Friday, May 17, 2013

نكبة لا تشبه الموت



نكبة لا تشبه الموت

حين كان صبيا لم يبلغ بعد سنواته العشر، حدثه والده السبعيني عن تفاصيل هجرة العائلة من قريتهم الصغيرة المطلة على بحر يافا. وقد دأب الصبي على ترتيب المشاهد التي يرويها والده من الأفظع، ثم الفظيع، فالأقل فظاعة.

كان مثلا المشهد الأفظع بالنسبة للصبي، المجزرة التي ارتكبت في قرية دير ياسين، والتي قتل فيها أكثر من ٢٥٠ فلسطينيا، وشكلت علامة فارقة في مسيرة الهجرة، إذ دفعت الدعاية الإعلامية التي رافقتها بالعائلات الفلسطينية في القرى المجاورة للنزوح عنها خوفا.

المشهد الثاني الذي مازال منطبعا في ذهن الصبي، حزن والده غير المنقطع على ترك عشرات الدونمات من الأراضي المزروعة بالزيتون والقمح والحمضيات، التي كانت تشكل مصدر دخل العائلة الرئيس. كان يكفي أن يتحسس الوالد مفاتيح البيت المهجور لتنكأ جرحا دفينا في ذاكرته التي لم تخبُ يوميا.

المشهد الثالث تمثل في الرحلة الطويلة التي امتدت أميالا من المشي أو بامتطاء الدواب في السير من الشمال صوب الجنوب، وما رافقها من أهوال الموت للأطفال عطشا، والكبار جوعا. وما أثقل المشهد بالمعاناة، هو أن يترك الجمع من يموت وراء ظهورهم في مسيرة كلها محفوفة بالموت.

يحاول صبي الأمس، شاب اليوم، وبعد أن بلغ منتصف عقده الثالث، ترتيب الفظائع التي تشهدها سوريا من تقتيل وتشريد وتدمير، فتراه لا يبرح وهو يرتبها منطقة ”المشاهد الأفظع“، لدرجة تراجعت معها كل مشاهد الهجرة التي سردها له والده، وأصبحت غائرة جداً في بئر الذاكرة.

تنوء ذاكرة الشاب الثلاثيني اليوم، ومعها ذاكرة والده التسعيني، بحمل أنواء مشاهد الموت المتكررة يوميا الآتية من حمص وحماة وحلب، والتي لا تتوقف عن اجتياح ذاكرتيهما كل يوم، منذ ما يزيد على سنتين، فتراود الأب للحظة فكرة أن يغفر لمن أجبروه على الهجرة، فيستبعدها سريعا حين يدهمه سؤال الابن: وهل يغفر لقاتل يا أبي؟

تتضخم الذاكرة يوميا، ولا تصغر مشاهد الموت، أو حتى تقل. تتنهد الذاكرة من كثرة ما تحمل وتقول: يا لجرأة القاتل الذي لا يمل؟ تجيبه الروح المتدثرة بما تبقى من أسمال الحياة: لو كان الموت حكاية ضجرة لما مللت في ترديدها أمام القتلة كي يهجروها إلى مكان وزمان آخرين يمارسون فيهما لعبة الحياة حد الإتقان.

يراود العقل الضمير في الشاب بالابتعاد قليلا عن عبء الذاكرة الممتلئة بتفاصيل معارك القتل وغزارة أفكار ميادين الموت، إذ إن العقل أكبر المتآمرين على الضمير كي تشتغل يده في البطش والقتل. يبتعد، حينها يتكلم القلب، والقلب مكمن الضمير الآمن وبيته الدائم، ليحدثه قليلا عن أجمل ما كان أيام الهجرة ”المشاهد الأقل فظاعة“ عله يطفئ لديه المشاهد ”الأفظع“ في سوريا.

No comments:

Post a Comment