Friday, July 12, 2013

نقطة ساخنة وأخرى باردة

نقطة ساخنة وأخرى باردة

بينما كنت أقلب في دفاتري القديمة مؤخراً، لتدوين ما يمكن أن يكون قد دفنه الزمن، قبل الانتقال إلى مرحلة جديدة من الكتابة أعد لها حاليا؛ صادفت هذه الوريقات بين عشرات أخرى. وقد رأيت أنه من المهم -بالنسبة لي- الكتابة عنها.

هذا اللقاء عمره عام ونيف، وكنت قد اتفقت مع صاحبه أني أريده دردشة أخرج منها بانطباعات أصيغها في مقال، لا مادة خبرية ذات عناوين براقة وكلام مستهلك. لم يسألني أين سأنشر هذه الانطباعات، لكني بادرته بأني سأنشرها في مدونتي، فرحب بالفكرة، على عكس آخر يحمل صفة ”الإعلامي الكبير“، بدت ردة فعله على الجواب نفسه باردة حين بادر هو بسؤالي: أين ستنشر المقابلة؟ لاحقا ستعرفون أين وضعتها.

كان اللقاء سريعا، إذ لم يتجاوز الساعة. كان الرجل أهدأ بكثير مما تشي به ثورة كلماته، أو كلماته الثورية المحبوكة بعناية. صوته خافت لدرجة الهمس فلا تكاد تسمعه، على عكس قوة نبرة صوته على الشاشة وهو يخط للصورة شعرا مقفى تارة، أو ما يشبه الشعر المنثور تارة أخرى.

إجاباته على أسئلتي كانت جملا قصيرة، أشبه بالرصاصة والتي لو لم تكن صغيرة لكان مفعولها ضعيفا.

هذا الرجل يُنطق الصورة، بل يتعمد ذلك ببراعة فريدة. وهذا أكثر ما جذبني إليه. ومنه خبرت أن النص المتقن وراء نجاح أي عمل تلفزيوني، وأن النص الرديء يقتل أقوى الصور. وإن كانت الصورة تغني عن ألف كلمة -كما يقول أهل الصحافة- فإن نص هذا الرجل المرفق بالصورة يرفع سخونتها إلى أكثر من الألف بمرات.

ابتسامته الجميلة التي لا تفارق محياه، تضيف عليها لحيته الفضية الخفيفة بريقا. شعر رأسه الكث الأبيض والمبعثر ذكرني ببيتي المستنجد بالله العباسي:

عيّرتني بالشيب وهو وقار              ليتها عيّرت بما هو عار
إن تكن شابت الذوائب مني            فالليالي تنيرها الأقمار

فأصحاب الشعر لا يليق وصفهم إلا به.

ما نسمعه من نصه ليس كل ما يكتبه، بل هو أجوده. إذ يقول إنه يحذف ”معظم النص“ قبل الوصول إلى النسخة النهائية منه. وعملية الحذف والإضافة والتنقيح ”تتكرر كثيرا“ إلى لحظة ما قبل البدء في التسجيل، كما يقول. وفي ذلك حكمة قد تكون صحيحة في جوانب حياتية عدة: ”احذف تنجح“.

وفي سر النجاح أيضاً يقول إنه ”يمارس ويجرب ويراقب، لكنه لا يقلد“، كما أنه ”يقرأ كثيرا“، وهذا دأب المبدعين. لكن عنده ”أن من يكتفي بالقراءة يسقط“. وفي مسألة التجربة والممارسة، يقول ”إن الموقف من القضية التي تعمل عليها مهم، ولا بد أن تتأثر بالموضوع على المستوى الشخصي والفكري، أن تشعر بالأشياء، فالشعور بالأشياء نبتة الإبداع وبذر للتميز في أرض النص، لكي تخرج الفكرة جميلة، وردة فعل طبيعية للواقع“.

اختلفت معه في نقطة مهمة قائلا: يشدني النص في أفلامك أكثر من الصورة. ضحك وقال: لكن التلفزيون هو صورة بالأساس. قلت له: عند متابعة أفلامك تحديدا، أتعامل مع التلفزيون على أنه راديو. فضحك أكثر. ثم أردف: حين تكون الصورة ضعيفة تحتاج عناية بالنص، وحين يكون النص ضعيفا، تسعفه قوة الصورة“ .

وقد اختلف معه آخرون في كثرة الكلام المقفى في نصوص أفلامه الوثائقية، وهو انتقاد رأى أنه ”في محله“، جعله لاحقا ”يخفف“ منه.

 التقطت صورة معه، لم يرها إلا صديق واحد لي، وحين رآها، رفقة مجموعة أخرى من الصور مع ”إعلاميين“ آخرين قال لي: لماذا لا تنشر مثل هذه الصور على صفحتك في فيسبوك. قلت: كان من الممكن أن يحدث ذلك لو كنت في سنتي الجامعية الأولى، لكن هذه الصور جاءتني متأخرة. تعلمت من الموقف أن ”الرجل الذي يحتفي به النص، لا يحب الصور.

كان هذا لقاء مع صاحب ”يحكى أن“ و”نقطة ساخنة“، أسعد طه.

وقد كنت أجريت بعض اللقاءات -القليلة حقيقة- مع من يحملون اسم ”الإعلامي الكبير“، إلا أن أي منها لم يعجبني ما قاله أصحابها. وقد كان رادار حدسي أول ما يلتقط بمجرد الانتهاء منها، ”سلة الزبالة.

وهذه هي النقطة الباردة.

ففي واحدة منها التقيت مع رئيس تحرير سابق لصحيفة عربية دولية شهيرة، ما أن يذكر اسمها حتى تليها كلمة ”اللندنية“. كان اللقاء جميلا، إلا أن سؤالا في آخره كان كفيلا برمي كل ما دونته  في ”الزبالة.

كان السؤال: لماذا لا تكتب عن هموم الشباب؟ وأردفت لكن في مخيلتي: معظم ما قرأته لك منذ زمن من أعمدة،  منصب على ”خراريف“ دارت بينك وبين من التقيتهم من رؤساء ومسؤولين.

قال: شباب اليوم لا يستطيعون فهم ما نكتبه نحن اليوم، فكل اهتماماتهم تكنولوجية، وليست فكرية. لم يترك لي المجال للرد، إذ هرول ذلك العجوز السبعيني مسرعا نحو فتاة عشرينية -جميلة جدا- كانت تأرجح ميكروفونا لإحدى الفضائيات معلق بطرف يدها، بانتظار مقابلة معه.

وفي لقاء آخر مع رئيس تحرير سابق لإحدى الصحف العربية ”اللندنية“ أيضا، إذ كنت مأخوذا بالثورات الشبابية التي كانت لتوها مندلعة في تونس ومصر، اقترحت على الرجل ”المرموق“ ذو المقال اليومي، أن يمنح مساحة عموده لمرة واحدة أسبوعيا لشاب واعد في الكتابة، وبتقديم لطيف منك. واستفهمت: ما رأيك؟

ويا ليتني لم أستفهم. فقد فهم المبادرة على أنها مشروع ”خلق فرص عمل“، ستزيحه عن منصبه. إذ أجابني أن ابنه الذي تخرج حديثاً في إحدى الجامعات البريطانية يواجه صعوبة في إيجاد عمل له في أوروبا، وأن مشكلة فرص العمل لم تعد مشكلة الشباب العربي وحده. حينها أدركت أن مبادرتي ”العبقرية“ لن تحل مشكلة البطالة! وأيقنت أكثر أني أمام كاتب معروف، ”مخرفن“.

No comments:

Post a Comment