Thursday, September 20, 2012

مشاهد من الصحراء



مشاهد من الصحراء

ما لم يقله الإعلام، وتدركه السياسة، تأتيك به الرواية، فدعك من الإعلام والسياسة

قبل أسبوعين تقريبا اصطحبني صديق إلى تِينبُكتو، "تمبكتو"، أهم حواضر الإسلام في غرب إفريقيا، شمال مالي تحديداً، وقد أسسها الطوارق في القرن الخامس الهجري (١٠٨٠م).

في إحدى ضواحيها، وتحديدا "تارَّايتْ"، وتعني بلسان الطوارق الشاطئ أو الضفة؛ ولد محمد وقضى طفولته، حيث وَعَى القرآن كله وهو ابن الثامنة، وقد سماه أبواه محمداً تيمناً باسم الرسول محمد صلى الله عليه وسلم.

وكانت فترة صباه مليئة بالمغامرات في الصحراء، بين الصيد والرعي، ليرتحل بعدها رفقة عائلته إلى "إيجيف"، وتعني الربوة أو الكثيب المرتفع، ليحط أخيرا في تينبكتو، حيث أطلق عليه "طبيب تينبكتو"، إذ برع في مداواة من أعيتهم الحروب وضربتهم الفاقة.

وفي الصحراء تتبدل القوانين، لتحل مكانها أعراف تصبغها حكمة الكبار الممزوجة بالأساطير المتوارثة. فهنا يعتقد أبوه أن أكل لحوم الغزلان يصيب القلب بالوحشة، إذ قلوب الغزلان سكن للجن، وهي أكل للسباع وليست للآدميين.

لذا، تجد أكل أكثرهم من القديد "اللحم المجفف"، والمضير الطازج "خضيض الحليب". أما شرابهم الشهير فهو "الأتاي"، وهو الاسم الذي يطلقه عموم سكان الصحراء على الشاي الأخضر. وكذا الكندو، وهو شراب أحمر مستخرج من القصب بعد شيه وغليه.

وأهل محمد ليسوا كغيرهم من سكان الصحراء في تخير ما يأكلون. فهم مثلا لا يَطعمون الدجاج. فقد سمع أمه يوما تقول لخادمتهم: أكل الدجاج يميت القلب. ولما سأل عمه موتفا، وهي تصغير لاسم مصطفى، عن السبب قال له: الدجاج يعتاش على المهملات. أما عن سبب امتناعهم عن أكل الأرانب، فهي لأنها تمر بعادة شهرية مثل النساء. وكذا السمك مستبعد من موائدهم لرائحته الكريهة.

وجرت العادة في الصحراء أن توزع الوليمة أو الصدقة حسب مقامات الناس، فينال العالم أو الفقيه الذراع والكتف، والمولى الرقبة، والنساء الظهر. أما المتصدقون فلا يجوز لهم أن ينالوا منها شيئا، سوى جلودها التي يشدون بها خيامهم.

وإذ لا يعرف أهل الصحراء الساعات، فقد دأبت الأم على استبدال عصا المزولة بابنها محمد، لمعرفة وقت الزوال وتبين حلول صلاة الظهر. وأخبرني أنه كان يحب لعب هذا الدور، لدرجة أنه كان يترك أوقات مرحه عائدا إلى خيمتهم بين الفينة والأخرى للتأكد من زوال الشمس.

وإذ لا يمتهن أحد الحلاقة في الصحراء، فإن النساء هنا هن من يحلقن للرجال شعر رؤوسهم،. يبلل الرجل شعره بالماء من إبريق في الجوار، قبل أن تبدأ زوجته بتزيينه. قال لي محمد إنه كان يكره الحلاقة، خصوصا أنها كانت بدعوى الوقاية من القمل، بحسب والده، الذي كان يُبقي شعيرات في مؤخرة رأس ابنه، ذلك أنها تجلب البركة.

سألته: هل الناس هنا يلعبون؟ وما لعبتهم المفضلة؟ فقال: نعم يلعبون، ولعبتهم المفضلة هي كرة القدم. وعادة ما تكون اللعبة أشبه بالموقعة، إذ إن الهدف اختراق للحي الآخر في كرامته. وهناك ينال الفريق المهزوم التوبيخ من نساء الحي قائلات لهم: عجزتم عن رد كرة من الخِرَق عنا، فما بالنا إن جاء الأعداء. 

وتخشى النساء هنا على أبنائهن من مغادرة الخيام بعد غروب الشمس، إذ تعتقد أم محمد أن البقاء خارج الحي عقب الغروب، أو النوم قبيل المغرب يصيب المرء بالجنون، ذلك أن الشياطين تجول في هذه الفترة بحثا عن غافل أو ضائع يذهبون بلبه.

ويعتقد أهل الصحراء أن سقيا الأبقار من مياه الآبار أفضل من مياه الأنهار. فقد أخبرني صديقي أن عمه قال له يوماً إن الأبقار التي ترد الآبار أجود في الحليب، إذ إن مياه الأنهار ثقيلة وتصعب عليها الهضم.

ولتجهيز العروس هنا طقوس خاصة، إذ تُباع بقرتان لتجهيز خيمتها، وبقرة لزينتها، وثلاث بقرات وثور لمعاشها. أما العريس فيخطفه رفاقه ليلة الفرح حتى يدفع فدية يطلق نفسه بها، وعادة ما تكون عجلا سمينا. 

هنا، كان "إيكوفار"، وهو الاسم الذي يطلقه الطوارق على المحتلين الفرنسيين للصحراء، ويعني الكفار؛ يجبرون الأهالي على إلحاق أبنائهم في المدارس، تحديدا في تينبكتو. وكان ينبذ سكان الصحراء كل من دخلوا مدارس الاستعمار، فلا يجيز الأهالي السلام عليهم، لمفارقتهم الله، كما يعتقدون. 

وقد وجدت هنا فلسطين في قلوب الناس وعقولهم. فالشيء الوحيد الذي يعرفونه عنها أن اليهود استولوا على بيت المقدس منذ زمن بعيد، وأن المسلمين يعجزون عن استعادته بسبب تفوق الأعداء في القوة.

كانت هذه مشاهد متفرقة، صورتها لي رواية "طبيب تينبكتو" لمؤلفها عمر الأنصاري "محمد"، الذي ينهي روايته وهو يتنكب الصحراء بحثا عن صندوق ورثه عن والده، حيث يضم ما هو أكثر تفصيلا وأغنى قصصا عن تاريخ هذه الصحراء، التي تعد الحكايات فيها بعدد حبات رملها الأبيض.

موسى محمود الجمل
20 سبتمبر 2012

No comments:

Post a Comment