Friday, April 26, 2013

ذنوب الوطنية


ذنوب الوطنية.. ابن المنظمة نموذجا

ما من شيء أنبل من أن يقتلك مقال بخنجره.. فَسِنّ الكلمات جيدا.

        حين كان يبحث مئات الشباب في غزة والضفة من اللاجئين عن فرصة عمل في إسرائيل في الثمانينات والتسعينات من القرن الماضي، للكسب من أجل تحصيل مقعد دراسي في جامعات أوروبا أو أميركا أو دول الجوار العربي؛ كان أبناء قيادات منظمة التحرير الفلسطينية يحتلون مقاعد دراسية متقدمة في أرقي الجامعات العالمية.

فقد حصل مثلا، أن يدرس أبناء أحدهم التسعة تباعا في نفس الجامعة وعلى ذات المقعد، وحين يسأل عن ذلك يقول: على حسابي. ولا نعرف كيف يفرق ابن المنظمة بين حسابه وحسابها. ثم نتنهد شاخرين: تتعدد الجيوب والحساب واحد.

وحين كان يشقى أرباب الأسر في غزة والضفة لكسب قوت أبنائهم، كان أبناء المنظمة يقتاتون على ما يقتطع من مخصصات مالية من رواتب الفلسطينيين العاملين في دول الخليج وغيرها تحت مسميات ”تعزيز الوطنية“ و”دعم الكفاح المسلح“، وإن لم تدفع تكن ”عميلا“، إذ إن أي فعل باسم ”الوطنية“ حينها، كان ”آية محكمة“ في ”قرآن الثورة“.

لاحقا، تأكد لنا أن المنظمة التي تأسست في الأصل على أنقاض قضية اللاجئين قد ركنت إلى هذه الأموال التي تضخ في مؤسساتها، إذ لم يكن دافعو الضرائب يعرفون أنها تصرف في مواخير القاهرة وبيروت وتونس وعمان لتراكم ”خطايا ليل“.

وحين كان أطفال أبناء المنظمة يرتعون في ملاهي ومدن الألعاب العربية والأوروبية، ويتلقون تعليما في مدارس خاصة لا تأبه البتة بلغة الوطن، كانت اللعبة المفضلة لتلاميذ مدارس اللاجئين في غزة والضفة بعد انتهاء العام الدراسي، تسيير سفن من ورق دفاترتهم في قنوات مجاري المخيمات المفتوحةكان حينها كافيا أن يطلقوا عليهم ”أطفال الحجارة“ كي يتم إخرس أي نقد قد يوجه لهذا الفارق الطبقي بين الطفل اللاجئ ونظيره الذي ينعم بأمواله.

كان كل هذا بالنسبة للاجئين في غزة والضفة غير معروف إلى حين عادت جحافل المنظمة إلى ما يشبه الوطن في ”غزة وأريحا“ بعد توقيع اتفاق أوسلو مطلع التسعينات. ودخل مع من دخل للوطن من أطلق عليهن أبو عمار ”بنات الصمود“، لنكتشف لاحقا ما هن إلا ”ذنوب المنظمة“ في العواصم العربية. وكان يكفي وصمهن بهذه التسمية الثورية لأن يقبل الغزيون والضفاويون هذا ”الرجس المقدس“.

وبهن وضع ”قائد المسيرة“ أبو عمار اللبنة الأولى لأول ماخور لأبناء المنظمة في غزة والضفة، اللتان كانتا تفتقران لمثل هذه الأماكن في حينه. وما أن يحدثني عن أبناء المنظمة ممن قابلتهم من مصريين ولبنانيين وأردنيين وسوريين وتونسيين، إلا وحضرت كل موبقات الدنيا، وأولها ”نساء وبنات ليل“، ثم عربدة بالسلاح، وقليل من شرف الكفاح المسلح والمقاومة.

وفي خضم الحديث عن الكفاح لم يكن ينقص المنظمة السلاح، إلا أنها فجأة اكتشفت أنها بحاجة إلى أدب يوثق للثورة بطريقة تقربها أكثر من قلوب المحبين، فأنجبت لنا شاعرا اسمه محمود درويش. ولو أنه كان من غير أبناء المنظمة لما طبقت شهرته الأرض. وبذلك كانت الظروف التي أوجدت في حينه ”شاعر المنظمة“ العامل في ”سوق عكاظها“ و”شاعر بلاطها“، لا تسمح للكثير من الشعراء والأدباء الفلسطينيين من خارج المنظمة تبوء المساحة ذاتها في الظهور، فبقوا حبيسي أدراج أعمالهم على هامش ”أدب المقاومة“. الشاعر المبدع توفيق زيّاد، مثالا.

وكان للجيل الثاني والثالث من أبناء المنظمة حظوة في تقلد المناصب الرفيعة، خاصة في مرحلة ما بعد أوسلوفأصبح أبناء المرافقين الدائمين لأبو عمار سفراء، أو رؤساء تحرير، أو مدراء لواحدة أو أكثر من مؤسساتها، أو وزراء لإحدى وزراتها بعد أن تحولت المنظمة إلى ”سلطة فلسطينية“. صبري صيدم، مستشار عباس، مثالا.

ثم تطور لدى الأبناء فهم جديد للعمل الوطني لا تتجاوز حدوده البزنس. فأنشأوا شركات خاصة برؤوس أموال جمعوها على ظهر اللاجئين، فظهر لأبو علاء قريع شركات إسمنت بإشراف أبنائه، وأنشأ أبناء أبو مازن شركات استثمارية مصدرها الأساسي صندوق الاستثمار الفلسطيني، وأخيرا سلسلة مدارس خاصة لسها عرفات وابنتها زهوة بالشراكة مع ليلة الطرابلسي، زوجة الرئيس التونسي الهارب زين العابدين بن علي.

وهكذا تجاوزت المنظمة الوطن، وأصبح ابنها (السفير والشاعر والأديب والصحافي) متجاوزا لكل مؤسسات الدولة الموعودة. وبات مفهوم المنظمة مرادفا لمفهوم الشركة، فالشركة هي الوطن، وتضخيم رأس المال ذروة النضال، وأدمن رجال أعمالها الجدد التجارة غير المشروعة، وأبرز وجوهها تبييض الأموال، ومعها القضية، ثم الوطن.

كان ”القائد الملهم“ أبو عمار يدرك أنه بحاجة لتأطير النضال، فأقام له ”دكانة“ اختار لها اسما ”منظمة التحرير الفلسطينية“، تقاسمت رفوفها لاحقا الجبهة الشعبية، وفتح، والجبهة الديمقراطية، وأحزاب مجهرية من بينها واحد لياسر عبد ربه ”حزب فدا“، وآخر لليسار الفلسطيني المتكلس ”حزب الشعب“.

هذه هي منظمة التحرير الفلسطينية التي جائتنا حاملة شعار اللاجئين ومعاناتهم. بقينا نحن لاجئين، وأصبح قادتها وأبنائهم رجال أعمال. وفي جو البزنس، كان من الطبيعي أن يتكفل الزمن كي تبدو المنظمة تركة ”محاصصة النضال“، تماماً كما هي محاصصة الدولة في أي بلد عربي.

أحتفظ لنفسي بكثير من الأسماء، لأن يد ابن المنظمة ”طايلة“، رغم أن من صنعه لاجئ مثلي.

No comments:

Post a Comment