Friday, November 30, 2012

من يُنزل نتانياهو عن الشجرة؟



من يُنزل نتانياهو عن الشجرة؟
أظهرت صور بثتها قنوات تلفزة إسرائيلية سكان جنوب إسرائيل وهم يسبوّن رئيس وزرائهم بنيامين نتانياهو، أثناء اختبائهم داخل أنابيب صرف صحي خرسانية، في ما يشبه الملاجئ، هربا من صواريخ فصائل المقاومة الفلسطينية التي لم تتوقف عن استهداف مناطقهم منذ ثلاثة أيام. هؤلاء الإسرائيليون - على الأرجح - لن يجددوا الثقة في نتانياهو رئيسا للوزراء في يناير 2013.

في السياق ذاته، طالبت شقيقة أحد الجنود الإسرائيليين قيادة الجيش بتسريح شقيقها من الخدمة في أحد المواقع العسكرية قرب حدود غزة خوفا على حياته، وقالت: "فقدت أحد أفراد عائلتي في مواجهة سابقة، ولا أريد أن أفقد شقيقي في هذه المواجه. قيادة الجيش لا توفر أماكن محصنة للاختباء أثناء سقوط الصواريخ، ويطلبون من الجنود الاختباء داخل حمامات القاعدة العسكرية. لقد تركوهم هناك ليتم اصطيادهم مثل البط". هذه الإسرائيلية، ومثلها العشرات - على الأرجح - لن ينتخبوا نتانياهو في يناير المقبل.

وعلى القاعدة الانتخابية الإسرائيلية "اضرب وفز"، شن شمعون بيريس، رئيس الوزراء وزير الدفاع في العام 1996، هجوما واسعا على جنوب لبنان في عملية عسكرية أطلق عليها "عناقيد الغضب"، ارتكب خلالها مجزرة في قرية قانا راح ضحيتها 118 لبنانيا، كانوا قد لجأوا مع مئات آخرين إلى إحدى مقرات القوات الدولية "يونيفل" للاحتماء من القصف الإسرائيلي. في العام نفسه، أعطى بيرس أوامره باغتيال المهندس يحيى عياش، أحد القادة البارزين في الجناح العسكري لحركة حماس. إلا أن هاتين العمليتين لم تشفعا لبيرس للفوز في انتخابات عام 1996، وخسرها أمام نتانياهو، والذي يقتفي الآن - على ما يبدو - خطوات بيرس.

ولأن نتانياهو يريد فوزا ساحقا في الانتخابات المقبلة، اعتقد أن اختيار صيد ثمين مثل أحمد الجعبري، سيقنع الناخب الإسرائيلي، وبضربة قاضية، أنه الأحق برئاسة الوزراء طالما أنه يستهدف "إرهابيين فلسطينيين" من العيار الثقيل، ويحقق للإسرائيليين الأمن المفترض. إلا أن هذه اللعبة السياسية باتت لا تنطلي على الإسرائيليين، الذين مازالوا يعانون من صواريخ غزة منذ أكثر من 10 سنوات، تعاقبت خلالها ثلاث حكومات إسرائيلية رأسها على التوالي شارون، أولمرت ونتانياهو، ولم يفلح أي منهم في وقف الصواريخ.

ويبدو نتانياهو الآن كمن صعد على شجرة، ويبحث عمن ينزله عنها. فالمؤسسة العسكرية الإسرائيلية وعلى رأسها نتانياهو لم تتوقع أن تكون ردة فعل المقاومة الفلسطينية إلى الحد الذي تصل فيه صواريخها أطراف تل أبيب. كان نتانياهو يريدها "عملية جراحية بسيطة" على الصورة التالية: ضرب قيادات حمساوية، تدمير منصات الصواريخ، إعادة الهدوء - ولو قليلا - إلى جنوب إسرائيل، وتلقين حماس وفصائل المقاومة درسا في القدرة على الردع.

إلا أن الأمور تطورت على غير ما رسمت إسرائيل، فقد تدحرجت كرة النار لدرجة أن بلدات جنوب إسرائيل أمطرت بصواريخ أكثر من ذي قبل (200 صاروخ في يومين). أكثر من ذلك، فقد أصبحت تل أبيب في مرمى الصواريخ الفلسطينية للمرة الأولى منذ بدء إطلاق الصواريخ على إسرائيل. إذن، العملية التي أطلقها الجيش الإسرائيلي ضد غزة باسم تحقيق الأمن، لم تؤتِ أكلها.

وحين تندلع الحرب باسم الأمن يكثر الحديث عن الاقتصاد. إذ تشير تقديرات إسرائيلية إلى أن كلفة يوم حرب واحد على غزة تكبد الاقتصاد الإسرائيلي 1.5 مليار شيكل (حوالي 379 مليون دولار أميركي)، وأن كلفة إسقاط صاروخ واحد بمنظومة القبة الحديدية الإسرائيلية يتراوح ما بين 9-17 مليون شيكل (حوالي 2.2 - 4.2 مليون دولار أميركي)، كما أن كلفة كل ساعة طيران حربي فوق غزة تقدر ما بين 200 إلى 250 ألف شيكل (50.5 ألف-63 ألف دولار أميركي). ناهيك عن تعطل المدارس والجامعات والمرافق الحكومة والمواصلات والأسواق، وهذه كلها أشياء تتعلق مباشرة باستتباب الأمن، الذي تشن إسرائيل حربا على غزة باسمه هذه الأيام.

هذا الأمن لم يتحسن، بل تدهور أكثر فأكثر على مدار السنوات الماضية، بفعل تطور الصواريخ الفلسطينية. فقبل 10 سنوات لم تكن حماس تمتلك صاروخا واحدا، ورغم توالي العمليات الإسرائيلية ضد قياداتها وبناها التحتية العسكرية خلال الفترة نفسها، فإن صواريخها باتت تصل مسافات لم تكن تبلغها في السابق.

وأمام الموقف المصري من الهجوم على غزة، والتحرك العربي السريع باتجاه مجلس الأمن، وردة فعل المقاومة بهذه القوة هذه المرة؛ لا أتوقع أن تذهب إسرائيل بعيدا في هجومها الحالي على غزة، وستبقي على العملية "خاطفة" بقدر الإمكان لتجنب تورطها في إطالة أمد المعركة، وذلك لضيق مساحة المناورة في ظل الضغوط المحيطة بإسرائيل، أقلها زيارات مسؤولين عرب كثر مؤخرا إلى غزة، وذروتها تعاظم الدعم العربي الشعبي لغزة في مواجهة إسرائيل.

الحديث يدور الآن في المؤسسة العسكرية الإسرائيلية، وفق ما نقلت الصحافة الإسرائيلية، عن امتصاص ردة فعل الفصائل الفلسطينية، لأن سقوط مزيد من الضحايا في الجانب الإسرائيلي تحديدا، سيدفع نتانياهو إلى توسيع العملية لإرضاء جمهوره، وهو ما لا ترغب فيه المؤسسة الأمنية، في الوقت الراهن على الأقل.
موسى محمود الجمل
16 نوفمبر 2012

No comments:

Post a Comment