Wednesday, August 29, 2012

حنظلة بدأ يكبر



حنظلة بدأ يكبر

منذ العام الماضي، بدأ حنظلة يتحسس عمره الجديد في رحم السنوات التسع التي حبسه فيها ناجي العلي منذ أكثر من 45 عاما. بدأت روحه تنتعش في حاضنة الثورات. ومع انطلاقها، تنبه من غفوته العمرية، وكبر يومين خلال سنتين ثوريتين (2011، 2012)، فيومه سنة مما نعد نحن.

وها هو حنظلة اليوم يخط على جدران مصر أن "الشعب أسقط النظام". ويرسم في شوارع تونس للحياة لوحات تقول: "لا للديكتاتورية" التي قالو عنها يوما أنها متنورة. وفي ليبيا، بدأ يتلمس طريقه إلى الديمقراطية، ويهزأ من "نظام أخضر أهوج".

ويجوب حنظلة اليوم شوارع اليمن بخطى واثقة دون أن يستوقفه طاغية، كان يدير البلاد مثل راع قبلي يسوس قطعانه. حنظلة متعثر قليلا الآن في سوريا، لكن المقاتل الذي بداخله لم تفارقه الثقة باقتراب النصر.

يا ناجي..
لم يعد حنظلة يدير ظهره للأنظمة العربية المنحطة فقط، غير عابئ بها وبأفعالها، بل قلب الطاولة على خمسة منها في عامين. وكان هذا نتاج لوحاتك التي رسمت للحرية ألونا جديدة، وكانت ترفض مضامينها كل الطغاة والديكتاتوريات، منذ أن عرفت ريشتك طريقها إلى الورق الأبيض.

لم يعد حنظلة مكتفيا بتشبيك يديه خلف ظهره، بل أصبح يحمل بهما مناجل تحصد خونة باعوا فلسطين من عرب وعجم. إن يديه الصغيرتين تعريان يوميا فصائل باتت تتقاتل من أجل السيطرة على معبر، وباعت اللاجئين بجواز سفر مصبوغ بشعار الاحتلال. أما صوته فقد بات يفضح الجلسات الثملة لقادتنا المزعومين مع شلومو وعومير، من أحفاد بن غوريون.

لم يعد حنظلة وحيداً، فقد ظهر له إخوة كثر كانوا يعملون في خلايا نائمة تحضيراً للثورات في مصر وتونس واليمن وليبيا وسوريا. وعلى قارعة الثورة، حاولوا إقناعه أن الوقت قد حان ليطل عليهم بوجهه الفلسطيني البهي، لكنه اعتذر لتكون طلته الأولى على القدس.

يا ناجي..
بموتك كنت أنت الناجي وتركتنا غرقى نصارع تفاصيل لوحاتك، التي ما انفكت مشاهدها تتناسل لتغرقنا يوميا، وتراكم أشياء لم نعد نفهمها. اليوم نستذكر روح قلمك الرصاص لتفك لنا بحبره الأسود بعض طلاسمها.

اليوم لا نرثيك، فالرثاء لا يكون إلا للمغادرين، أما أنت فقد تركت لنا أكثر مما يشي به جسدك النحيل. فقد جعلت الأقدار جسدك مليئا بالعظام، وكأنه يراد لها أن تصير أقلاما عريضة تخط على تراب الوطن العربي الكبير جراحاتنا بإطارات أكبر حجما، وأكثر تفصيلا.

أكتب لك اليوم، في ذكرى غيابك الخامسة والعشرين، على عجل، تماماً كما كانت رسوماتك تدهمنا، قبل أن تصلنا صور النكسات عبر التلفاز، أو يصدح بها مذيع. إن لوحاتك أقوى من أي مشاهد مصورة. كل رسمة من رسوماتك وجبة إخبارية دسمة، بل فيلما وثائقيا يفصل الأمور للأجيال القادمة، ويحفظ وجه التاريخ، ويبقي على جغرافيا السياسة حية. 

إن لوحاتك الأربعون ألفا، مازالت تحكي نكبتنا التي لم تنته، نكستنا الممتدة منذ زمن، تخلفنا في شتى المجالات، تعثر ديمقراطياتنا العرجاء. أربعون ألف وثيقة لا تحكي الماضي فقط، بل مازالت تسخر من الحاضر، وتشهد على تكرار الملهاة التاريخية التي نعيشها منذ ضياع فلسطين.

يا ناجي..
يُقال إن الشعر يرفع معنى الحياة درجة. لكنك برسوماتك جعلت للحياة 40 ألف معنى، أيها الرجل الأيقونة.

موسى محمود الجمل
دبي
29 أغسطس 2012

13 comments:

  1. Replies
    1. هذا من ذوقك الرفيع أيها الحكيم

      Delete
  2. سلمت يداك

    ReplyDelete
  3. جميييييل

    ReplyDelete
  4. الربط‏ ‏بين‏ ‏الماضي‏ ‏والرمز‏ ‏والحاضر‏ ‏رائع‏ ‏وموفق‏ ‏.‏ ‏موفق‏ ‏يا‏ ‏موسى‏ ‏‏

    ReplyDelete
    Replies
    1. شكرا لك أخي توفيق.. مازلنا نعيش كثيرا من الماضي في حضرة الرمز

      Delete
  5. ههههههههههههههههههههههههه وانت الصادق يا فلفل حار هبلين مش هبل واحد

    ReplyDelete
  6. نشرنا تعليقك عملا بمبدأ حرية الرأي، رغم قلة أدبك

    ReplyDelete
  7. "حنظلة متعثر قليلا الآن في سوريا، لكن المقاتل الذي بداخله لم تفارقه الثقة باقتراب النصر." ... أمل رائع ... سلمت يداك

    ReplyDelete
  8. أهلا وسهلا بك هنا عزيزي حيان.. شكرا لك على الاهتمام..

    ReplyDelete
  9. حنظلة أكبر من هيك واتوقع أنك أخطأت في التشبيه ، كل ما يحدث مفرقعات وقضايا جانبية، وستبقى فلسطين هي القضية المركزية والهدف الحقيقي.

    ReplyDelete