Friday, February 1, 2013

بريطانيا.. الأمة التي نحسبها كافرة


بريطانيا.. الأمة التي نحسبها كافرة

       يقول أحد العارفين بـ”الجنة“: ”إن الله يقيم دولة العدل ولو كانت كافرة، ولا يقيم دولة الظلم، وإن  كانت مؤمنة“. عذراً سيدي العارف، ”بريطانيا العظمى“ -الدولة العادلة- ليست كافرة. ولو أراد الله -وهو فَعّالٌ لما يريد- إدخال أهلها الجنة بـ”صناعاتهم“ لما وجد كثير من المسلمين بـ”صلواتهم“ شبرا لهم فيها.

لم يخبرنا ”الإمام العارف“ كم نقطة من الكفر تلزم الدولة الظالمة المؤمنة، كي تقترب -ولو قليلاً- من العدل. وإن عَدَّ النظام والنظافة والصناعة والتكنولوجيا كفراً، فهيا نعلن كفرنا الجماعي للخلاص من الظلم والدخول إلى جنة العدل، ولنكف فوراً عن ترديد مقولة: ”العدل في السماء“ والتي أضاف لها البريطانيون: ”وعلى الأرض أيضاً“.

يَحسِب البريطانيون العدل بـ”البوينتس Points“. تَحسِب الدولة المؤمنة الظالمة العدل بـ”الركعات“، وبين نقاط العدل الحقيقية وركعات الإيمان المفترضة، يَحكم الضمير - والضمير هو الله- ”عَدّاد البريطانيين“، بينما يلعب كثير من العرب المسلمين بـ”عَدّاد الركعات“ كما يحلو لتأويلاتهم في ”بورصة توزيع الحسنات“

وإذا كان يكفي الدولة العادلة عدلها للتقرب إلى الله، فإن الدولة الظالمة لن تنقذها -على الأرجحكثرة صلواتها، ولن تُعبّد لها الزكوات الطريق إليه، مادامت تجد في معلبات الابتهالات حلا لمشكلاتها الثلاث: الفقر، الجهل والمرض.

وتحكي بريطانيا لزائريها قصة إيمانها العميق في الطراز العمراني الفريد، والصناعات الثقيلة، والتكنولوجيا المتطورة، والنظام الاجتماعي المحكم العادل، والتعليم الذي ينتج أناسا صالحين للبشرية كلها. وما كان لهذه المنظومة الفكرية أن تستمر وتصمد إلا لأنها كفرت بالعنصرية والاستبداد والعبودية، وسنت قانوناً جامعاً للحرية يأطره وازعين: الضمير الفردي والضمير الجمعي لهذه الأمة.

إن التدبر في هذه الأشياء ليس مدعاة للانبهار بهذه الحضارة فقط، بل هو حافز أيضاً للتدبر في الله، وإعادة التفكير بالإيمان من منظور مختلف، وتطوير مفهوم جديد للكفر يتجاوز أسوار المساجد، وعقول المشايخ الموغلة في تفسير النصوص الدينية كل حسب هواهيكفيك شبكة مترو لندن للتفكر ليس فقط في دقة الصناعة، بل في الله إن شئت.

ثم تحضر غزة وأنت في لندن. وإذا حضر الماء في بريطانيا بطل التيمم في غزة. عبثا، نقارن الأشياء بالأشياء في محاولة لفهم أعمق للفرق بين ”كفر الدولة العادلة“، و”إيمان الدولة الظالمة“.

ففي محطة القطارات وسط لندن تشرح الجدة الإنجليزية لحفيدتها ذات السنوات الأربع رحلة القطار من عاصمة الضباب إلى عاصمة الأنوار ”باريس“. تجلس الطفلة على المقعد منصتة تماما، بينما تقف الجدة قبالتها، وتفصل لها بكامل انفعالاتها وتعابير جسدها وبدقة: المحطات التي سيتوقف فيها القطار، المعالم التي ستراها في الطريق، توقيت الوصول ومدة الرحلة، المسافة بين المدينتين الأوروبيتين، وتختم بآداب الركوب في القطارات العامة ومحاذير السلامة.

أبدل المشهد. أضع أباً غزياً مكان الجدة، وطفلا من مخيمنا بدل الطفلة، ويبدأ الشرح: هذا كلاشنكوف يُمسك بهذه الطريقة، ويحشى بالرصاص هكذا. وهذا صمام الأمان، كي لا تنفلت منك رصاصة دون قصد. في هذا المنظار تضع عينك اليمنى بعد أن تغلق اليسرى، وتصوب جيدا قبل أن تطلق النار على رأس جندي إسرائيلي وترديه قتيلا.

أكمل المشهد من خيالي. بعد أيام يموت الطفل الغزي بطلقة منفلتة من سلاح والده وهو يطلق النار ابتهاجا في حفل زفاف أحد جيرانه، ويُطلق على الطفل -الذي لم يتجاوز عقده الأول- ”الشهيد البطل“.

بعد سنوات تكبر الطفلة الإنجليزية وتتخرج بشهادة دكتوراة في الطب من جامعة كامبريدج، وتجتهد في أبحاثها لتنال لاحقا جائزة نوبل في الطب عن براءة اختراع لعلاج مرض السرطان. أي الطفلين يا تُرى المؤمن الذي سيدخل الجنة، والكافر الذي سيُصلى بلهيب جهنم؟

وفي السياسية، مازال لا يعرف كثير من العرب عن بريطانيا إلا وعد آرثر جيمس بلفور (2 نوفمبر 1917)، الذي منح اليهود وطناً على أرض فلسطين. ومذ ذلك الحين، لم يطور العرب إيمانا يقينيا بالنصر، وتوالت عليهم هزائم الكفر تترى.

وحين كان رجال هذه الدول العظمى -التي احتلت ربع الأرض وحكمت ربع سكانها (1913)- يفكرون في توسيع امبراطوريتهم، كنا ولازلنا نزحف في التفكير نحو كيفية صنع أحذية تقينا أشواك المشي على التاريخ الذي سيكتبوه لنا لاحقا. وحين كانوا يفكرون في تقسيم بلادنا جغرافيا، كنا نفكر في كيفية ترقيع جغرافيا وطن عربي مهترئ لم نلق له بعد أسمالا تليق به حتى اللحظة.

بريطانيا تدعم إسرائيل. الدولة العادلة الكافرة تدعم الدولة العادلة الكافرة. إيران تدعم  سوريا. الدولة الظالمة المؤمنة تدعم الدولة الظالمة المؤمنة.

وبين توصيف ”الإمام العارف“ للدول: ”ظالمة مؤمنة“ و”عادلة كافرة“، تأكدت أكثر أن الصلاة وحدها لا تشفع لسكان الدولة الأولى بدخول الجنة. أما ساكني الدولة الثانية، وبعد أن أقاموا العدل، فلو نطقوا الشهادتين في آخر الزمان -كما يخبرنا الرسول محمد صلى الله عليه وسلم- لما وجد كثير من سكان الدولة الأولى مكاناً لهم في الجنة، والله أعلم.

No comments:

Post a Comment