Saturday, June 8, 2013

ذنوب الثورة



ذنوب الثورة

ينهار الجسر بسبب خيانة المهندس فكرة حسن التخطيط للبناء.

لنعود إلى البداية. حين اندلعت الثورات في خمس دول عربية في غضون أقل من عام، كان لها هدفان: إطعام الأفواه الجائعة، وإيجاد فرص عمل للأيدي العاطلة أو المعطلة. وهذان الهدفان فكرتان أصيلتان تم خيانتهما لاحقا ممن قاموا بالثورات، لا سيما ممن لم يقدروا على تطوير أدوات تختبر فعاليتهما اجتماعيا.

وإن كان هذان الهدفان من حسنات الثورة، إلا أنها ارتكبت ذنوبا جلية، لكن يمكن التكفير عنها. أبرزها عدم التفريق بين أصالة الثوة كفكرة وفعاليتها كتطبيق، التمترس وراء الأشخاص، طغيان الأيديولوجيا الحزبية، وكلها عوامل ساهمت في تشويه فكرة الثورة، أو على الأقل إعاقة مسيرتها في تطوير أدوات فعالة تضمن سلامة مخرجاتها.

ففي أصل الفكرة وفعاليتها، يفرق الكاتب الجزائري مالك بن نبي في كتابه ”مشكلة الأفكار في العالم الإسلامي“ بين المفهومين ويقول: فكرة أصلية لا يعني ذلك فعاليتها الدائمة. وفكرة فعالة ليست بالضرورة صحيحة“.

ويضيف: والفكرة إذ تخرج إلى النور فهي إما صحيحة أو باطلة. وحينما تكون صحيحة فإنها تحتفظ بأصالتها حتى آخر الزمانلكن في المقابل، يمكن أن تفقد فعاليتها وهي في طريقها، حتى لو كانت صحيحة.

وترجمة هذا القول رأيناها ماثلة مؤخرا في ظهور مقاتل من المعارضة السورية في تسجيل مصور وهو يأكل كبد خصمه، مسدلا على هذا الفعل لباسا دينيا. وإن كانت فكرة الثورة إجمالا أصيلة في جذورها، إلا أنها لم تزرع في وعي هذا المقاتل فعاليتها المتمثلة في ”العفو عند المقدرة“.

الذنب الثاني للثورة تمثل في التمرس وراء الأشخاص على حساب الفكرة، أو تجسيد الفكرة في شخص، وهو ما أدى بدوره إلى هدمها. وفي استماتة مناصري الرئيس المصري محمد مرسي في الدفاع عنه من أجل الحفاظ على فعالية ”الانتخاب الديمقراطي“،  مثال على ذلك. رغم أن فكرة الانتخاب بالصندوق متأصلة في الثقافة الغربية، وبعيدة كل البعد عن الجماعات الإسلامية التي تتبنى فكر الشورى.

أما الذنب الثالث، فكان في خيانة الشخص أو الحزب فكرة الثورة بسبب طغيان أيديولوجيته الضيقة، وهو ما يهدم الفكرة أو هي تهدمهوربما هذا ما يفسر الفوضى السياسية التي تشوب بلدان الربيع العربي حاليا، التي يأطرها حراك مجتمعي على مختلف الصعد نحسبه مبررا، إلا أنه في الإطار الاجتماعي الأوسع يصب في إطار خيانة الثائرين لأفكار الثورة وأهدافها. وما التشرذم الذي شهدته الحركات الشبابية بعد أن أشعلت الثورات، إلا مثالا حيا على ذلك. انقسام حركة ٦ أبريل بعد الثورة في مصر إلى ما يشبه الحزبين نموذجا.

وتمثل الذنب الرابع للثورة، في عدم  ابتكارها أدوات ذاتية تحدد مسار فعاليتها، بحيث تأخذ خصوصية المجتمعات التي احتضنتها في الاعتبار. إذ لم يستنبط الثوار وهم في خضم أحداث العمل الثوري المتواترة، أدوات إنتاجية تنتقل بالثورة إلى تطوير وسائل عملية تحقق لها الإقلاع المتمثل في الانتقال إلى مرحلة الإنتاج المثمر.

فكانت النتيجة أن كل ما أنتجته الثورات حتى الآن على الأقل، فوضى  سياسية ضربت أسس أصالة فكرتها، في ظل الانجراف السريع وراء فعاليتها السلبية، والتي تدمر بدورها أي فكرة تغيير أصيلة مفترضة.

وهكذا طفحت كل هذه الممارسات على سطح الحراك السياسي للمجتمع في شكل ”ذنوب ثورية“، لم تتنبه القوى السياسية بعد للتكفير عنها من خلال العودة إلى أصالة الفكرة التي اندلعت من أجلها الثورات. وهذه ذنوب لا يمكن للتاريخ أن يغفرها، إلا إن فرش الثائرون ”سجادة الأصالة“، ومن ثم دخلوا في ”صلاة إنتاجية “جماعية تحصن المجتمع من المحاولات المتكررة لاغتصاب أصالة أفكاره.

No comments:

Post a Comment