Friday, November 30, 2012

ثورة حتى النصر.. مفاوضات حتى الدولة


ثورة حتى النصر.. مفاوضات حتى الدولة


أجمل نص ذاك الذي يريد له الآخرون الحذف، وهذا واحد منها..
يذهب رئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس إلى الجمعية العامة للأمم المتحدة للحصول على "دولة غير عضو بصفة مراقب"، ولسان حاله يقول: "جئتكم والدولة في يد، والمفاوضات في يد، فلا تسقطوا المفاوضات من يدي". وهذا خطاب في المفاوضات له رديف قاله الرئيس الفلسطيني الراحل ياسر عرفات أمام الأمم المتحدة عام 1974: "جئتكم والبندقية في يد، وغصن الزيتون في يد، فلا تسقطوا الغصن الأخضر من يدي". وهذا خطاب آخر، لكن في الثورة.

واتضحت المسافة أكثر بين الثورة والتفاوض لدى الرجلين بعد وفاة الزعيم الفلسطيني ياسر عرفات في نوفمبر ٢٠٠٤، حين كان السؤال الأكثر تردداً وإلحاحا في الشارع الفلسطيني: "من سيلبس الكوفية؟". وهذا السؤال الذي ينطوي على دلالات سياسية كثيرة بقي بلا إجابة، إلا أن أخبرتنا الوقائع مع الوقت حجم هذه المسافة بين أبو عمار "الثائر" وأبو مازن "المفاوض".

فلم تكن كوفية أبو عمار وبزته العسكرية اللتان لم يخلعهما يوما تراثا فلسطينيا فحسب، بل رمزان سياسيان مهمان لهوية الثائر المتأهب لعدوه دائماً، حتى وإن أبرم معه اتفاق سلام. وعلى النقيض، أخذ أبو مازن من السياسة دبلوماسيتها وأناقتها المعروفة في ربطات العنق والبزات الباريسية الأنيقة. هذا التغير في اللباس من "الثوري" إلى "الدبلوماسي" طرح كثيرا من رمزية القضية الفلسطينية باعتبارها ثورة ضد محتل، وأعطى لها شكلا جديدا مهادنا ليس من بين اكسسواراته البندقية.

ولم يقتصر الاختلاف بين الرجلين على لبس الكوفية أو خلعها فحسب، بل حتى أنه على مدار تاريخ النضال الفلسطيني لم يشاهد أبو مازن وهو يحمل سلاحا، كما لم تلتقط له صورة واحدة ببندقية. بخلاف أبو عمار الذي كان لا يفارقه مسدسه الشخصي. ولم يكن أحد يعرف أن هذا السلوك لدى الرجل الثاني في منظمة التحرير بداية تأصيل لتوجه سياسي سيتطور لاحقا في شكل "رفض عسكرة الانتفاضة الثانية" التي اندلعت في سبتمبر ٢٠٠١، ومن ثم الدخول في مفاوضات مع إسرائيل لم تتوقف ولم تنته -رغم أنها لم تحقق شيئا- دون أن يكون مطروحا على طاولتها أي خيار للمقاومة.

وهكذا أخذ أبو مازن من يد عرفات غصن الزيتون، وغض الطرف عن البندقية التي كانت في يده الأخرى، ولم يتورع عن مهاجمتها في أكثر من مناسبة، إذ لم يتوان عن وصف صواريخ فصائل المقاومة التي تطلقها على إسرائيل بأنها "كرتون وألعاب نارية، ومواسير مجاري"، فيما كان أبو عمار لا يبخس قيمة أي رصاصة تطلق على المحتل الإسرائيلي.

والتصقت بأبي عمار مثل ظله عبارة: "الجميع يختلفون معه لكنهم يتفقون عليه"، وكانت هذه العبارة تتردد كثيرا في معرض الحديث عن اختلاف رؤى الفصائل مع رؤى عرفات في طريقة إدارة الصراع مع إسرائيل، وكانت حماس واحدة من الفصائل التي ردد قادتها وفي أكثر من مناسبة: "نختلف معه ولا نختلف عليه".

لكن أبو مازن اختلف الجميع معه، واختلف الكل الفلسطيني عليه. وجاء الخلاف الأول معه من داخل فتح نفسها. فهو من أطلق حملة لجمع سلاح المقاومين في الضفة الغربية ودمجهم في الأجهزة الأمنية الفلسطينية بعد توليه الرئاسة في يناير 2005، الأمر الذي شق صفوف كتائب الحركة، وتشرذمت إلى مجموعات متفرقة لا رأس لها.

وفي عهد أبو مازن أيضاً أصبحت فتح "فتوحات"، ولأول مرة بتنا نعرف لكلمة "فتوحات" معنى للتشرذم لا الانتصار. فهناك فتح الضفة وفتح غزة وثالثة في الشتات. وفي كل فتح من هؤلاء تجد فتوحات أخرى أصغر يلتف عناصرها حول شخصية بعينها، سواء أكانت من الحرس القديم أو الفتحاويون الجدد. وفي كل مرة يندلع الحديث عن خلافات فتح يعلو الصوت قليلا بالشعار: "فتح عصية على الانشقاقات".

وعلى مدار سنوات الانتفاضة الأولى الست ارتبط اسم حركة فتح بشعار "ثورة حتى النصر"، وكانت بيانات الحركة آنذاك وكذلك كل خطابات أبو عمار تذيل بهذا الشعار الشهير. وظل هذا الشعار يتردد في الأوساط الفتحاوية إلى حين توقيع اتفاقية أوسلو عام ١٩٩٣، ليختفي قليلا قبل أن يعود على لسان عرفات مع اندلاع الانتفاضة الثانية في العام ٢٠٠١، ولكن بعبارة أخرى أكثر عملية اشتهر بها الرجل: "على القدس رايحين شهداء بالملايين".

في المقابل، فإن اسم أبو مازن لم يرتبط يوما بأي شعار ثوري، أو ثيمة ما أن تُذكر حتى يذكر معها اسمه. ومنذ مجيئه إلى السلطة لم نسمع منه سوى كلمتين: مفاوضات ودولة. وإن كان سلفه أبو عمار يحركه شعار "ثورة حتى النصر"، فإن خلفه أبو مازن يشبهه كثيرا شعار "مفاوضات حتى الدولة".

موسى محمود الجمل
30 نوفمبر 2012

8 comments:

  1. اختلف معك واتفق في نقاط كثيرةولكن حماس عمرها ما اتفقت مع ابو عمار وعمره ما كان عجبها, والانتفاضة الثانية اندلعت في سبتمبر 2000وليس 2001

    ReplyDelete
    Replies
    1. الاختلاف والاتفاق سنتان من الحياة يا صديقي. شكرًا لك على التصحيح.

      Delete
  2. ولا الثورة حققت النا اي نصر ولا المفاوضات حتجيبلنا دولة ولا صواريخ حماس العبثية راح تحققلنا اي شي غير الدمار والحرب وهدا حال المقاومة والدبلوماسية الفلسطينية من فشل إلى أفشل

    ReplyDelete
    Replies
    1. إذا ما الحل برأيك؟

      Delete
    2. هم وراهم أمريكا والاتحاد الأوروبي وروسيا وحلفاء وحلفاء ، ونحن مش عارفين نلم شوية دويلات حتى على الورق وفي القمم العربية بنخاف نوقع على أي دعم أو تضامن شكلي. (بدك زلام)

      Delete
  3. صرت تكتب كثيرا مؤخرا فغاب ابداعك, غب قليلا وعد إلينا بمقال من عيار "كنت في ألمانيا" أو "الناس في دبي وضواحيها"

    ReplyDelete
    Replies
    1. هناك نصوص صحفية أكتبها للموقع في العمل وهي عبارة عن تحليل للأحداث الجارية، لذا لابد أن تكون بسيطة في اللغة وليست فلسفية أو عميقة لأن الجمهور مختلف. وأنشرها هنا من أجل الأرشفة.

      Delete
  4. اشكرك جزيل الشكر على المقال الرائع

    اعتقد ان الانسان بفطرته يعلم ان الحقوق لا توهب بل تنتزع انتزاعاً وان طريق البندقية الذي سار عليه ابو عمار وغيره من المناضلين هو الدرب الوحيد لعودة فلسطين الى أصحابها

    ReplyDelete