Tuesday, October 23, 2012

حج في زمن الثورة



حج في زمن الثورة

تتعدد ميادين الثورات، لكن للحج ميدان واحد، هو صحن الكعبة المشرفة. وإذا كان الناس يثورون من كل فج عميق باتجاه مكان واحد هو المركز، فإن للثورة فعلا عكسيا، إذ إن الثورة تلد أخرى، تماماً مثل فعل رمي حجر في مركز بركة ماء.
 والـ"حج" حرفان: طواف وسعي، والـ"ثورة" أربعة أحرف: أسقط كل منها زعيما في كل من تونس ومصر وليبيا واليمن في أقل من عام ونصف العام.

وللحج ثمن غال، ماليا وجسديا، لخصه رب العالمين في الاستطاعة. وإن كان شرط الحج الاستطاعة فإن شرط الثورة الإرادة.

وبينما ينتظر الحجاج تنحي شمس يوم عرفة للتحلل من الإحرام، ينتظر الثوار غروب رأس الظلم للتحلل من الفساد والاستعباد. فما الحج إلا ثورة على الذنوب.

وإن كان الحج في أيام معلومات، فإن الثورة لا ميعاد لها. وإن كان الحج في أيام معدودات، فإن الثورة مفتوحة على مصراعي المستقبل.

وللحج ميعاد يتكرر مرة في السنة يعلن فيه الحجيج الثورة على خطاياهم، أما الثورة فلا ميعاد لها، ولا يمكن توقعها، وإن انطلقت من الصعب معرفة توقيت انتهاء صلاحيتها.

وكما أن للثورة انتصارات وضحايا، فإن للحج انتصارات تتمثل في المغفرة المرجوة من الخالق، أما ضحاياه فهي الذنوب التي تقتلها سيوف الاستغفار على مذبح التوبة.

وإن كانت الأضاحي تنحر في الحج تقربا لله، الحجيج هم صانعوها، فإن الثورة تقدم ضحايا بالمئات على مذبح التغيير، يتقرب بها الثوار للوطن للانعتاق من الطغاة.

وإن كانت أداة الحجاج في رجم إبليس الحصى، فإن رجم الطغاة في ميادين الثورات هي الأحذية. وفي الحج تعانق التلبيات المآذن، وفي الثورة تعانق هتافات الثوار المآذن والأجراس معا.

وإذ يرفع الحجاج شعار التلبية للخلاص من ديكتاتورية المعاصي في ميدان واحد، هو صحن الكعبة المشرفة، شاهدنا وسمعنا كيف يلهج الثوار بالتكبير أملا في التخلص من ديكتاتورية بني البشر في ميادين عواصم عدة.

وبينما يكون اللباس الأبيض سمة توحد الطوافين حول الكعبة، فإن هذا اللون لا يرفعه الثوار إلا حين تحتدم المعركة في مواجهة حاكم ظالم كرمز للاستسلام لله، لا هروبا من قدره.

وحين يتعمد الحجاج تثوير مشاعرهم لتتصل بأهداب عرش الرحمن، يترقب الثوار خبوء مشاعر الغضب لتندلع بعدها مشاعر السعادة بالنصر المرتقب.

موسى محمود الجمل
23 أكتوبر 2012

No comments:

Post a Comment