Saturday, February 16, 2013

مُتْ.. فلكل ”شهيد“ راتب


مُتْ.. فلكل ”شهيد“ راتب

مُتْ.. ففي بلاد الزهد بالحياة يكثر الموت. ولأننا أمة زاهدة حتى في الموت من أجل ”الجنة“ فهي تكفيك سبباً.. فمت.

مت، وسننقش اسمك على الحيطان ممهورا بكلمتي ”الشهيد البطل“، ثم طلقتين في الهواء ترافقان روحك إلى السماء من بندقية هاوٍ، أتاح له موتك حمل السلاح للمرة الأولى في حياته. هذا إن مت في معركة.

 أما إن كنت طفلاً ولم تبلغ بعد ”حلم المقاومة“، لا تتردد، مت، وسنحتفظ لك بالتسمية نفسها، ”الشهيد البطل“، على الحيطان ذاتها. فهذا ما يتساوى فيه الصغار عندنا مع الكبار.

 سيلفونك بألوان أطلقوا عليها ”علم الوطن“، وسيهرولون بجسدك مسرعين إلى المقبرة، إذ إن ”إكرام الميت دفنه“. ثم ”يخال“ للمشيعين أن ”رائحة المسك“ تنبعث منه. و”تتراءى“ لهم في وجهك الأزرق المتجمد تقاسيم ابتسامات وبقايا ضحكات ينسجون حولها لاحقاً الحكايات، وكلها في سبيل ”دخولك الجنة“ علامات.

مت.. فموتك سيريحك من البطالة، فلكل ”شهيد“ راتب. وستنقذ أهلك من بعض شظف العيش. وستبقى ذكراك ترفرف في أجواء كل موائدهم، وحاضرة مع كل لقمة خبز صنعتها لهم بموتك.

 مت، وستقايض وزارة الشؤون الاجتماعية روحك شهرياً بخمسة كيلو سكر، ١٠ كيلو رز، كيس طحين 60 كيلو، ٣ كيلو عدس، وزجاجتي زيت قلي ٢ لتر للواحدة، ومثلهما من زيت الزيتون. ”كم كان موتك كريماً وسخياً بعطائه“: يحسدك أحد الجيران.

 في الشهر الأول لمقتلك تأتيك كل هذه الأشياء إلى البيت، في الشهر الثاني ترسل إلى عائلتك كوبونة لاستلام ”الغلة“، في الشهر الثالث تستأخر العائلة مجيء الأشياء، تذهب كلها مهرولة إلى جمعية ”الشهيد“، فيطلبون منها كلمة السر: ”الشهيد فلان“، فتفتح الصناديق فورا.

مت، لنقيم لك بعد اثني عشر شهرا حفلا تأبينيا في ذكرى رحيلك الأولى، وسنضمن لك تجنيدا للقوات الضاربة من رسامي الجرافيتي للتفنن في رسم وجهك، وسنترك الجدران تحكي قصص بطولاتك المفترضة ألواناً.

مت.. عبوة ناسفة على جيب إسرائيلي دون أن توقع أي قتيل، ثم يطلقون على الحادثة ”عملية فدائية انتقامية“ تحمل اسمك إلى  الأبد.

مت وارتقِ، فأنت هنا في الأسفلين، لا لزوم لك. الآن تذكر الصحبُ، بعد موتك تحديداً، أن مكانك هناك أفضل. الآن فقط تذكروا أنك كنت طارئاً على البشرية. موتك وحده هو من أوقف فيض الكأس.. ”كأس الحياة“.

وإن مُتَ، مُتْ منفرداً. نعم كن من أصحاب ”الموت المنفرد“. لا تمت جوار مسؤول كبير أو قيادي. سيقال في الأخبار: ”اغتيل القيادي فلان ومات أحد المارة“. صدقني هكذا سيصفونك: ”أحد المارة“. واختر لنفسك مساحة واسعة لجسدك تتسع لكل الأسماء وعبارات المديح التي ستنهال عليك بعد رحيلك.

إن متَ، متْ موتاً سامياً. مت من أجل هدفك، لا أهداف الآخرين. لا تمت من أجل حزب، لا تمت من أجل قبيلة، لا تمت من أجل حارة، لا تمت من أجل مدينة، لا تمت من أجل إقليم، لا تمت من أجل دولة، لا تمت حتى من أجل ”وطن“.

لا تأبه بمن يرددون: ”نموت نموت ويحيا الوطن“، فالوطن ميت بدونك، إذ إن الوطن هم عائلتك وصحبك، تماماً كما كنت أنت بالنسبة لهم ”كل الوطن“.

مت، فقد كنا في السبعينات نموت أفراداً بسبب المرض. في الثمانينات أصبحنا نموت بالمجاعات بالعشرات. في التسعينات ارتفع العدد مع ”حروب الانتصارات الوهمية“ إلى المئات. في الألفية بات العرب يجرفهم الموت بالآلاف باسم ”الانتفاضة“، وحديثاً باسم ”الثورة“.

مت، فما أكثرنا، ٣٠٠ مليون عربي أو يزيد، عذراً، مليار مسلم ونصف المليار إلا قليلاً. فموتك لن يقلل الزبد الجفاء ولن يؤخر جزر البحر الهادر.

مت.. مت.. مت.. نعم مت ثلاثاً، وإن شئت بـ”الثلاثة“، فما أحلى ”حياة الموتى“ هناك.

No comments:

Post a Comment