Saturday, August 25, 2012

الدمع.. ملح الحياة


الدمع.. ملح الحياة

لو أتيحت لي فرصة إعادة صياغة هذا النص لفعلت... على الأرجح

وأنا أكتب هذا النص وصلتني رسالة تقول: مساحة الفرح في نصوصك قليلة. وهذه حقيقة أقر بها. وهذا مرده إلى أن الفرح عادة ما يأوي إلى ظل النص عندما تشتد حرارة الكلمات. وهذا دليل أن المرء عندما يكتب يُبقى على الفرح في الجوار، حتى وإن كان النص باكياً.

وإن كان الحزن يُبكينا، فإن من الفرح ما تَدمع له العين. ويقال إن للدمع طعم الملح. لكن إن كان سببه الفرح، فهل يكون له الطعم ذاته؟، على الأرجح لا. لأن السعادة التي يضفيها القلب على الجوارح تذيب ملح الدمع، فلا نتذوق إلا ما حلا من قطراته، حينها لا نستكثر نزوله، ولا نتوقف عن استدراره.

وعند الحزن، تجتاحنا الرغبة في أن نصل إلى عمق الدمع. وبخلاف البحر، عمق الدمع بره. لكن، هل يمكن الوصول إلى هذا العمق البر؟ لا أدري. الأهم، أننا هناك نستلذ في تذوق الملح الذي يلاطف جوارحنا ويناسب مشاعرنا الحزينة. إن كان الحزن شديدا، تصب الجوارح والمشاعر على الدمع بعض المرار.

لا، بل أدري. البعض يصل إلى البر، حين يريحه الدمع وينعشه. البعض يصارع الغرق حين يهذي وهو يبكي. البعض يقترب من العمق ولا يدرك البر، عندما يقتنع أن الدمع لا يداويه.

وعند الحزن يَنسلُ الدمع من العين بطيئاً. كل قطرة تتدفق تعلن انتحار التي وراءها في وادي الخد السحيق. وعند الفرح على الأرجح أن الدمع يتدفق بسرعة، ليناسب رقصات القلب العشوائية على أوتار السعادة العبثية.

وللدموع حالات غير الفرح والحزن. فللخوف دموع، وللانتظار دموع، وللأمل دموع، وللخشوع دموع، وللألم دموع (تختلف عن دموع الحزن لمن يتقن التذوق). وهناك دموع نستحثها حين ترهقنا ضربات الحياة البطيئة المتكررة. إرهاق لا نُسلمه إلا لأعيننا، كي ترفع رايته مستسلمة لدموع تحتشد بسرعة في المآقي. وهذا قطر الطمأنينة، إذ يُذيب ملح اليأس في عذوبة الأمل.

وتأخذ الدمعة شكل قطرة الماء، لتحكي أنها صنو الحياة. وإن رَمَزَ الماء للحياة، فإن الدمع ملحها. والحياة لا تحلو بلا ملح، ولا تخلو منه.

لا أدري إن كان الدمع يندلق من أحد طرفي العين، أم يندلع منهما معا، أم يصب كلاهما في منتصفها؟ لا أدري أي الطرفين ينسكب منه دمع الفرح، وأي هو لدمع الحزن؟ ما أدري، أني لا أدري إن كانت المسألة أصلا على هذا النحو أم لا. لكن إحساسي يقول إن في الأمر شيء من هذا القبيل، على الأرجح.

هل الأعمى يدمع؟ وكيف يتذوق الدمع، إن كان فَرحا أم حُزنا وهو لا يرى مشاهده؟ الأكيد أن الأعمى يَدمع. لأن المشاهد التي يراها المبصرون ما هي إلا محفزات تسرع لحظة انسياب الدمع. كما أن الدمع منبعه القلب. لو ترك الدمع للعقل لما بكى أحد. ولو ارتبطت اليد بالقلب لا بالعقل لما بطشت ولما عرفنا حروبا. العقل يدمر والقلب يبلسم.

ما طعم الدمع عند الأطفال؟ لا أدري. لكنه على الأرجح حيادي. الأطفال يبكون دائماً طغياننا عليهم، أما الكبار فتُبكيهم في الغالب مؤامراتهم التي يحيكونها لبعضهم.    

هل يختلف طعم الدمع عند النساء عنه لدى الرجال؟ من يذرف أكثر؟ من يذرف أسرع؟ لا أدري. لكن الأرجح أن المرأة تذرف أكثر وأسرع، لأن قلبها أصغر. ربما، كلما صَغُر القلب كثر البكاء. وللأطفال هنا نصيب أكبر.

وعندما تذرف العين، يواسيها الأنف، فهو يبكي جنباً إلى جنب مع العين، حتى أننا نمسح على أنوفنا أكثر مما نمسح على أعيننا عند البكاء.

وليس كل الدمع نذرفه، فهناك ما نتجرعه حين يعز على العيون أن تبيح ما بدواخلنا. هل حاولت يوما أن تبكي لكن عيونك خانتك؟ إذن، ببساطة أنت تجرعت الدمع.

الدمع كحل العين إن أرادت زينة، وهو غسيلها إن غشي القلب ما غشيه من كربات وألم وأسى. فمن يبكِ ولم يرتح، فليبكِ ثانية. وإن لم يرتح، فليبكِ في الثالثة قلبه.

موسى محمود الجمل
دبي
25 أغسطس 2012

1 comment:

  1. مساحة الفرح قليلة ربما, ولكن المؤكد ان مساحة الإبداع وفي هذا المقال بلا حدود

    ReplyDelete