Sunday, March 31, 2013

لماذا لن تندلع انتفاضة شعبية فلسطينية ثالثة؟



لماذا لن تندلع انتفاضة شعبية فلسطينية ثالثة؟
تحليل بسيط

مع تكرار المواجهات بين الشبان الفلسطينيين والقوات الإسرائيلية أمام سجن عوفر في رام الله مؤخراً، للتضامن مع الأسرى الفلسطينيين المضربين عن الطعام؛ تعاظم الحديث عن احتمال اندلاع انتفاضة ثالثة، لكن هذا الاحتمال يفتقر إلى ست أسباب موضوعية على الأقل.

أولا، فقد تغيرت المشاهد على الأرض. كان المشهد الذي طبع الانتفاضة الأولى (١٩٨٧-١٩٩٣) على النحو التالي: طفل وشاب وامرأة يقذفون جيبا إسرائيليا بالحجارة. في الانتفاضة الثانية (٢٠٠١-٢٠٠٦) تبدل المشهد كليا: مسلح فلسطيني يقذف صاروخا محمولا على الكتف على دبابة ميركافا.

هذا التغير الجوهري في مفهوم الانتفاضة من ”المواجهة الشعبية“ إلى ”المقاومة المسلحة“ أخرج فئات مجتمعية عريضة من معادلة المشاركة في الانتفاضة، التي باتت تحتاج درجة كبيرة من التدرب على السلاح، وقتال الشوارع، لا تتقنها إلا الحركات السياسية ذات الأذرع العسكرية، ولا تقوى عليها الجموع الشعبية.

ثانيا، يلزم أي انتفاضة خطوط اشتباك ونقاط تماس دائمة مع الجيش الإسرائيلي. وإن كان هذا الخيار متوفرا في المرحلة الحالية على الأقل للفلسطينيين في الضفة الغربية، فقد سقط في قطاع غزة بعد الانسحاب الإسرائيلي من مستوطنات القطاع في العام ٢٠٠٥. يضاف إلى ذلك، أن الأجنحة العسكرية للفصائل الفلسطينية في غزة قطعت شوطا طويلا في عسكرة المواجهة بما لا يمكن معه الرجوع إلى الوراء.

ثالثا، اختلاف المواقف السياسية للفرقاء الفلسطينيين بشأن نمط المواجهة مع الاحتلال. فرئيس السلطة الفلسطينية محمود عباس، الذي انتقد كثيرا "عسكرة الانتفاضة"، من أشد المؤمنين بضرورة سلمية المواجهة مع المحتل الإسرائيلي، في حين أن خطاب حركتي حماس والجهاد الإسلامي تجاوز مرحلة السلمية إلى الفعل العسكري، متمثلا في العقيدة المسلحة التي ترسخت خلال السنوات العشر الماضية على الأرض.

رابعا، خاض الفلسطينيون انتفاضتين خلال ٢٦ عاما (١٩٨٧-٢٠٠٦)، لم ينل فيها الشعب حظا من الراحة إلا قرابة ثماني سنوات (١٩٩٣-٢٠٠١)، كانت أشبه بهدنة. ولا يبدو المجتمع الفلسطيني اليوم مستعدا لخوض انتفاضة ثالثة، بعد أن أرهقته انتفاضتان لم تنتجان معطيات مغرية ذات مغزى سياسي تدفعه للانخراط في انتفاضة ثالثة.

خامسا، تعتبر حماس قطاع غزة أرضا محررة، يلزمها دفاع عن الحدود من هجمات خارجية للمحتل الإسرائيلي، لا انتفاضة داخلية على احتلال بات غير موجود في نطاقها الجغرافي الداخلي على الأقل وإن مازال يحاصرها خارجيا.

في المقابل، فإن الدوريات العسكرية للجيش الإسرائيلي تستطيع بلوغ أي هدف في الضفة الغربية، بما فيها مقر الرئيس أبو مازن، في غضون دقائق. وهذا سبب كفيل يحول دون وجود جغرافيا متصلة لنشوب انتفاضة شعبية شاملة في صورتها الكلية.

سادسا، انحراف الكفاح الفلسطيني خلال السنوات الاثنتي عشرة الماضية (٢٠٠١-٢٠١٣) عن مساره الحقيقي بما سمح بتشكل نمطين مختلفين بشأن المعركة ضد الاحتلال. الأول في الضفة الغربية وعنوانه الأساسي الاستيطان، وهو درجة متقدمة من الاحتلال. الثاني في غزة وعنوانه العريض الحصار. وهذا واحد من تجليات الانقسام الفلسطيني الذي برز بعد سيطرة حماس على قطاع غزة منتصف العام ٢٠٠٧، ما حرف بوصلة النضال وفق ما تقضيه المعطيات السياسية للسلطة الفلسطينية في الضفة الغربية وحركة حماس في قطاع غزة.

خلاصة القول، إن عسكرة الانتفاضة أبعدها عن المفهوم الشعبي، ففي غزة يكتسب المسلحون يوميا خبرة جديدة في قتال الشوارع، سرع من وتيرتها حربين على القطاع في (٢٠٠٨/٢٠٠٩-٢٠١٣)، وأبقت على نصيب المواطنين العاديين فيها مقتصرا على ما تجلبه المواجهة من معاناة، أو شبه انتصارات يحتفلون بها مؤقتا. وفي الضفة، ستبقى المواجهات المتقطعة بين الشبان الفلسطينيين والجيش الإسرائيلي، مناوشات، ليس من المرجح أن ترتقي إلى انتفاضة شعبية شاملة في مجمل الأراضي الفلسطينية.

No comments:

Post a Comment