Wednesday, May 8, 2013

منهجية الفوضى أو الفوضى الممنهجة



الدِّوَار.. منهجية الفوضى أو الفوضى الممنهجة

إن كنت تبحث عن الحقيقة فلن تجدها في هذا الكتاب - المؤلف

يحاول الكاتب السعودي الشادي سعود الحركان في كتابه "الدوار.. منهجية الفوضى أو الفوضى الممنهجة" رسم خريطة جديدة للواقع الذي باتت تعيشه المجتمعات العربية في عصر ما بعد العولمة.

ويفصل في كتابه ذو الفصول الخمسة، مكامن الخلل التي اعترت البنى الاجتماعية والاقتصادية والسياسية للمجتمعات العربية على مدار السنوات العشرين الأخيرة، ويشرح كيف أن ذلك الخلل أوجد فوضى أتاحت للمؤسسات والدول فرصة استغلالها، عبر قولبتها في تشريعات وأنظمة يصعب على الناس رفضها.

وبهذا الفهم، يقودنا الكاتب إلى فكرة الكتاب الأساسية التي تتركز حول كيفية تسخير هذه المؤسسات -اقتصادية كانت أم سياسية- كل إمكاناتها المادية والمعنوية لخلق الفوضى، ثم ترتيبها وتوجيهها لمصلحتها الخاصة. وأدل مثال على ذلك، فوضى الوفرة الكثيفة في المنتجات التي تشهدها الأسوق العربية، والتي دفعت المستهلكين بسبب أو دونه إلى الشراء دون الحاجة، وتكديس الأشياء، ثم التخلص منها لاحقا، في محاولة من شركات الإنتاج إلى "شفط ما في جيوب المستهلكين من أموال".

ويقول الكاتب في هذا الصدد: "انعكست تلك الملكية الهائلة على مبانينا الفكرية وأخلاقياتنا. فظهرت ديانات جديدة لا يتحدث فيها أصحابها عن إله بدل إله، بل جهاز بدل جهاز. تلك العلاقة وصلت من العمق إلى درجة الحزن على فقد جهاز أكثر منه على وفاة صديق".

الدوار الاقتصادي
ويمضي الكاتب مؤكدا على أن كل شيء في واقع الدوار محوره الاقتصاد والمال، ويدور حول العلاقة الوثيقة بين منظومات صناعية وخدمية لا تستطيع أن توقف نشاطها للحظة، ومستهلكين ينفقون جل مداخيلهم في الشراء، ما وضع الفرد بين فكي كماشة شعارها "الإنفاق من أجل إبقاء الخدمة".

وهذه الفوضى لم تقتصر على ما توفره السوق من أشياء، بل امتدت لتطال تطويع الدين كي يتماشى مع مفهوم السوق. فمثلا يقول الكاتب: "صار لكثير من البنوك العالمية الغارقة في الربا خدمات إسلامية، ملخصها لجنة شرعية، قروض مرابحة وتورق، ومن لا يريد الربا فالبنك لا يمانع في أكله".

ويرى الكاتب أن "خلق حلول انتقائية إسلامية تلبي احتياجات الإنسان في واقع الدوار، شد الإسلام دينا وعقيدة إلى عين العاصفة". ويشدد على أن "البنوك وموظفوها هم من المؤسسات المالية التي ساهمت في خلق الفوضى الممنهجة، منذ أن أطلقت الحكومات أيديهم للتربح بأي طريقة، ما دامت ضمن نطاق القانون".

ويتندر قائلا: "تخيلوا أن خبراء الربا والابتزاز أصبحوا بين ليلة وضحاها خبراء في الحلول البنكية الإسلامية، وصار الموظف اللبق الذي نعرف أنه لا يرى لنا وزنا ولا يهمه من أمرنا إلا قبول القروض التي تجعلنا عبيدا للبنك، ممثلا للشرع ومتحدثا باسمه".

وعلى ذات المنوال، "تحولت الديانات إلى فرص استثمارية يسعى الكل إلى جني نصيب منها"، كما يقول المؤلف، فأصبحت هناك "صناعات كاملة في السياحة الدينية، الجهاد، بناء المساجد، وكل الأنشطة الدينية الأخرى".

وفي واقع مثل هذا –يقول الكاتب- "تسيير الأحداث عبر خلق أنماط من الفوضى الممنهجة، وفق بناء ذو هيكل مرتب، تتوزع فيه المسؤوليات، تقسم فيه الثروات وتخبأ في ضبابه الحقائق، بما يسمح بتعطيل أي صنف للمعارضة من جهة، وتحويل كل طبقات المجتمع الإنساني إلى مستهلكين نهمين من جهة أخرى".

وما جعلنا نصل إلى هذه النقطة -كما يؤكد الحركان- هو واقع ما بعد العولمة، الذي يفتقر للنقد أو الاعتراض. "واقع تصول فيه وتجول مبان فكرية شديدة الحركة والتبدل، خالية تماما من أي معطيات أو قواعد نقدية متفق عليها، ما يجعل كل شيء صحيحا، جيدا، ونافعا، على قاعدة (مصائب قوم عند قوم فوائد)".

ويفصل الكاتب كيف أن واقع الدوار صنع نهما غير مسبوق في تاريخ الإنسانية للاستهلاك، قابله تهافت للثوابت بجميع أنواعها، فكانت النتيجة وفرة غير مسبوقة في بيع الأجساد والأذهان، ومثال ذلك الفيض الهائل من الأفلام الإباحية في كل مكان.

عالمية الظاهرة
ويشير الكاتب إلى أن أول من تنبه إلى فكرة الدوار الكاتب البريطاني جورج أورويل، صاحب كتاب "١٩٨٤" الصادر عام ١٩٤٨، وتحدث فيه عن حروب تسمي "سلام"، وعبودية تسمي "حرية"، وجهل يسمي "معرفة".

وظاهرة الدوار التي تأخذ شكلا ممنهجا هي واقع عالمي - كما يقول المؤلف- يتعدى الثقافة العربية والإسلامية. وفي هذا العالم تختلف المعاني، فالنزاهة مثلا لها معني "البله"، وللشجاعة معني "الجنون"، وللتحرش معني "الغزل". ويستطرد: "أصبح عالم الدوار يعج بالجدد من كل صنف، مسلمون جدد، محافظون جدد، متسولون جدد، أغنياء جدد، وحتي فلاسفة وفنانين جدد".

ويتنقل الحركان عبر كتابه إلى مستويات عدة من الجدل في محاولة للتأكيد على فكرة وضع منهجية لقبول هذه الفوضى، إذ يري أنه ليس بمقدور أي إنسان إزالتها، أو حتى وقفها، وكل ما علينا فعله هو أن نطوير أساليب مبتكرة للتعايش معها بسلام.

ويرجع صعوبة القضاء على هذه الفوضى إلى "أن واقع الدوار بُني على مراحل يصعب على الناقد تحديد معالمها. واقع شاركت فيه أيد ظاهرة وخفية، كل منها له هدفه ومآربه الشخصية دون أن يرى أحد – كما يبدو لنا- ما ستؤول إليه الأمور في النهاية".

أكثر من ذلك، يتحدث الحركان عن أن خلق الفوضى الممنهجة، له أساسيات وميكانيكيات محددة تستثير الفعل وتتوقع ردة الفعل عند الفرد. وهي ميكانيكيات تم دراستها وتجريبها، والتأكد من مستويات الخطأ والصواب فيها. ويستدل بذلك على "صناعة الإرهاب التي ازدهرت في الفترة الماضية، وكانت بمثابة ترميم لنظام اقتصادي متهالك، عبر تنشيط أهم دعائمه: السلاح وصناعته".

جيل الثورات
وأمام هذا الحال، أصبح على الجيل الثاني لواقع الدوار، ممن هم في العشريات من العمر حاليا في عالمنا العربي والإسلامي؛ حمل هذا الموروث الثقافي، الاجتماعي والمالي. هذا بالإضافة إلى ما يحمله أصلا من مشاكل فقدان الهوية، البطالة، وضعف البنية الوجدانية. علاوة على أن اختياراته الأيديولوجية باتت محصورة بين تدين ليبرالي، تطرف إلحادي، وليبرالية غربية.

وفي هذا المقام، يقول الحركان، إن الربيع العربي -الذي يضعه في كتابه بين علامتي تنصيص- فتح الباب لهذا الجيل، "ليس للتعبير عن الأخلاط الفلسفية التي يعتقد بها، بل ممارسة كل طقوس فكرية أو عقائدية، وصلت في كثير من الأحيان حد الكفر والإلحاد بصريح العبارة، في محاولة لإغاظة الحرس القديم، دون أن يدري الطرفان أن النزال بينهما مجرد مسرحية درامية، مقبولة اجتماعيا، لكن تجني من ورائها مؤسسات عالمية ما تجني".

لكن الكاتب في الوقت نفسه، لا يقلل من شأن من ضحوا في سبيل التغير في مصر وتونس واليمن وسوريا وليبيا. "وإن كانوا أبطالا بعين الثابت، إلا أنهم بعين الدوار، ليسوا سوى بيادق ضحت بها الشركات العالمية من أجل خلق جو استثماري جديد في مناطق كانت على وشك الدخول في حالة ضمور مؤسساتي عام"، كما يقول الحركان.

دوار الإسلام السياسي
وفي عالم الدوار السياسي، يتطرق الحركان بإسهاب إلى صعود التيارات الإسلامية إلى سدة الحكم في بعض البلدان العربية خلال السنتين الماضيتين، منتقدا بشدة هذه التجربة، ومستبعدا أن ترقى إلى تجربة الإسلاميين في تركيا.

ويبرر في هذا الصدد كيف أن الربيع العربي خدم التيارات الإسلامية بشكل واضح، ويقول: "بينما كانت الشعوب تريد حريات من خلال المعروض في سوق الفكر السياسي (ديمقراطية واقتراع على الطريقة الغربية)، تقدمت الأحزاب الإسلامية، ليس لأن لديها مقترحات تنموية واضحة المعالم، لكن لأنها الأكثر ترتيبا وجاهزية".

وينتقد تمترس الجماعات الإسلامية الحاكمة وراء آرائها، ورفضها أي نقد يوجه إليها، ويعزو ذلك إلى أن الإسلاميين "يعتبرون انخراطهم بالسياسة نوعا من الاصطفاء الرباني، الذي يجعل أقوالهم وأفعالهم غير قابلة للنقد، على اعتبار أن نقاش الإسلامي نقاش للدين ككل".

ويسترجع الكاتب نماذج من التعنت الفكري السياسي في التاريخ العربي والإسلامي، وكيف أنها أدت إلى عدم الصمود في مجابهة عوامل الزمن. ويقول "إن هذا التعنت يمكن رؤيته في كل المدارس الفكرية الإسلامية وغير الإسلامية. من تزمت الشيخ سيد قطب، وتشدد الرئيس عبد الناصر، وتطرف بن لادن والظواهري وصدام حسن والقافي والأسد".

ويستبعد الكاتب أن ينجح الإسلاميون في العالم العربي في سلوك طريق حزب العدالة والتنمية التركي. ويسوق في ذلك أسبابا ثلاثة: "القاعدة الفكرية والفلسفية لحزب العدالة والتنمية، المرونة الفائقة للشخصيات القيادية فيه، والمستوى الثقافي المرتفع للشعب التركي".

ويفصل الحركان في هذا الصدد بأن حزب العدالة والتنمية التركي حزب سياسي محافظ، ينأى بنفسه بذكاء عن أن يكون إسلاميا رغم جذوره الدينية. ويضيف أن "رحلتهم كانت مميزة في قدرتها على الخلط بين الدين والدنيا، بين الاهتمام بالتربية الدينية وبناء الإمبراطورية الصناعية، وبين بناء الجسور في العالم الإسلامي والمثابرة على طلب الانضمام للاتحاد الأوروبي".

ويستطرد قائلا: "وصل الحزب إلى سدة الحكم بما أثبته رجالاته من قدرات فائقة على وضع الحلول الاقتصادية، وتحسين الظروف المعيشية للشعب، بينما كل ما تتحدث عنه الأحزاب الإسلامية في العالم العربي هو مدينة فاضلة، يأمر فيها بالمعروف وينهي فيها عن المنكر. ولا يعرف عن رجالات الأحزاب الإسلامية العربية أنهم أصحاب إمبراطوريات صناعية أو خبرات إدارية مبهرة".

فضلا عن ذلك، فإن حزب العدالة والتنمية التركي "وصل للحكم بعد تجارب عدة لرجالاته تآلفوا فيها مع العلمانيين والشيوعيين. بينما الأحزاب العربية الإسلامية تخاف على نفسها من التلوث بأي فكر مخالف لفكرها"، كما يقول المؤلف.

ويختم الحركان كتابه بتقديم ما يقول إنه علاج للدوار، يستند بالأساس إلى الاعتراف بأننا مصابون به، ثم النقد والتمحيص للمشكلة، وأخيرا الفهم العميق للارتباط التبادلي بين المشكلة وأدوات حلها.

ويخلص الكاتب إلى أن أكبر التحديات التي تواجه المجتمعات العربية حاليا تتمثل في أربعة أمور: الخطاب الديني، التربية وتعليم النشء، إعادة ترتيب المرجعيات، واحترام الأقليات والاستفادة من تجاربهم. ويؤكد في الوقت ذاته على أن الشبيبة في واقع الدوار هم الأمل للمجتمعات العربية، وهم ليسوا بحاجة إلى وصاية، أو توجيه، ولا نصح. إنهم بحاجة لأدوات ومهارات، وأفق معرفي حر، يصنعون فيه مستقبلهم.

نموذج عرض وتقديم الكتب

No comments:

Post a Comment