Friday, October 26, 2012

الفكاكة السياسية


الفكاكة السياسية
                                ... بتفخيم الكاف

تنويه: علماء الفلسفة لم يجدوا بعد تعريفا للفكاكة.

من أتفه الأسئلة التي توجه إليّ على الدوام، إذا ما عرف أحدهم أني فلسطيني: هل أنت فتح أم حماس؟ وعلى الفور ينتابني شعور غريب تختلط عليّ فيه الأفكار في كيفية الرد على من يفاضل بين تبني الأيديولوجيات السياسية المعقدة، أو الأخذ ببعضها، أو حتى تركها كلها، تماما كمن يطرح السؤال التالي: هل تحب عصير المانجا أم عصير الجوافة؟

البعض يحسم قراره فيّ بمجرد أن يعرف أني من غزة: فيقول بضحكة بلهاء: أنت حماس أكيد! وهذا ما يسمى في العلوم السياسة اصطلاحا "الفكاكة". والفكاكة يا أصدقائي هي أن يتفلسف متفلسف على جوقة فلاسفة فيدخل في الفلسفة ما لم يأت به أعتاهم، فيختلط الأمر على الفلاسفة ويتساءلون: هل هذه فلسفة جديدة، أم كنا عن هذا غافلين؟ ثم ينشغلون في وضع تعريف جديد للفلسفة.

ولأن الفلسطيني هو خليط من الهجرة المصحوبة بالاستقرار، الانتفاضة المهشمة بأكاذيب التأييد، الانتصار المرافق للهزيمة، الحياة المتشبثة بأهداب الموت، السعادة المنتشية بالمعاناة؛ فإنه يجد من الصعوبة تعريف نفسه، فكيف يتبرع الآخرون بتعريفه، وبهذه السهولة المذهلة؟ ألا يكفي الفكيك كل هذه التناقضات في الفلسطيني ليخفي جرأته، ويخجل من سؤال الأيديولوجيا والانتماء؟!

يسألك أحدهم، وأحدهم هذا مثله كثيرون:
-         هل الضفة الغريبة بعيدة عن غزة؟
-         ثان يسأل: هل القدس بعيدة عن نابلس أو رام الله؟

وبعد أن تجيب الأول عن سؤاله وتشرح له هول رحلة الغزي إلى الضفة وصعوباتها، يسألك من جديد:

-         هل زرت القدس في حياتك؟

وهذا سؤال بالنسبة للفكيك في صميم الأيديولوجيا، وليس في جغرافيا الحواجز.

ثم يحاول ثالث أن يتقمص شخصية الثوري حين يعرف أنك فلسطيني فيقول مستهجنا: إسرائيل بنت كلب؟! ويردف: لقد نظمنا العديد من التظاهرات تنديدا بالهجوم المتكرر على المسجد الأقصى، وعقدنا الكثير من الوقفات الاحتجاجية تضامنا مع الانتفاضة الأخيرة. وهذا نشيد يُسمعه كل عربي للفلسطيني مجاملة.

الغريب أن الفكيك لا ينتظر منك ردا على قاله للتو، وهو لا يعرف أيضا أن كل هذه الأناشيد لا تعني لي شيئا، فالفكافكة يطرحون الاستفسارات ويجيبون عليها في نفس الوقت بتلاوة التراتيل السطحية المعروفة. ثم يدهمك بسؤال جديد:

-         ما الفرق بين المسجد الأقصى وقبة الصخرة؟
-         أعود لجوابي الأول: مثل الفرق بين عصير المانجا وعصير الجوافة! فيرد بفغر فاه!

قد يبدو كل ما سبق فكاكة مشروعة، وإن بدت غريبة، لكن إليك ما هو أغرب حين يسأل أحدهم: هل اللاجئون الفلسطينيون في غزة مازالوا يعيشون في الخيام منذ الهجرة في العام 1948؟

أراود نفسي عن الإجابة:
أأرد لا أرد؟
أرد لا أرد؟
أرد لا أرد؟

ثم أقرر أن أرد بسؤال:

-         أين كنت تعيش قبل أن تهاجر إلى هنا؟
-         في القاهرة.
-         كم مكثت فيها؟
-         طوال حياتي، فلم أغادرها إلا حديثا؟
-         أين كنت تسكن في القاهرة بالتحديد؟
-         في الزمالك.

وبأريحية كبيرة لا أدري كيف تتملكني أقول:

-         مخيمات اللاجئين في غزة هي بنفس كثافة حي الزمالك، لكن الزمالك أكبر قليلا.

مرة أخرى، يفغر فيه، لكن بفتحة أوسع هذه المرة.

يَحْرِفُ الفكيك النقاش قليلا قائلا:
-         مشكلة فلسطين في الانقسام بين فتح وحماس؟

وهذه خلاصة فكيكة تنم عن جهل لا متنهاه بالشأن الفلسطيني، وتخبرك كم أن قضايا الخلاف بين الفصائل الفلسطينية التي تراكمت مؤخرا تعمي ليس أهلها فقط، بل مراقبوها من الخارج، وبسذاجة منقطعة النظير عن جوهر القضية. إذ إن الفكيك لا يحاول الفهم، أو التحليل المنطقي استنادا إلى التراكمات التاريخية للقضية، بل يكتفي بالبناء على آخر تطور في المضوع الفلسطيني، وبالتالي يسحب من صندوق الأحكام واحدا ويرميه في وجهك، ليريح عقله عناء التفكير في فكفكة تناقضات المشهد.

في لحظة ما تشعر بالألم والأسى والغضب والحسرة والندم حد "القرف" من كلام الفكيك. نعم تشعر بكل هذا دفعة واحدة في لحظة تتشح ملامحه هو بذهول واضح، يزيد من اختلاط الأمر عليك أكثر من ذي قبل، فترأف بحاله، بل وبحالك، وتنسحب.

تمر أشهر عدة، ويحدث أن يصادفك فكيك حدث مرة أن ناقشته في الموضوع الفلسطيني. لكن هذه المرة كان رفقتي صديق. بعد ان تبادلنا التحايا سأل الفكيك صديقي:

-         من أين أنت؟
-         من غزة.

ثم علت وجهه ضحكة بلهاء، هي ذاتها التي قابلني فيها أول مرة، وسأل صديقي هذا السؤال:

-         هل تحب عصير المانجا أم عصير الجوافة؟

فرد عليه صديقي بتوتر:

-         أنا .. أنا .. لا .. أنا، لا حماس ولا فتح!
موسى محمود الجمل
26 أكتوبر 2012

No comments:

Post a Comment