Friday, December 28, 2012

ويقول ناشطون


ويقول ناشطون

هناك حكمة تقول: "كل الأشياء تبدأ صغيرة فتكبر، إلا المصيبة، تبدأ كبيرة فتصغر"؛ إلا في عالمنا العربي، تبدأ كبيرة، فتتضخم. وهذه واحدة من عالم الإعلام. كان هذا الموجز وإليكم الأنباء بالتفصيل، قال المذيع.

فإلى وقت قريب كان شائعا بين الصحفيين التلفزيونيين العرب استخدام مفردتي "ويرى مراقبون"، كلما أرادوا أن يقولوا شيئا لا يودون تحمل مسؤوليته. مؤخراً اختفت هذه اللازمة الصحفية قليلا أمام رديف جديد تستخدمه كل وسائل الإعلام العربية هذه الأيام هو: "ويقول ناشطون".

وبين رؤية المراقب وقول الناشط يحار المشاهد: أيقبل رؤية المراسل المحملة زورا على ظهر مراقب مجهول الهوية، أم يصدق قول ناشط لا يعرف من أي مكان يقصفنا برسائله؟

والناشط شخص زئبقي، لا يمكن تصنيفه على أنه مراقب، ولا هو كذلك يحمل صفة مراسل، وعلى الأرجح فإنه يقع في المسافة الفاصلة بين شاهد العيان، الذي تحتاج روايته إلى الكثير من التدقيق، وبين المتحدث الرسمي الذي يتلقى هو الآخر تقارير من مساعديه لصياغة بياناته الصحفية، وفي كلا الحالتين تكون الرؤية ضبابية في أحسن الأحوال.

لكن الناشط والمتحدث الرسمي يتشابهان في التحضير لرسائلهما، وإن اختلفا في طقوس التقديم اليومية لها. فها هو الناشط يفتتح يوميه بالدخول إلى غوغل، وتقليب صفحات الثورة في فيسبوك، ومتابعة أقرانه من النشطاء في تويتر، ومن ثم الاطلاع على أحدث فيديوهات القصف والقتل في يوتيوب. ولا ينسى أن يبحث عن تصريحاته في الشبكة العنكبوتية في اليوم السابق.

يفعل الناشط كل هذا وهو في فراش نومه. ثم يأتيه اتصال من إحدى القنوات الفضائية، يكون قد احتضنه كحلم قبل أن ينام ليلة البارحة. يتجه إلى المطبخ لتحضير قهوته، ثم يغسل وجهه على عجل، يصفف شعره، يلبس قميصا مهندما. يطوي البطانية التي كانت تلفه قبل قليل لتصبح طاولة حاسوبه المحمول. يشغل سكايب ويضع السماعات في أذنيه بينما يرتشف القهوة. بعد لحظات يصبح على الهواء ليحدث الملايين.

يبدأ بالكلام، ويتحدث للمذيع بما تجود عليه قريحته، وربما مخيلته، عما سمع عنه، أو قرأ عنه، أو أرسله إليه أحدهم عبر الإيميل، أو جمعه من غوغل، أو نسخه عن ناشط آخر، أو ردده كثيرون. بعضهم يقرأ عن ورقة كتبها، آخرون يجنبون أنفسهم عناء الكتابة، فينسخون من المواقع الإلكترونية، ويجمعونه في سطور قليلة ليقرؤوه علينا.

ولما كثر اعتماد وسائل الإعلام على الناشطين، وكثر الجدل بشأن صدقية رواياتهم، منحتهم بعض وسائل الإعلام صفة "المتحدث باسم الثورة". وعلى ما يبدو فإن هيئات الثورة وتنسيقاتها استعذبت هذا الاسم، وفي اليوم التالي منحت بدورها الاسم لكل من يحملون صفة ناشط من عناصرها.

حتى وإن تغيرت التسمية، فإن ذلك لم يقلص من استخدام صفة الناشط، وفي ظل الثورات، باتت تسمية لكل من لا تجد وسائل الإعلام توصيفا له. فمازلنا نسمع عن ناشط حقوقي، ناشط إعلامي، ناشط اجتماعي، ناشط أكاديمي. وفي عالم فيسبوك وتويتر يتحول كل من كتب سطرين عن ثورة، أو انتقد حكومة، إلى ناشط ومدون.

رويدا رويدا أصبحت الكلمة مألوفة لنا، وهي في طريقها إلى الانضمام إلى جوقة كبيرة من المفردات التي ترددها وسائل الإعلام من قبيل "الخروج من عنق الزجاجة"، "بصيص أمل"، "ضوء في نهاية النفق المظلم"، "ترك الباب مواربا"، وهي كلمات في حقيقتها تترك "الباب مفتوحا على مصراعيه" للنيل من صدقية وسائل الإعلام.

فجأة ينتبه المشاهد على تشويش يشوب الصورة قليلا عبر التلفاز، بعد أن أخذته غفوة في بحور التفكير في هذه المفردات التي تدوخ العقل وتربك التفكير وتستعصي على الفهم. يعتذر المذيع عن "انقطاع الصورة"، ثم يتيه الصوت، فيتأسف مرة أخرى "عن رداءة الصوت من المصدر". فالمصدر للأسف دائما رديء، ورديف للمشكلة وأطرافها.

No comments:

Post a Comment