Tuesday, July 17, 2012

في المطارات


إحدى صالات الانتظار في مطار دبي الدولي

في المطارات

لم يكن هذا مشروع مقال، ولم أخطط له على الإطلاق. بدأت تتسلل مني جُمل متناثرة يجمعها أجواء المطارات وصالات انتظارها، والتي ما أن دخلت أحدها حتى يأتيني وحي القلم.

وكانت هذه الكلمات أشبه بحُلم من الصعب التعرف على بدايته. وفي عالم النوم ما أن ينتهي الحُلم حتى نصحو من غفوتنا عند انتهائه دون أن نفتح أعيننا، لكننا على الدوام نعجز عن تحديد ألوان مشاهده، أكانت ملونة، أم بالأسود والأبيض.

وهكذا انسابت مني الجُمل طوعاً لا كرهاً، ولم يستغرق فِصَامُها عن الذاكرة سوى حركات لاإرادية من أصابعي على لوحة حاسوبي الصغير الذي أحمله.

وكان في البداية أن رسمت هذا المشهد..
في المطار، ذكرتني تلك المرأة بوالدتي -رحمها الله- حين طلب منها ابنها هاتفها النقال، فسبحت بكلتا يديها تبحث عنه في أغراضها كلها. عثرت عليه بعد بضع دقائق من البحث في حوائجها.

الأمهات الكبار يتشابهن كثيراً في الاحتفاظ بالأشياء، والبحث عنها، والعثور عليها. طلبت منها الدعاء لي. فعلت، ووعدتني بما هو أكثر عند الصلاة. دعوات الأمهات اللاتي لم يلدننا مستجابة، خصوصا إن كُنَّ على سفر.

ثم انهالت علي الجُمل..
في المطارات، ما أن تقلع الطائرة في السماء، حتى تجذبنا الذكريات إلى الأرض.. يبدو أن للذكريات نفس فعل الجاذبية الأرضية.

المطارات محبرة الذكريات وأقلامها. فيها تغزونا الذكريات، ويتجلى لنا المستقبل بوجه أجمل. فيها نكتب خلاصات تجاربنا لنبدأ مغامرات جديدة.

في المطارات، بعض الناس يلتقطون الصور، وآخرون يسترجعون بعضها. فهذان زوجان يجترحان ذاكرتيهما للتفتيش في أرشيف أول رحلة لقضاء شهر العسل.

في المطارات، يحمل الناس حقائب بحجم ذكرياتهم، ملؤها همومهم. إلا ذاك الفتى، يحمل حقيبة صغيرة على كتفه تتسع لذكرياته، أما همومه فهي بوزنه.

في المطارات، كل المسافرين العرب يحشرون جوازاتهم في الجيب الخلفي للبنطال. إلا ذاك الأمريكي، يضعه في جيب يعلو القلب قليلاً.

في المطارات، نفحص أوراقنا ألف مرة، موعد المغادرة، موعد الوصول، رقم الرحلة، الختم على الجواز، رقم المقعد، حتى أسمائنا وتواريخ ميلادنا نتأكد أنها لم تتغير عما كانت عليه منذ دقائق قليلة فقط، حين نمعن النظر مرات ومرات في جوازات السفر.

في المطارات، نفرك أيادينا كثيراً، وإن تأخر إقلاع الطائرة تزداد حرارة الفرك وحدته، فنحن دوماً يعترينا الخوف إن فاتتنا ولو رحلة واحدة على متن طائرة الحياة.

في المطارات، نبتسم كثيراً، ولا يغادر الضحك مُحيّانا، حتى وإن غمر الحزن قلوبنا، وطغى على أعيننا الأسى، واجتاحتنا الهموم.

في المطارات، نلاطف الأطفال كثيراً، حتى أولئك الذين لا نعرفهم، ونتذكر بقوة طفولتنا التي نود لو رجعت قليلاً لنلهو معهم ونشاركهم الفرح. أجمل ما في المطارات الأطفال. فيها يهجرهم البكاء، ولا يُعييهم المرح.

داخل الطائرة، كان يكفي وجود طفل واحد ليضفي على الرحلة روحاً ملائكية، لكن الله منحنا العشرات. الأطفال في الطائرات كأنهم سحابٌ أبيض فوق السحاب.

في المطارات، تتكشف براءة أساريرنا، وتنتابنا رغبة جامحة في العودة إلى فطرنا كبشر. ولا أدري إن كان ذلك سببه الخوف من مألات الرحلة؟ أم ما تثيره صالات المطارات في نفوسنا، وتجتره مخيلاتنا، من صور مصغرة عن الآخرة؟

في المطارات، نكون أكثر رشاقة، حين نبدو رياضيين حد المبالغة في ما نرتدي للسفر من ملابس مريحة. في المطارات، تبدو وجوه الناس نضرة، وإن كنت غير متأكد مما تخفيه قلوبهم.

في المطارات، نراجع صحة قرارات اتخذناها على مدار سنوات، ولا نخلصُ إلى صحتها أو خطئها إلا في صالات السفر. في المطارات، نحسم قضايا لا تمكننا تفاصيل الحياة من حسمها، وتكون قاعة الانتظار أو الطائرة المكان الأنسب لاتخاذ القرار الصحيح.

موسى محمود الجمل
عمّان - الأردن
١٧ يوليو ٢٠١٢

4 comments:

  1. "للذكريات نفس فعل الجاذبية الأرضية". وثمة جمل أخرى رائعةأستطيع اقتباسها من هذا النص الجميل، بل إن كل النص قابل للاقتباس والاستشهاد. موفق يا موسى.

    ReplyDelete
    Replies
    1. شكرًا لك صديقي محمود.. أعتز بهذا التقدير كثيرا

      Delete
  2. مشاعر مرهفة وكلمات أجمل

    ReplyDelete
  3. شكرًا جزيلا لتذوقك

    ReplyDelete