Tuesday, October 23, 2012

زيارة حلال.. زيارة حرام



زيارة حلال.. زيارة حرام

تخيلوا لو أن زيارة أمير قطر الشيخ حمد بن خليفة آل ثاني كانت إلى القدس، وليست إلى غزة، أعتقد أننا كنا سنشهد نفس التهليل الإعلامي، لكن لجهة رفض الزيارة، علما أن غزة والقدس احتلتا في العام ١٩٦٧، ومازالتا تحت الاحتلال وفق القانون الدولي والأمم المتحدة، رغم انبراء أقلام - تحت وقع وتأثير الزيارة- لا أعرف كيف تفتقت عقلياتها لتعلن أن غزة محررة.

أعتقد ألا فرق بين أن يزور أي مسؤول عربي جزءا من أرض محتلة، فتندلع جوقة التصفيق، وبين زيارة ثان قطعة أخرى من ذات الأرض المحتلة فتقوم الدنيا ولا تقعد تنديدا. حتى أن المفتين لم ينبسوا ببنت شفه ليقولوا لنا إن كانت زيارة أمير قطر إلى غزة حلال أم حرام، رغم أن وضعها السياسي والقانوني ينطبقان تماماً على القدس.

وقبل ثلاثة أشهر نفى محمود الزهار، وهو قيادي حمساوي معروف، نية حركته إعلان قطاع غزة جزءا محررا من الأراضي الفلسطينية عام 1967، إلا أنه أبقى على القول: "غزة محررة أمنيا وعسكريا من الاحتلال". كان الفلسطينيون سيغفرون له هذه السقطة السياسية إن صححها، لكنه أصر على تقديم تعريف جديد للماء!

وتلك أسئلة طرحت من قبل: هل يستطيع أي قائد سياسي أو عسكري فلسطيني أن يتجول في غزة بمأمن من الطائرات الإسرائيلية؟ هل تنعم غزة بمعابر تجارية مستقلة تكفينا مؤنة الحاجة إلى الأنفاق؟ من أين يأتي الوقود إلى محطة توليد الكهرباء في غزة؟ أليس من إسرائيل؟ من الذي يغرق غزة بالبضائع الإسرائيلية؟ أليست معابرها التجارية؟ حتى السمك في بحر غزة تحاصره إسرائيل؟ إذن، أين هي الأرض المحررة في غزة؟

وإن كانت غزة بالفعل محررة، وتتمتع باستقلالية الدولة، فلم لم يقم فيها الأمير الزائر بضع ليال في أحد فنادقها الشاطئية، بدل أن تكون الزيارة المعلنة "خاطفة". وحين يزور الأمير غزة، سيكون الجنود الإسرائيليون على بعد أمتار منه، وسيرقبونه بمناظيرهم التي لا تغفل حتى عن مراقبة حركة النمل في القطاع "المحرر".

إن ما يقوله السياسيون الفلسطينيون عن تحرير غزة، هو تماما ما ينشده الاحتلال الإسرائيلي، إذ يرى فيه تنصلا من مسؤولياته الأخلاقية والقانونية والسياسية بشأن أرض محتلة منذ 45 عاما، وهو غباء سياسي فلسطيني يصفق له الاحتلال بحرارة. وإن كان الأمر غير ذلك، فلم يحمل المسؤولون في غزة الاحتلال مسؤولية حصارها، وقصفها، وقتل أبنائها، وتدمير ممتلكاتها، طالما أنها محررة؟

وقد استغربت أيما استغراب من كتاب فلسطينيين شدوا رحال أقلامهم مرحبين بالزيارة لـ"الأرض المحررة". فقد كتب أحدهم يقول: "سنقول لأمير قطر، أهلاً وسهلاً بك على أصغر قطعة أرض فلسطينية حررتها المقاومة من أيدي الغزاة، أهلاً بأمير قطر على أرض غزة المحررة".

وفي مقال آخر رأى "الكاتب الدكتور" في غزة أنها القدس قائلا: "قد بات معروفاً أن من يزور غزة يا أمير، فكأنه قد زار فلسطين كلها". وبالفعل، هذا كشف جديد لم يسبقه إليه أحد! وإن كان زيارة غزة هي فعلا كذلك، فلو زار الأمير القدس دون غزة، هل ستعتبره حينها قد زار فلسطين كلها أيضا؟

ثم انبرى كاتب ثان، هو دكتور أيضا، أحسبه فقيها في القانون وحقوق الإنسان، إذ كتب تحت عنوان "أهلاً بالأمير" يقول: "واليوم يجيء إلى غزة أول زعيم ورئيس دولة عربي، امتلك من الشجاعة ما لم يمتلكه أي زعيم آخر باستقلال قراره وزيارة غزة، (...) وهو ما لم يجرؤ عليه زعيم عربي حتى الذين يدعون بشرعية تمثيل شعوبهم".

وقد كان معروفا في السابق أن الفلسطينيين رحبوا على الدوام بعدم جرأة الزعماء العرب في هذا الصدد. وظروف الأرض المحتلة، بما فيها غزة، لم تتغير بعد كي يحظوا بكل هذا الترحيب والتهليل. هذا الكاتب إذا ما أراد السفر عبر معبر بيت حانون "إيريز" فيلزمه تصريح إسرائيلي. فعن أي استقلال يتحدث؟

لا أريد أن أفسد فرحة المحتفلين بقدوم الضيف إلى غزة، وما تقوم به قطر من مساعدات إنسانية وعمرانية شيء يقدر لتلك الدولة الصغيرة. وإذ تمتد يدها للغزيين بالمساعدة، وما أحوجهم لها، فإن ذلك كله لا يجب أن يُعمي أعيننا عن حقيقة أن غزة بالمفهومين السياسي والقانوني مازالت محتلة، إلا إن أردنا لماكينتي السياسة والإعلام أن تخطبا بعكس ذلك.

موسى محمود الجمل
23 أكتوبر 2012

No comments:

Post a Comment