Monday, June 18, 2012

فِعلُ الثـورة

فِعلُ الثـورة
شاع في الأدبيات الإعلامية العربية، مع دخولنا القرن الحادي والعشرين، مصطلح "الثورة الإعلامية"، أو "ثورة الاتصال". كان المصطلح في أقصى معانيه يشير إلى السرعة في انتشار المعلومة، أو تسارع وتيرة تطور الوسائل، أو وفرتها للمستخدمين.

ولم يخطر على بال المنظرين لهذا المصطلح أنه قد يحمل أيضاً فِعل الثورة بمعناه الحرفي، إذ تم اقتلاع أربعة رؤساء عرب حتى الآن بثورات، كان المحرض الأساسي عليها ما يمكن أن نصطلح عليه "تكنولوجية الثورة". 

وبذلك تكون الثورات قد فسرت معنى جديداً للإعلام، وأضافت وظيفة أخرى لوسائله الحديثة تحديداً. لكن كيف يمكن فهم المعنى والوظيفة للإعلام الجديد ضمن ما أحدثته من تغيير في المنطقة العربية على مدار أقل من عامين من الربيع العربي؟

إن كان الأصل في الإعلام شيئين: أحدهما نقل المعرفة، والثاني إحداث التغيير؛ فقد بدأ الدور الأول يتراجع لصالح الثاني مؤخرا، لا سيما أننا نعيش الآن في أواخر عصر المعرفة، وأصبحنا على أعتاب عصر الحكمة، كما يقول رائد التنمية البشرية الأمريكي ستيفن كوفي؛ وهو عصر أهم سماته التغيير، وما التغيير إلا "ثورة" على الماضي.

وقد باتت المعرفة منذ أكثر من عشرين عاماً متوفرة للجميع، تحديداً مع إتاحة الإنترنت للعامة، وأصبحت لا تحتاج إلى وسيط تقليدي (راديو، تلفزيون، صحيفة) لنقلها، في ظل تعدد الوسائط وتنوعها، وأهمها الإنترنت، وقد بدأ وضع العامة لمعرفتهم في الفعل يؤتي أكله تغييراً وحكمة، فكانت "الثورة".

وليس أدل من وضع الناس المعرفة في الفِعل، من استخدام ملايين العرب فيسبوك وتويتر، رغم حداثتهما، (الأول انطلق في عام ٢٠٠٣، والثاني في ٢٠٠٦)، ومن ثم بدأ القتال الإلكتروني الفردي في معركة سلاحها الجُمل القصيرة، وتسجيلات الهواتف المحمولة، التي جعلت من كل مستخدم لها صحفياً. 

أكثر من ذلك، فقد أصبح كل مستخدم لهاتين الوسيلتين لا يقتصر دوره على نقل المعلومة فحسب، بل يدفع عبر أداتها إلى التغيير، من خلال تحريض الجماهير على الفِعل. وبذلك يكون الوسيط قد دمج المعرفة والفعل في أداة واحدة، وجعل التغيير ممكنا بمجرد "كبسة زر". وبذلك بدأت الجماهير، التي تستخدم أدوات الإعلام الجديد، تترجم "ثورة الإعلام" أو "ثورة أدوات الاتصال"، إلى إعلام محرض على الثورات، فكان "إعلام الثورة".  

لا أناقش هنا إن كان لوسائل الإعلام الجديد دور في الثورات العربية من عدمه، لكن ما أود قوله هو أنه لولا اجتماع المعرفة، وحرية الاستخدام في آن واحد، في وسيلة واحدة باتت متاحة في يد الملايين من الجماهير، لما كان للثورة أن تنتصر. 

وإن لم يكن الأمر على غير هذه الشاكلة، لتساءلنا: لما لم يقم التلفزيون أو الراديو أو الصحف بالدور التحريضي على الثورة، وكلها وسائل ضالعة في القدم، وسابقة على وسائل الإعلام الجديد؟ إن عدم فعالية هذه الوسائل في التحشيد والتعبئة، بنفس قدر ما تقوم به وسائل التواصل الاجتماعي الجديدة له ما يبرره. 

فالوسائل التقليدية، وإن تحققت لها وظيفة المعرفة، فإنه لا يمكن للملايين استخدامها، فالتحكم بها يقتصر على القائمين عليها من حكومات ورجال أعمال، قد لا تتطابق أهدافهم مع أهداف مستخدمي الوسائل الجديدة، كما أن توجهاتها محكومة بتوجهات وسياسات مالكيها. 

أما الوسائل الجديدة فهي ملك لكل مستخدم، فلكل منا صفحته على فيسبوك، ولكل منا حسابه على تويتر، واجتماع المعرفة وحرية الاستخدام في أداة واحدة هو ما لم يتوفر في الوسائل التقليدية، ولذلك انحسر تأثيرها لصالح أدوات الإعلام الجديد.

موسى محمود الجمل
دبي
18 يونيو 2012

No comments:

Post a Comment