Friday, November 30, 2012

تهدئات إسرائيل وحماس.. التقاط للأنفاس



تهدئات إسرائيل وحماس.. التقاط للأنفاس

لم تكن التهدئة بين حركة حماس وإسرائيل، التي دخلت حيز التنفيذ ليلة الخميس، الأولى من نوعها بين الطرفين، فتاريخ التهدئات بينهما مفتوح على مصراعيه منذ زمن، فما أن تبدأ واحدة حتى تخترق، ليبدأ الحديث عن ثانية، يأخذ الطرفان بينهما استراحة محارب في ما يشبه التقاط الأنفاس.

وفي كل مرة كانت تبرم إسرائيل تهدئة مع حماس - برعاية ووساطة مصرية في معظم الأحيان - يكثر الحديث عن الضمانات، إلا أن أحدا من الرعاة أو الحلفاء لأي من الطرفين لم يضمن يوما صمود مثل هذه التهدئات التي بقيت في كل مرة تتأرجح على خيط رفيع من التوتر.

وتدرك إسرائيل ومعها حماس أن التهدئة عمل ميداني مؤقت، ليس له أبعاد سياسية يمكن البناء عليه لاحقا، وهذا ما بدا واضحا في طريقة اللعب على المصطلحات بين الطرفين على مدار تاريخ حديثهما عن هذه الحالة من الرغبة في الهدوء أو الاستقرار، إن كان مؤقتا أو دائما.

فمن الناحية السياسة، تعد الهدنة مفهوما سياسيا مشروطا بفترة زمنية طويلة الأمد، أما التهدئة فهي أقرب إلى مصطلح وقف إطلاق النار، وهو عمل مؤقت تقتضيه ضرورات المعركة لإعادة ترتيب الأوراق من جديد، وهذا ما نجحت في تحقيقه إسرائيل وحماس في التهدئة الأخيرة، استعدادا –على ما يبدو- لجولة تصعيد جديدة.

وتاريخا، طرح مؤسس حركة حماس الشيخ أحمد ياسين في العام 1988، إمكانية عقد "هدنة" -وليس تهدئة- مع إسرائيل إن انسحبت الأخيرة من الأراضي المحتلة، بما يمكن الفلسطينيين من "إقامة دولة كاملة السيادة". إلا أن هذا الطرح ظل يراوح مكانه دون أي شرح أو تفصيل.

وجاء الطرح الثاني في العام 1996، في ذروة العمليات التفجيرية التي شنتها في حينه حركة حماس داخل المدن الإسرائيلية، واستهدفت عشرات الحافلات والمطاعم وتجمعات الجنود، ردا على اغتيال المهندس في كتائب القسام يحيى عياش. وقد تحدث عن "الهدنة" آنذاك رئيس المكتب السياسي للحركة موسى أبو مرزوق.

ومع اندلاع الانتفاضة الثانية في سبتمبر عام 2001، كثر الحديث عن "تهدئة"، وبدأ اللعب على جملة من المفردات الجديدة بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية تحديدا أبرزها: وقف إطلاق النار، تهدئة مؤقتة، تهدئة مشروطة، هدنة بمقابل، حالة هدوء. إلا هذه الفترة الممتدة من 2002 إلى 2006 شهدت موجات شد وجذب تخللها فترات هدوء في المواجهة، في الغالب لم تصمد طويلا.

وتجدد الحديث عن "هدنة طويلة الأمد" مع إسرائيل بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية الفلسطينية عام 2006، حينها كررت الحركة وفي أكثر من مناسبة، وعلى لسان رئيس مكتبها السياسي خالد مشعل، استعدادها للدخول في "هدنة طويلة الأمد مع إسرائيل تستمر 20 عاما، مقابل اعتراف دولي بدولة فلسطينية على الأراضي المحتلة عام 1967".

وبعد سيطرة حماس على قطاع غزة، منتصف عام 2007، وما حمله ذلك من هَم إداري وسياسي ثقيل للحركة، ورغبة منها في توفير العيش الكريم لسكان القطاع، أصبحت التهدئة أمرا ضروريا وليست ترفا سياسيا، ودخلت حماس مع إسرائيل في ما يشبه "التهدئة غير المعلنة"، امتصت خلالها حماس كل محاولات إسرائيل لاستفزازها، وفي الوقت نفسه، منحت الحركة فرصة ثمينة لتعزيز بنيتها العسكرية.

وعقب العملية العسكرية الإسرائيلية على قطاع غزة المعروفة باسم "الرصاص المصبوب" نهاية 2008 بداية 2009، عاشت غزة على مدار أكثر من ثلاث سنوات ونصف السنة ما يشبه "التهدئة غير المعلنة" بين إسرائيل وحماس - وإن تخلل هذه الفترة موجات تصعيد متفاوتة في حدتها – إلى أن كسرتها إسرائيل مؤخرا باغتيال أحمد الجعبري نائب قائد كتائب القسام، الجناح العسكري لحركة حماس.

من المؤكد أن التهدئة الجديدة ستبقى "هشة" على غرار سابقاتها، إذ إن فوهات المدفعيات الإسرائيلية على حدود القطاع مازالت موجهة نحو غزة، وهو ما يشي بأن أي استفزاز على طرفي الحدود قد يحرك دبابات إسرائيل للبدء في عملية برية جديدة، بعد أن "عاقبت غزة جويا" على مدار ثمانية أيام.

هذه التهدئة ستصمد، ربما أسابيع وربما أشهرا، لكن عقدها سينفرط يوما ما، وهذا ما تدركه إسرائيل وتعرفه حماس، خاصة وأنهما طرفا نقيض في معادلة الاحتلال والمقاومة، وهما خطان لم يلتقيا يوما.
موسى محمود الجمل
22 نوفمبر 2012

No comments:

Post a Comment