Sunday, July 21, 2013

البرستيج

البرستيج

للبرستيج مراتب عدة، أدناها سيارة فخمة وأعلاها ”عنصرية العطر“.

روى لي صديق بعد وصوله إلى البلاد بأسبوع هذه القصة:

بينما كنتُ أهمُ بمغادرة المكتب بعد يوم عمل طويل، تصادف خروجي مع مديرة المكتب. فاقترحت علي أن تقلني بسيارتها، خصوصا لما عرفت أن مكان إقامتي في نفس الطريق إلى بيتها.

ولما اقتربنا من سيارتها، قالت لي: اعذرني، هذه سيارتي المؤقتة، وقد أعطتني إياها الوكالة إلى حين إصلاح سيارتي ذات الدفع الرباعي.

ظل الموقف موضع تحليل وتفكير لدى صديقي، إلا أن التقاني في مساء اليوم التالي، وبعد أن سرد لي القصة، أردفها بأسئلة استغراب: أنا لم أسألها لماذا تقود سيارة صغيرة مع إنها تبدو ثمينة؟ ولا خطر في بالي أصلا أن أعرف إن كانت هذه سياراتها الحقيقة أم لا؟ ولم يثر فضولي على الإطلاق سوى معرفة السر وراء هذا التبرير بشأن السيارة والذي لم أتوقعه ولم أطلبه! فما هو تفسيرك؟

قلت: يا صديقي، هذا هو البرستيج، بكل بساطة.

الشيء نفسه حصل معي عندما وطأت قدماي البلد، وقد كنت أريد شراء سيارة. فأخذني صديق على ثلاث وكالات: مرسيدس، بي أم دبل يو، وفولكس فاجين. كان في جيبي حينها بضع مئات من الدولارات، وكانت أرخص سيارة في المعارض الثلاث ثمنها 40 ألف دولار. قلت له: إن ميزانيتي لا تسمح، فهل هناك ما هو أرخص؟ أجابني: نعم، واستدرك ضاحكا: لكن أنت تعمل في مؤسسة ”مرموقة“ وبرستيجك يستلزم سيارة ”فخمة“.

حسبته يمزح، لكن مع الوقت، تبين لي أن الأمر ظاهرة. صديقي هذا اشتكى لي لاحقا أنه يدفع ثلث راتبه تقريبا أقساطا شهرية لقاء سيارته وهي ”نيسان ألتيما“، وهذا الالتزام سيستمر خمس سنوات! كم هو مكلف البرستيج!

دارت الأيام، وأصبحت ”ثريا“ بما يكفي كي أغير سيارتي الحالية. وفي حديث لي مع أصدقاء قلت: أريد أن أشتري سيارة فولكس فاجن ذات دفع رباعي نوع ”تيجوان“. فأجانبي أحدهم بجدية: هذه سيارة بناتية (سيارة للبنات). وكانت هذه درجة متقدمة من البرستيج، أعترف أنها صدمتني بعنف. ثم شتمته في سري بكلمتين مجموعهما خمسة حروف.

وغزلا على ذات المنوال، هناك من يمتلك، وبكل قوة، ترف التصنيف بين العطر، فهذا حريمي وذاك رجالي. بصراحة، أنا لا أحتمل ترف هذا التصنيف. وهذا درجة ثالثة من البرستيج، ترقى إلى ما يصح أن نطلق عليه ”عنصرية العطر“.

وذات مرة دعوت صديق لي لتناول طعام العشاء في مطعم، أحسبه فخما، وقد كان ذلك أول يوم له في البلد. اتصل بصديقي زميل له في العمل أنا لا أعرفه، وأبلغه صديقي: نحن في المطعم الفلاني، فلم يعجب الزميل أننا نجلس في هذا المكان. فاتورة هذا العشاء وملحقاته بلغت ٨٠ دولارا أميركيا. لك أن تتخيل عزيزي القارئ جودة مطعم يسدد فيه مثل هذا المبلغ، والأدهى أن يعتبر هذا البرستيج Low Class!

وذات مرة ثانية، اصطحبني صديق إلى محل للساعات السويسرية. كانت أرخص ساعة فيه ”هاند ميد“ ثمنها ٤ آلاف دولار. سألته: هل حدث واشتريت ساعة من هنا؟ فأجابني بنوع من الاستهجان المخلوط بالغرور: مرة كنت زهقان وجئت إلى هنا واشتريت ساعة مذهبة؟ ثم أردف لتبرير فعله بشيء من علم النفس: الملل يمكن بسهولة تبديده بالتسوق. شعرت كم أني فقير، وألقمته في سري شيمة من مقطعين، مجموعهما خمسة حروف أيضا.

ومن البرستيج أيضا، أن تدخل في مضاربة لشراء رقم مميز لسيارتك بمليون، بمليونين، أول ثلاثة ملايين، ولك عزيزي القارئ أن تضع العملة التي تحب أمام الرقم المليوني. أما البرستيج الأكبر فهو أن تصارع من أجل كسب رقم سيارة، يكون هو نفسه رقم الموبايل.


بس خلاص، أنا زهقت!

No comments:

Post a Comment