Friday, November 30, 2012

أدعية تشبه الأعاصير


أدعية تشبه الأعاصير
علا ضجيج صاخب في مواقع التواصل الاجتماعي، منذ أن بدأ الإعصار ساندي بضرب ولايات الساحل الشرقي للولايات المتحدة.
هذا الضجيج محوره الدعاء على الأميركيين بالهلاك، والدمار، والتشرد. وقرأت في أكثر من مكان الدعاء الشهير: اللهم يتم أطفالهم، اللهم رمل نساءهم، اللهم جمد الدماء في عروقهم، اللهم لا تبق منهم ولا تذر.
وهذا الدعاء له رديف ضد اليهود يطلقه خطباء في صلاة الجمعة من على المنابر أسبوعيا، بنفس الكلمات، ونفس ترتيب الجمل، ولا يسأل أي من الخطباء نفسه: ما ذنب يهود العراق واليمن والمغرب ومصر، وكلهم عرب؟
وفي هذا الموضوع تحديدا، يقول يوسف القرضاوي، رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، في كتابه "خطابنا الإسلامي في عصر العولمة": "لا يجوز الدعاء على إهلاك اليهود، لأن هناك يهوداً ونصارى يعيشون في بلاد المسلمين لا ذنب لهم، كما أن بعض اليهود ضد إسرائيل وضد قيام الدولة الصهيونية". ويقترح القرضاوي أن يكون الدعاء في خطبة الجمعة على النحو التالي: "اللهم عليك باليهود الغاصبين الظالمين، أو بالصهاينة".
في الخامس والعشرين من أكتوبر الماضي أطلق علماء أزهريون صيحة ترفض التعميم في الدعاء على اليهود بالمساجد، ووصفوا الأمر بأنه "مكروه وغير مقبول شرعاً"، وطالبوا خطباء المساجد بقصر الدعاء على الظالمين فقط من دون تعميم.
كان هذا رأي الدين في الدعاء على اليهود ومن والاهم. لكن تصوروا لو أن الله استجاب لهذا الدعاء على الأميركيين، فيتم ورمل وجمد، فمن يا ترى سيشغل شبكة الإنترنت في اليوم التالي؟ من سيتنبأ بوقوع الزلازل والأعاصير؟ من سيصدر لنا التكنولوجيا؟ من سيدير غوغل؟ من سيبث الروح في فضائياتنا التي تعمل بأقمارهم الصناعية؟ من سيشغل شبكات اتصالاتنا وسيجعل هواتفنا ترن؟ من؟ .. ومن؟ .. ومن؟
أعرف أن الولايات المتحدة لا تحتاج للعبد الفقير للدفاع عنها، ولا حتى للعرب، أو المسلمين كلهم. لكن لا أدري كيف أُوحي للبعض بأن إعصار ساندي لم يكن إلا عقابا لأمريكا بسبب دعمها اللامحدود لإسرائيل، علما بأن الوحي قد انقطع بعد وفاة النبي محمد صلى الله عليه وسلم!.
ولك أن تتخيل لو أن أميركا أرادت معاملتنا على دعائنا عليها بالمثل، لما باعت لنا جهاز آيفون واحدا، ولما صدرت إلى بلاد العرب والمسلمين أجهزة آيباد، ولحجبت عنا استخدامات التكنولوجيا المتعددة، ولكان الإنترنت حلم ما زال يراودنا. الآن، نحن ندعو عبر كل هذه الوسائل وغيرها بأن يمحق الله مخترعيها، من دون أن ندري بأن هذا دعاء لسحقنا نحن أيضا.
لك أن تتخيل أيضا، أيها المبتهل إلى الله، أن يصيب دعاؤك أميركيا مسلما؟ أعرف أنك قد بدأت للتو في تصميم دعاء جديد بصياغة مبتكرة تخرج مسلمي أميركا من دائرته! لكن لا أعرف سر ترددك في حياكة دعاء مماثل على مقاس اليهود تخرج به عربهم من دائرة أدعيتك الواسعة؟!
وإذا أردنا الغزل على المنوال نفسه، واعتبرنا أن الإعصار ساندي ابتلاء من الله، أوليس منع القطر من السماء الذي تعاني منه غالبية الدول العربية منذ سنوات ابتلاء من الله أيضاً؟ أليس الجفاف الذي يضرب أراضينا ويدمر محاصيلنا، ويجعلنا نستورد حتى خبزنا وعلف ماشيتنا، ابتلاء من الله؟
أليس ما يشق صفوف المسلمين والعرب حاليا، من انقسامات سياسية، أكثر تدميرا للأمتين من إعصار ساندي؟ ألسنا- نحن المسلمين- من تطيحنا أعاصير الطائفية والمذهبية: سنة وشيعة وصوفية وسلفية وسلفية جهادية وقاعدة وإخوانا مسلمين وأنصار الله والجهاد والتوحيد والتكفير والهجرة، وفرقا ومجموعات على اسم كل نبي، ما أنزل الله بها من سلطان. هل يا ترى كل هذا هو نتاج أدعية الأميركيين علينا في الكنائس أيام الآحاد؟
عزيزي المبتهل إلى الله بتدمير أميركا، فكر قليلا قبل أن تدعو، فقد يصيبك جزء من الدعاء أو كله من دون أن تدري، حينها تتحقق فيك آية الله بوصفك ممن لا يعقلون، فتصبح على ما فعلت من النادمين.
موسى محمود الجمل
10 نوفمبر 2012

No comments:

Post a Comment