Monday, December 10, 2012

الضحك في زمن التكنولوجيا


الضحك في زمن التكنولوجيا

      ... وكانت البداية حين أرسلتُ قُبلة لذاك الطفل عبر سكايب، فلم يلقِ لها بالا، وظل منشغلا بألعابه، وكأنه كان يعرف أنها مصطنعة ولن تطبع على خده الطري، ولما كانت بالفعل كذلك اصطدمت بلوح الآيباد الصلد، قبل أن تسقط على المكتب وتتكسر.

الأمر ذاته يحدث حين ننيب جملتين بليدتين مليئين بأخطاء الزمن وركاكة إملاء الروح للتعبير عن مشاعرنا على صفحة أحدهم في فيسبوك أو تويتر، فتصطادهما شبكة عنكبوتية عادة ما تهوي بهما في بحر عرم مليء بأشباه جُمل لا تقوى إلا على حمل أنصاف مشاعر أو أرباع أحاسيس للآخرين.

يتكرر المشهد حين ننتدب أصواتنا عبر الهاتف للتعبير عن أحزاننا بفقيد لنا، ثم نتساءل: ما فائدة حرارة الهاتف ما لم تنقل حرارة الحزن أو مرارة الأسى؟ نغلق الهاتف. نسترخي للحظات، ثم نخرج للتسوق، وما أن ننتهي نذهب إلى السينما للوقف على المشهد السابق، لكن من وراء شاشة عملاقة هذه المرة.

لاحقا تطور المشهد، لدرجة أننا صرنا نتبادل الضحكات مع أجهزة جامدة، فالضحكات تسقط منا في كل مكان، فهي تتكسر على أرصفة الطرقات، وتدوسها أقدام المسافرين في محطات انتظار الحافلات والقطارات، وتتناثر في أروقة الأسواق التجارية الضخمة. وهكذا تبقى الضحكات يتيمة تفترش جنبات الطرق، وتبحث عن ابتسامة في وجه أم، أو انفراجة في أسارير أب، تؤنس عليها وحشتها.

وسأبقى أذكر تلك الفتاة التي جلست نحو نصف ساعة وهي تجري بأناملها على مفاتيح جهازها المحمول. تنتهي من الركض، تتوقف لحظات، وما أن تسمع طنين هاتفها، وتقرأ الرسالة حتى تدخل في موجة من الضحك. تنطلق بأصابعها من جديد على لوحة المفاتيح بسرعة أكبر هذه المرة. تخفت الضحكة ولا تغادر الابتسامة محياها، وكأنها تعد لضحكة أعرض. ومن كثرة ما ضحكت خُيل لي لو أن الضحكات تنفد، لكان هذا الموقف كافيا كي يصبح رصيدها من الضحك صفرا.

حتى حين نجلس مع بعضنا بعد طول غياب ولوعة افتراق، لا نكترث كثيرا للتعبير عن اشتياقنا للآخرين بقدر ما ننشغل طوال الجلسة بتقليب شاشات هواتفنا الذكية. وفي كل مرة تريد الحديث مع أحد الجلساء تحتاج إلى تنبيهه، فيستوقفك: انتظر لحظة، أريد أن أرسل هذه الرسالة. وهكذا، لم تفشل التكنولوجيا في نقل الأحاسيس السوية والمشاعر الصادقة، بل نجحت أيضا في أن تقطع علينا لذة السمر ومتعة الحديث.

إن المفردات والعبارات التي ترسل عن بعد -مهما كانت مؤثرة- لا يمكن أن تلتف كيد لتربت على كتف إنسان فتشعره بالدفء، أو تزيل عنه هم، أو ترسم على وجهه ابتسامة، وهي تشبه كثيرا الضحكات عن بعد -التي عادة لا تصل متلقيها- إذ تتعطل سريعا، لأنها ببساطة صناعية، وإن شئت صُنعت هي وأجهزتها بأيد صينية.

9 ديسمبر 2012

No comments:

Post a Comment