Thursday, March 21, 2013

مواعيد عرب

مواعيد عرب
         
ما رأيت أمة لا تحترم الوقت مثل الأمة العربية. وما رأيت شخصا لا يقدر قيمة الوقت مثل العربي. وكي لا يزعل أحد نقول: ”إن لهذه القاعدة استثناءات“.

حتى أن الدول الأوروبية التي غزاها العرب في ”عصر الفتوحات“، أو اختلطت شعوبها بالشعوب العربية، تركوا لها بصمة خاصة في العبث بالمواعيد.

خذ تركيا مثلا. فقد حدثني صديق يقطن البلاد منذ أكثر من عشر سنوات، وخبر الأتراك جيدا، أن البيروقراطية لديهم في مواعيد إنجاز المعاملات، تشبهه تماماً تلك التي في مجمع التحرير في مصر. وربما هذا واحد من الأسباب التي تشرح حب العرب للأتراك، وعشق بعض الأتراك للعرب.

ثم ألم يتصل بك صديق يوما ويقول لك: ”خلينا نشوفك بعد الظهر، ولا بعد العصر، إذا في عندك وقت“. فتجيبه: ”والله ما أنا عارف، خليني أشوف، ونبقى على اتصال“. هكذا تُضرب المواعيد بين العرب، ومن ثم ”تَضرب“.

الغريب أن المواعيد بين العرب عادة ما تكون بناء على مواقيت الصلاة. وإن كان للأخيرة قدسية تحترم، إلا أنها لا تنسحب غالبا على ما سواها من مواعيد تحمل اسمها.

ألم تلتق صديقا يوما بالصدفة، ثم ينتهي الحوار بينكما بالجملة التالية: ”طيب خلينا نشوفك“. فتجيبه: ”ماشي الحال، بكرة عندي إجازة“. فيرد: ”خلاص بنشوفك بكرة إن شاء الله“. وكأن ”بكرة“ ثلاث دقائق وليس ٢٤ ساعة. وفي الغالب لا يتم الاتصال ولا يبرر باعتذار.

الأغرب أنك ترى العربي يلف معصمه ساعة فاخرة، يباهي بها الأصدقاء بسعرها، وزخرفتها، وجودتها، ومنشأها السويسري. ويا ويلك لو لاحظ أحدهم أنك تضع الساعة في يدك اليسرى بينما هو من ”أصحاب اليمين“، فتنهال عليك الأحاديث النبوية، وينسى هو أنه تأخر عن المجيء ساعة أو يزيد بعد الموعد المقرر لهذا اللقاء.

ثم انظر إلى الأماكن العامة في غالبية الدول العربية التي يلزمها ساعة فتجدها مفقودة. خذ مثلا محطات الحافلات في القاهرة، التي لم أرى في أي منها ساعة قط. أما محطات المترو فإن معظم الساعات التي تزين المكان لا تعمل.

في إحدى المرات التي كنت متجها فيها من القاهرة إلى الإسكندرية لم يتم الإعلان عن وصول القطار، والذي على الأرجح أنه لم يتوقف في المحطة. ولما أعربنا عن احتجاجنا -وكنا بالعشرات- أمام مسؤول المحطة، استدعى لنا الشرطة، فآثرنا خسارة ثمن التذكرة على السجن، وشتمنا بـ”روح جماعية“ ذلك المسكين: الوقت.

وحين كنت متجها من لندن إلى ليدز، تم إلغاء الرحلة قبل نحو ساعة من موعد إقلاعها بسبب الثلوج، وعلى الفور تم تحويلها إلى رصيف آخر، وحفظت عن ظهر قلب رقم الرحلة الجديدة ورصيفها من كثرة النداءات الصوتية كل خمس دقائق تقريبا، والتي تظهر أيضاً على لوحة ضخمة تتوسط المحطة.

ولما كنت في ألمانيا، كان موعد إقلاع القطار من فرايبورغ جنوبا إلى غوتينجن شمالا عند منتصف الساعة. توقف القطار في المحطة قبل الموعد بدقيقتين. والدقيقتان هما الزمن المتعارف عليه والمسموح خلاله للركاب بالصعود، وإلا خسرت ١٠٠ يورو، سعر التذكرة. فمن ذا الذي يشتري دقيقتين بمائة يورو!

أما مواعيد عرب أوروبا البينية ففي معظمها ”مضروبة“، وهذا ما يحمله العرب معهم إلى بلاد العم ”بيتر“. فقد دعيت إلى حفلة في الذكرى الأولى لميلاد ابن أحد الأصدقاء. كان موعد بدء الحفل عند الثامنة مساء، لكن هذا لم يحصل إلا بعد ساعتين، حين اكتمل حضور المدعوين. ثم نسخر من أنفسنا ونقول: ”مواعيد عرب“.

1 comment: