Wednesday, February 13, 2013

تهبط الطائرة.. تقلع الذاكرة



تهبط الطائرة.. تقلع الذاكرة

هذا المقال لمن درسوا مراحلهم التعليمية الأولى في غزة في مدارس الأونروا

        للذكريات نفس فعل الجاذبية الأرضيةتقلع الطائرة في السماء، فتجذبنا الذكريات إلى الأرضتهبط الطائرة، فتتوقف الذاكرة قليلا، وتمسح بعض مشاهدها القديمة استعدادا لما هو جديد. هنا سأقتطع أجزاء من مشاهد الذاكرة في محاولة لإعادة ترتيبها في مخيلة هذا ”النص الطفل“

على جادات شارع ”إدجوار رود“ اللندنية، ”شارع  العرب“ كما يحلو للبعض تسميته، -إذ العرب للأرجيلة يدخنون وبقية من نَور أوروبا الشرقية يتسولون- طافت بي وبصديقي إبراهيم عدوان الذاكرة. حرثنا أرض الطفولة بمعاول الضحك، ثم بذرناها نكاتا مؤجلة ناهز عمرها الآن 23 عاما أو يزيد، بدءا من المرحلة الدراسية في الابتدائية، ثم الإعدادية، فالثانوية، انتهاء بالجامعة.

تذكرنا بناطيل أساتذتنا ”الشرلستون“ في الصف الأول الابتدائي، احتفالاتنا بعيد الأم حين كان يرتدي أحدنا ثياب الأم التقليدية ”الثوب الفلسطيني“ وشاش على الرأس، فيما يرتدي آخر "جلبية“ معتمرا ”حطة وعقال“ في مشهد تمثيلي لدور الأب، ويتبارى بقية تلاميذ الفصل في الصعود إلى منصة ساحة المدرسة لتقديم الهدايا للأم ”المفترضة“ وسط أهازيج ”ست الحبايب يا حبيبة“.

تذكرنا الخزانة التي كانت تعتلي إحدى زوايا الفصل ومحتوياتها: دفاتر الحصة، سجل الحضور والغياب، الطباشير الملونة، ممسحة اللوح، عصا الأستاذ، والفطابل -كرات جلدية- التي كنا نشتريها مع انطلاق العام الدراسي باقتطاع جزء من مصروف جيوبنا.

كان ”عريف الصف“ هو من يتولى إدارة الخزانة، ويمتلك مفاتيحها بتعليقة يضعها في رقبته. وكان بالعادة هو أنجبنا. هو ذاته -العريف- الذي كان يقوم محل الأستاذ حين يغادر الصف إلى غرفة الناظر، ويطلب منه كتابة أسماء ”المشاغبين“ على اللوح استعدادا لحفلة العقاب التي ستندلع لاحقا.

يكتب على جانب من اللوح كلمة ”المشاغبين“ وما أن يهمس أحدنا حتى يسجل اسمه. كنا نلعب معه بافتعال المشاغبة. كان هذا ”الطفل العريف“ عادلا، فإذا ما أثبت أحدنا أنه عاد إلى هدوئه يشطب اسمه من على اللوح. وإذا كرر أحدنا مشاغباته يضع أمام اسمه علامة (x). 

بعض التلاميذ كانت تصل عدد العلامات أمام أسمائهم نحو عشرين، فنقول: ”أكل هوى والرب كريم“. في بعض الأحيان يكون مزاج الأستاذ ”رايق“ فيعفو عن جميع المشاغبين، حينها يكاد العريف أن ”ينجلط“، فتسري بيننا همهمة انتقامية، وفي الرواح يتكالب عليه كل من كتب أسماءهم بالضرب

في الصف الأول الابتدائي كنا لا نعرف سوى كتبابين: كتاب القراءة ذو الرسوم الملونة ”أمل وعمر“، وكتاب الحساب ذو الجلدتين الزهريتين. أكثر ما كنا نكرهه في هذا الكتاب ”جدول الضرب“ الحسابي. أما الدفاتر فكانا دفترين لا ثالث لهما: دفتر حصة، عادة ما يبقى في خزانة الصف، ودفتر الواجب للبيت.

سياحة للبطون وأخرى للعقول
كانت الحقيبة المدرسية ”الشنطة“ خفيفة وواسعة بما يغري أمهاتنا لحشوها بسندويشات الدقة والزيت، أو الزعتر والزيت، الجنبة، الفلفل الأحمر، البيض. عادة ما يتسلل الزيت إلى الدفاتر والكتب و”تعشق“ من راحة السندويشات، وإذا ما فتحنا شنطتنا تفوح الروائح وتسري في فضاء الفصل سحابة من المطبخ

لفت انتباهي في المتحف البريطاني في لندن وجود عشرات الطلبة من الصفوف الابتدائية جاءوا جماعات للاطلاع على التاريخ. تذكرت حين كنا في أعمارهم عندما كانوا يأخذونا في رحلات غزة إلى مصنع ”راس العبد“، مصنع ستار، مصنع العودة للبسكويت. وكان هذا هو بالضبط الفرق بين ”سياحة العقول“ و”سياحة البطون“.

مكثت في مصر ثلاث سنوات، لم أزر خلالها متحفا ولا حتى الأهرامات، والأخيرة هي  الشيء الوحيد الذي لم أره في المتحف البريطاني في لندن،  فالتاريخ المصري المنهوب كثيف جدا هنا. ولو تمكن الإنجليز من نقل الأهرامات لم تهاونوا ثانية في ذلك.

دكتورة الإبر
أتذكرون الدكتورة ”أم وحيد“ أو ”دكتورة الإبر“، إبر التطعيم التي كانت ”فرض عين“ على كل طلبة الصف الأول الابتدائي، زيت السمك، الطعمة، عايش العرجا، أبو زكي دعبس، الزلوطية. أتذكرون حفلات الرش بالبودرة التي كانت تنظمها الوكالة ”الأونروا“ ضد الجرب والقمل والسيبان. أتذكرون الحلاقة في المدرسة بـ”شيكل“كان أبي حلاقا، وكان يحلق لي أسبوعيا تقريبا، وكان عندما يجد الأستاذ طالبا شعره كبيرا ويملأه ”القمل والسيبان“ يقول له: ”بدي إياك تحلق زي الجمل“. أبي علمني لاحقا درسا مهما في الحياة: ”الحلاقة على الناشف“

كانت الأونروا سخية معنا في العطايا المدرسية. فمع بداية كل فصل دراسي توزع علينا دفاتر ذات أغلفة زرقاء- هو ذاته لون شعارها الذي كان يتصدر الدفاتر لكن باللون الأسود. أتذكرون المساطر الصفراء المدرجة، علب الأدوات الهندسية، المحايات الكبير العريضة التي كان نصفها أبيض ونصفها الآخر أسودحتى أن الوكالة كانت توزع علينا كوبونات طحين، وزي مدرسي- بنطلون جينز أزرق وقميص نيلي.

لا زلت أذكر أيضا نايف أبو زيد، أمين الكنتيل الذي كنا نتسابق بالركض نحوه في حصة الرياضة كي يركل لنا الكرة في السماء. كان رجلا ضخما وطويلا وذو لحية كثة، ولذلك كنا نعتقد أنه الأقدر على إيصال الكرة إلى أعلى من شجر الكينيا“- الذي كان يحول مدرستنا إلى ما يشبه الغابة الاستوائية.

سيناريوهات الهروب من المدرسة
المرحلة الإعدادية مازالت ضبابية في ذاكرة جيل الثمانينات. ففيها كانت الانتفاضة الأولى -وما أكثر انتفاضاتنا- قد بلغت أوجها، وكنا من ٢٥٠ يوم دراسي بالكاد نكمل ٥٠ يوما. يمر جيب إسرائيلي أمام سور المدرسة خلال الفسحة، فيقذقه أحد الطلبة بحجر من داخل المدرسة، فيطلقون علينا بدورهم قنبلة واحدة مسيلة للدموع تكون كافية لأن ينتهي اليوم الدراسي. كان الطلبة يتعمدون خلق ذلك السيناريو يوميا تقريبا ويترقبون نهايته المثيرة التي تريحهم عناء إكمال يوم دراسي سيكون شاقا.

كان مشهورا في الإعدادية أن يكون لكل طالب دفتر تلخيص ودفتر أسئلة في مواد العلوم والتاريخ والجغرافيا والتربية الوطنيةكان عندما لا يحل أحدنا واجب العلوم مثلا، يضع أمام الأستاذ وهو يدور بيننا ليفتش على الواجب، دفتر تلخيص التربية الوطنية، وعندما يرى أن الصفحات البيضاء ممتلئة يرتاح إلى أن الطالب قد أدى الواجب، وينجو بدوره الطالب من حفلة الضرب

في هذه المرحلة الدراسية أيضاً كنا نحتذي ”أبوات فورزا“ خليلية الصنع. كان لا يضاهيها قوة وسعرا إلا ”أبوات فلايت“ إسرائيلية الصنع، والتي كانت مصدر خيلاء لمن يحتذيها

فتح على طيزك
في الثانوية تطورت الشقاوة. وسأكتفي هنا بمشهد واحد، خوفا من أن يطول المقال فيمتد من لندن مرورا بدبي، وصولا إلى غزة. ففي إحدي المرات كتب الطلاب على كرسي الأستاذ الحمساوي كلمة فتح بالمقلوب. جلس الأستاذ لتسجيل أسماء الحضور والغياب كعادته بداية الحصة. وما أن فرغ ونهض حتى صاح أحدهم ضاحكا: ”يا أستاذ.. فتح على طيزك“. الآن فقط فهمت المغزى السياسي لهذه الفعلة الذكية.

نافش ومنفوش
على جادات لندن، حدثني صديقي عن تواضع دكاترة الجامعات البريطانية، ثم تذكرنا الدكتور الجامعي الغزي المغشوش، ونافش ومنفوش، نتنهند ونقول: يا لعبثية المقارنةأيها الدكتور المنفوخ،  يا من قابلتك يوما في غزة وتحدثت إلي من طرف منخارك الأعوج. لقد زرت جامعتك التي تخرجت منها، جامعة ليدز العريقة، فوجدتها أكثر تواضعا منك بكثير.

هكذا زرتها. كنت أسير رفقة صديقي حمزة البحيصي في الشارع في طريقنا للجامعة. بعد دقائق قلت له: كما يلزمنا من الوقت للوصول إلى الجامعة. فاجأني حين قال لي نحن نسير في الحرم الجامعي منذ ١٠ دقائق. قلت لهقول وغير. فضحك. وأخذنا نتذكر جامعاتنا التي لها بوابات دخول يخفرها حراس أمن على مدار الساعة، وكأنها بنوك. هنا الجامعات بلا بوابات، بلا حراس أمن، بلا سلاح، بلا تنظيمات، بلا أحزاب، بلا فتح، بلا حماس. الجامعات هنا للعلم، للعلم فقط، لا لعربدة كل السابقين، فالعلم لا يحتاج للحراسة ولا الغفر ولا الخفر

ثم نقارن حالنا بحالهم. أنا مدمن مقارنة. دكتور الجامعة المتكبر بدكتور الجامعة المتواضع. الطيب القاتل بالطيب الرحيم. الطفل السافل بالطفل الحر. الصناعة بالمقاومة، الحضارة بالمؤامرة. النظافة بقذارة شوارعنا. النظام بعبثنا. الدقة بفوضانا المبتكرة. نختم كما بدأنا، نتنهد ثم نقول: يا لعبثية مقارنة الحياة بالموت.

على حافة الجامعة أشار لي صديقي على كنيسة من أعرق كنائس ليدز، قال لي: لقد تحولت مؤخرا إلى بار. قلت: يا للهول، من كان يصدق أن تنزع عن الكنيسة قداستها التي حكمت بهيبتها أوروبا قرونا، فتتحول ساحة التعميد فيها إلى ساحة للرقص، ومنصة الراهب التي يلقي عليها موعظة الأحد إلى مكان يتبادل من فوقها الراقصون النخب.

كل هذه المشاهد وغيرها مما لا يمكن أن يسعها مقال فتطول معه التنهيدات، كانت جزءا جميلا من الماضي الذي صنع من جيل الثمانينات مهندسين وأطباء وأساتذة جامعات وصُيّع، كان بودي أن أقول أيضاً و”رواد فضاء“، لولا أن السياسة دمرتنا.

2 comments:

  1. مقال جميل ورائع...أنعشت الذكريات...
    ومالهم جيل السبعينات...شكلهم هم اللي صاروا رواد فضاء...ليت أساتذتنا تقرأ هذا المقال الجميل لعلهم يفتخروا بطلبتهم ويخجلوا قليلاً من التصنع
    محمد أبو عساكر

    ReplyDelete
  2. انه مقال رائع
    ولقد شوقتني الى التنمني والعيش في ذاك الايام
    أنس ابو مؤمن

    ReplyDelete