Tuesday, July 30, 2013

الغرور الثوري

الغرور الثوري

في الثورة كما في الحرب، تكون الشهية مفتوحة على استخدام ”علامات التنصيص.

لم نكن نعرف أن بعض الإعلاميين المصريين يكنون كل هذا الحقد للفلسطينيين، لولا ما بات يطلق عليه ”ثورة ٣٠ يونيو“. ولولاها أيضا، لم نكن لنتعرف على مثل هذه الحالة من ”الغرور الثوري“، و”الانتشاء الوطني الضحل“، الذي منحته الثورة ”للثوريين المزيفين“، والتي جعلتهم يتوهمون بالاكتفاء بالذات، وتدمير كل ما هو غير مصري.

عام ٢٠١١، وبعد خمسة أشهر من الثورة في مصر، كان ما يطلق عليه ”الإعلامي“ المصري عمرو أديب، مشاركا في إحدى حلقات النقاش على المنصة في منتدى الإعلام العربي في دبي، والتي كان محورها ”الإعلام والثورة“.

قامت صحفية جزائرية قديرة مهنيا، بمداخلة بالعربية مطعمة ببعض الكلمات الفرنسية -فهمت كلامها رغم أني لم أتلق دروسا بالفرنسية طيلة حياتي. لاحقا، أخبرني صحفي جزائري أنه يشار للمرأة بالبنان في بلادها.

أتبعت السيدة المسنة مداخلتها بسؤال استنكاري ”للنخبوي“ أديب: كيف تسكت على وصف ”الإعلامي“ الرياضي ”مصطفى عبده“ لدولة بحجم الجزائر بأنها ”بلد المليون لقيط“، في إشارة إلى مليون شهيد جزائري قضوا إبان الثورة الجزائرية ضد الاحتلال الفرنسي.

و”الإعلامي“ عبده -الذي يحب أن يوصف بـ”الدكتور“- قام بفعلته إرضاء للرئيس الوريث في حينه جمال مبارك، في ذروة المعركة الإعلامية بين الجزائر ومصر خلال التصفيات الإفريقية المؤهلة إلى كأس العالم عام ٢٠١٠.

فرد أديب على الصحفية الجزائرية باستهجان مصطنع: ”حد فهم حاجة يا جماعة؟ أنا مفهمتش ولا أي حاجة؟ ده عربي ولا فرنساوي؟ ممكن تتكلمي بالعربي!“. على الفور، سرت همهمة بين أكثر من ٥٠٠ من الحضور، معيبين عليه هذه النبرة الاستعلائية أولا، والرد ”الوقح“ ثانيا، في ما يصح أن يطلق عليه ”الكِبْر الثوري“. وكان من الكلمات التي سمعتها همساً بين غالبية الحضور في وصف الرجل بأنه: ”سافل“، ”وقح“، ”حقير“. وأبرزها ”غير أديب“.

الإعلامي“ ذاته -وهو بالمناسبة من الفلول الذين طالبوا شباب التحرير بالعدول عن الاحتجاج في بداية ثورة ٢٥ يناير- هو من أشد المحرضين حاليا على الفلسطينيين. وقد قال صراحة: ”إن الفلسطينيين بيستاهلوا ما يجري لهم من إسرائيل“. ولشدة ما مدح إسرائيل مؤخراً ”اعتباطا“ وبعيدا عن أي منطق، ليس إلا لإدانة حماس وفق منطقه ”السطحي“؛ فإنه يَخالُ للمرء وكأنه يدعو الشباب المصري ”تبطينا“ للخدمة في الجيش الإسرائيلي!

اليوم يُسوق علينا هذا ”الرجرج“ رفقة ”كتيبة“ تتصدر الصف الأول من المشهد الإعلامي المصري، ”وطنية وثورة“، ويوزعون شهادات ”العمالة“ و”الخيانة“ على الناس وفق ما يمليه عليهم ”أباطرة المال السياسي“، و”أمراء الحروب الإعلامية“، ثم خيالهم ”المهترئ.

لقد فتح كثير من قنوات الإعلام المصري بعد ”ثورة ٣٠ يونيو“ شهيتي على استخدام علامات التنصيص بكثرة بشأن ما تطرحه حاليا من اتهامات ”ملفقة“ لغزة وحماس التي تحكمها، لا لشيء سوى لسحب كرهها الدفين على جماعة الإخوان المسلمين في مصر على كل ما إخواني في العالم، لا سيما حركة حماس في غزة، أو ما له صلة بهذه الجماعة من أحزاب في تونس وليبيا، رغم كل ما للجماعة من جذور ضاربة في عمق التاريخ شئنا أم أبينا، والتي يستحيل اقتلاعها، سواء اختلفنا معها أم اتفقنا.

ووصلت ”الهلوسة الإعلامية“ حد الادعاء -الذي يجافي المنطق تماما- بأن الرئيس المصري المعزول محمد مرسي ذو أصول فلسطينية. ورغم أن الرجل لو سمع هذا الكلام لكان لديه من المبررات ما يكفي لينتشي بهذه ”التهمة“، إلا أنها بنظر بعض الإعلاميين المصريين ”الموتورين“ تهمه كافية لتودعه السجن بضع سنين.

الغريب أن عددا قليلا من الكتاب المصريين انبرى لتفنيد هذه ”الهرطقات“ وأمثالها كثير، أذكر منهم فهمي هويدي. بينما التزم من كنا نحسبهم ”إعلاميون شرفاء“، وهم كثر، الصمت، وكأن الشاشات المعبئة بكل هذا الحقد تبث من كوكب آخر.

لكن، وإن خذل هؤلاء كلهم الفلسطينيين، فإننا سنكتفي أمام هذه التهم، بتعليق أي طفل فلسطيني عليها، قد بدء استخدام الفيسبوك لتوه، بالتالي: ”ههههههههه“.


إن حالة ”الإدمان الثوري“ التي تشهدها مصر حاليا، والتي خلقت حالة فجة من التعالي على الآخرين، بما يسمح بتوزيع الاتهامات على الناس جزافا دون تدقيق أو تحقق، ستضمن لأصحابها في نهاية المطاف مكانا مرموقا في ”مزبلة التاريخ“، بعد أن حجزوا لأنفسهم مبكرا مساحة معتبرة في منطقة ”الضمير الميت“.

No comments:

Post a Comment