الديمقراطية

    ReplyDelete