Sunday, July 1, 2012

أمم أوروبا وأممنا



أمم أوروبا وأممنا
تبعث الفرحة، التي تبثها كرة القدم الأوروبية، في النفس، الحزن من وعلى كرة القدم العربية. وإليكم الحكاية من البداية، كما أثارتها في نفسي بطولة الأمم الأوروبية "يورو 2012".  

رسم لنا ثمانمئة متطوع، من فتيات وفتيان يافعين، شاركوا في حفل افتتاح يورو 2012؛ لوحات بهية للحياة بكل ألوان الطيف، ليذكروا العالم بأن الكرة ما وجدت إلا للفرح والأمل.

في فبراير الماضي رسمت لنا مصر لوحة دموية حزينة، شكل معالمها 74 قتيلاً، ومئات الجرحى من مشجعي فريقي الأهلي والمصري البورسعيدي، في أكبر مذبحة تشهدها الرياضة المصرية في تاريخها، لتقول باسم العرب للعالم، أن حريتنا التي أطلقتها الثورات للتو، أطلقت معها أيضا العنان للعصبية الكروية والقبلية الرياضية.

حكى لنا الفتية الأوروبيون بأجسامهم، في اثنتي عشرة دقيقة، قصة تفتح الورود والرياحين وإغماضاتها، لدرجة أنه يخال للمرء تنشق رائحتها من وراء شاشة التلفزيون.

حكى لنا تاريخ غالبية البطولات الرياضية العربية، أنها لم تشتمل على لوحات فنية، كتلك التي تنبض بها الملاعب الأوروبية. ثم نتساءل: هل لا يوجد لنا تاريخ وحضارة يمكن أن ترسمهما أجساد أطفال لينة؟ أم هو افتقارنا للفن والرسم؟ أم تحريم الاثنين؟.

حكى لنا تاريخ أوروبا في كل الرياضات، أن مشاركة دولها لا تكون إلا لهدف واحد: الظفر بالألقاب. حكى لنا تاريخ العرب في كرة القدم على الأقل، أن مشاركاتهم في المحافل الدولية، ليست إلا صورية. كنا ومازلنا مبدعين في البقاء على الهامش، والتشبث بإطار الصورة دون ملامسة أي من تفاصيلها.

وبينما لا تظهر وسائل الإعلام الغربية شوارعنا إلا وهي تعج بحاملي مختلف أنواع الأسلحة، فإن مشاركتنا في دورات الألعاب الأولمبية الدولية مثلا، التي تقام مرة كل سنتين، لا تفلح حتى في الظفر بميدالية ولو "خشبية" في هواية "القنص".

لكن لم يكن غياب العرب كليا. ففي حفل افتتاح يورو 2012 حضر الفلسطينيون بـ"أهم" ما عندهم، وأهم ما عندنا معاناتنا. فقد تحسر المعلق حفيظ دراجي بمرارة وواسانا في انقطاع الكهرباء المتواصل على قطاع غزة، الذي يحرم الناس هناك من هذه المتعة الكروية التي تتكرر مرة كل أربع سنوات.

المعلب الأولمبي في أوكرانيا
الملاعب..
وبالعودة في الزمن قليلاً، تقول مراجع التاريخ "العميق"، إن المصريين القدماء عرفوا لعبة كرة القدم منذ ٣٠٠ سنة قبل الميلاد، حين لعبوها بكرات من جلد الماعز. تقول المراجع ذاتها، إن لعبة كرة القدم في شكلها الحالي ظهرت في إنجلترا سنة 1016، حين تقاذف الإنجليز رؤوس الضحايا الدنمركيين احتفالا بإجلائهم. بعد ذلك بنحو 700 سنة ظهرت اللعبة للمرة الأولى في المدارس الإنجليزية.

خذ هذه السبق للمنطقة العربية في معرفة كرة القدم في اعتبارك، ثم انظر إلى الملاعب الأوروبية، وكيف يبدع "نحاتوها" المعماريون، من الخارج قبل الداخل، في صناعة الإبهار للعالم. ثم انظر إلى مصر، أم دنيا العرب في السينما والمسرح والأدب والعلم وحتى الكورة، التي لا يوجد بها ولو شبه ملعب مثل الذي تبهرنا به أوروبا مع كل مهرجان كروي عالمي. استاد القاهرة من الخارج تعلو أسواره أسلاك شائكة، ومن الداخل، "الحشيش الناشف"، أكثر من "الحشيش الأخضر".

وقد حدثني صديق أن كل من يذهب إلى إسبانيا لا بد أن يمر بملعب كامب نو "الاستاد الجديد"، الأكبر في أوروبا ويتسع لحوالي 100 ألف متفرج. تلك التحفة التي أرخت منذ عام 1957 لنادي برشلونة. حدثني كيف يصطف زوار البلد في المواسم السياحية أمام بوابات الملعب ليمتعوا أنظارهم بإبداع مهندسيه، ويتلمسوا تاريخ النادي العريق الذي يحكيه متحفه.
المعلب الوطني في بولندا
والملاعب الأوروبية هي أيضا ملاعب للسياسيين. فقد شاهدنا انفعالات المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل وقفزاتها المتكررة في المدرجات وهي تشجع منتخب بلادها في المباراة التي جمعت ألمانيا مع اليونان في دور الثمانية من البطولة. أما رؤساؤنا فلا يجيدون اللعب إلا في مراتع الفساد، ولا يمارسون رياضة الركض إلا في أعالي مدرجات الاستبداد. من رأى منكم رئيسا عربيا يشاهد مباراة مهمة لمنتخب بلاده من على المدرجات، فليرمني بكرة.
 
وإن كان رؤساء دول أوروبا يحضرون مباريات منتخباتهم الكروية في الملاعب، فمازلنا نحن العرب نبحث عن رئيس يحضر، ولو قليلا، في حياتنا، أو على حواف مدرجاتها المهترئة.

دعك من الرؤساء. لماذا لا توجد في مدرجات الملاعب العربية مشجعات حسناوات كما في الملاعب الأوروبية؟ ومتى سنتخلص من بلطجية الملاعب الذين نطلق عليهم اعتباطا "مشجعين"، وهم في الأصل حفنة من المتعصبين "الصيع" الذين يملأون الملاعب هتافات عنصرية وقبلية؟.

ومع أن الكرة تقرب الشعوب والدول من بعضها، إلا أن العرب نجحوا في تحويلها إلى عنصر تفريق بجدارة. ولنا في مبارة الجزائر ومصر في التصفيات المؤهلة إلى مونديال 2010 عبرة.

مدرب المنتخب الإيطالي شيزاري برانديلي
اللاعبون والمدربون..
أما عن اللاعبين في المنتخبات العربية فالحديث ذو شجون. أذكر فقط أن اثنين على الأقل من لاعبي المنتخب المصري يدخنون الأرجيلة، وكنت رأيتهما أكثر من مرة في مقهى كنت أتردد عليه "إبان" إقامتي في القاهرة.

اترك تدخين اللاعبين جانباً. الكثير من لاعبي المنتخبات العربية لا تكفيه لعبة الكرة وحدها العيش. لاعبو المنتخب الفلسطيني مثلا كلهم يعملون في الأجهزة الأمنية الفلسطينية، وهناك لاعبون عرب يعمل غالبيتهم إما شرطياً أو بائعاً، أو سائقاً.

وللرياضة مع مدربي المنتخبات الأوروبية قصة حياة لا تنتهي بانتهاء مفعولهم كلاعبين. انظر مثلا إلى رشاقة مدرب المنتخب الألماني يواكيم لوف، وأناقة مدرب المنتخب الإيطالي شيزاري برانديلي. لم أرَ كرشاً لأي من مدربي الفرق الأوروبية سوى لواحد فقط، هو مدرب إسبانيا دل بوسكي. ثم انظر إلى أجسام المدراء الفنيين للمنتخبات العربية، ولن ترى غير هذه الصورة التي تميزهم جميعاً تقريباً: "مدرب أبو كرش".

إنها "المؤامرة"..
إحدى مشجعات المنتخب الإسباني
وقادني البحث وأنا أكتب هذا المقال إلى أول اتحاد عربي لكرة القدم وقد تشكل سنة 1974، ومن ضمن مهامه تنظيم بطولة "كأس العرب" كل ٤ سنوات. في المقابل، بدأ تنظيم بطولة كأس الأمم الأوروبية للمرة الأولى عام 1960، وتقام البطولة مرة كل أربع سنوات. بطولة العرب أقيمت 8 مرات، أما بطولة أوروبا فأقيمت 14 مرة. هل تشي لك سنتي انطلاق البطولتين وعدد مرات تنظيمهما بشيء؟

على فكرة، بطولة "كأس العرب" مقامة حاليا في السعودية، وانطلقت في 22 يونيو، وتختتم في 6 يوليو الجاري. هل شاهد أحدكم أي من مبارياتها؟ هل ذهبت إلى المقهى لمشاهدة أحدها ولم تجد مقعدا بين المشجعين المتكدسين فوق كراسيها؟ هل سمعت بهذه البطولة من قبل أصلا؟

الآن، انظر كيف تعج المقاهي في والبلدان العربية بالمتفرجين على مباريات يورو 2012. إنه البحث عن أوطان جديدة أفضل وأجمل، حتى وإن كان من وراء الشاشات، بعد أن استحال الواقع مهزلة. يا لخيبتنا، حتى تسليتنا وفرحتنا المصطنعة مستوردة.

يبقى لنا أمل في أن نبدي جمال حضارتنا وتراثنا عبر الملاعب من خلال قطر التي تستضيف مونديال 2022، وستبقى أعيننا معلقة عشر سنوات من الآن على هذه اللوحة، لنرى إن كنا سننجح في إبهار العالم، أم نرتد على أعقابنا الرياضية خائبين.

أخشى أن يرى البعض في تنظيم يورو 2012 في هذا التوقيت بالذات، "مؤامرة" واضحة أحيكت بليل ضد عروبتنا، للتخريب على بطولة "كأس العرب". فكيف تراها أنت؟

لن أقبل وطناً أقل من إسبانيا هذه الليلة..

موسى محمود الجمل
دبي
1 يوليو 2012

7 comments:

  1. مقال جميل جدا يا موسى و صورة جميلة وموجعة في نفس الوقت ,لكن ما تنسى ان "الهوليجانز" كان بداية ظهورها و انتشارها و قديما في الملاعب الاوروبية والحادثة الشهيرة التي حصلت عام 1985 في نهائي دوري الابطال بين يوفنتوس و ليفربول خير دليل و و كمان مأساة "هيلزبورو" في 1989, و التعصب موجود في كل الملاعب و يمكن سمعت اليورو هدا كيف كانوا بيحدفو لاعب ايطاليا الاسود بالوتيلي بالموز في اشارة الى انه قرد, وبالنسبة فلما تشوف لاعبين عرب شكلهم عدل راح تلاقي المدرجات مليانة بالحسناوات, , ,

    ReplyDelete
  2. وكلماتك أيضا لوحات فنية جميلة

    ReplyDelete
  3. لا اعرف مشكلتك مع الكرش ام مع قلة الانجازات والبطولات, انت وسيد العارفين ان مظهر الانسان غالبا لا يشي بدواخله والانسان البدين ليس بالضرورة انسان عاجز وغير مبدع ولا شو رايك, وشكرا لك على هذه الصورة الجميلة

    ReplyDelete
  4. كبر الكرش يتناسب طرديا مع قلة الإنجازات، بمعنى آخر، كلما كبر الكرش قلت الإنجازات، غالبا.

    ReplyDelete
  5. معتقد خاطئ أو بالأصح نظرة ضيقة للأمور والأشخاص, فهل أصحاب الإنجازات دوما هم من أصحاب القوام الرشيق لا أظن ذلك
    هي ليست مشكلتك وحدك بل مشكلتنا جميعا في العالم العربي النظرة السطحية للأمور والحكم على الأشياء والأشخاص بمظهرهم الخارجي فقط

    ReplyDelete

  6. أنت حَرفت النقاش عزيزي.. لم يكن المقصود بالكرش سوى ما هو مكتوب في نص المقال وليس ما تعتقده أنت، من ربط الإنجاز بالكرش. أما بخصوص النظرة إن كانت سطحية أم لا فهذه ليست مشكلتنا جميعا، حسب ما تعتقد أنت، وليس لك الحق في الجمع إن كنت من أصحاب هذه النظرة. كما أني لست ممن يدخلون في نقاش للحكم على الناس من مظاهرهم، فهذه قضية في ما وراء وراء وراء ظهري يا عزيزي.

    ReplyDelete